بعيداً عن مبالغة الاسلاميين العرب في نقده بطريقة أقرب للعاطفة بعيداً عن التركيز على المواطن الحقيقية التي يجب علينا أن ننتقده بها ، و عن مغالاة القوميين الأتراك في تأليهه ، و لعدم ايجادي لأي مصدر محايد  أستطيع أن أستقي منه معلومات واضحة موضوعية عن تاريخ مصطفي كمال أتاتورك ، و خاصة بعد مجيئي هنا إلى تركيا و رؤيتي لكمية التقدير و الحب من الكثير من الشعب التركي لشخص أتاتورك ، و في نفس الوقت كراهية الكثير من إسلاميّ تركيا له ، مع احتفاظ بعضهم ببعض التقدير له ، قررت أن أبحث بنفسي في بعض المصادر التركية . مع إطلاعي بالطبع من قبل على كتابات د- راغب السرجاني و الصلابي مع تقديري لهما و رؤيتي لنقدهم غير الموضوعي لأتاتورك ، قررت أن أبدأ في بحثي المطول عن الغازي مصطفي كمال كما يطلق عليه “أردوغان” اليوم ، لنرى سويا ” لم يرونه بطلا ؟ ”

إن إثبات أن اتاتورك شخص سيء لا يحتاج إلى إيراد المبالغات العاطفية، ولو فقط ذكرتم أعماله وسيرته كما هي لكان كافياً لإظهار مدى سوء الرجل.

كان هذا تعليق أحد المشاركين على مقال د- راغب السرجاني الشهير الخاص بأتاتورك و الذي بدأه بالسطور التالية :

هو طاغية العصر، وإمام العلمانيين، وقدوة العملاء والخائنين، صار مثالاً لكل كاره ومبغض لدين الإسلام، ونموذجًا يُحتذى به في كيفية إختراق الصف المسلم والتغلغل بداخله من أجل تفريقه وتمزيقه، وبالجملة فهو أشر خلق الله في عصره، ولا يعلم أحد كان نكبة على أمة الإسلام مثلما كان هذا المجرم اللعين،  ولكن هذا لا ينفي أن الجو المحيط بأمة الإسلام هو الذي أسهم وبشدة في ظهور مثل هذا الشيطان الرجيم، الذي أسقط الخلافة وأصبح مثل الصنم يطوف حوله كل كاره ومبغض للدين، إنه مصطفي كمال الملقب بـ أتاتورك أي: أبو الأتراك.

من يقرأ مقال السرجاني يجد بسهولة كمية التحيز الموجودة بداخل سطوره ، و هذا فيما أظن يخالف منهجنا كمسلمين في الانصاف في اصدار الأحكام حتي مع أعداءنا ، حتي و لو كانوا كفاراً.

يبدأ السرجاني في مقاله بذكره معلومة إنجاب أتاتورك من سفاح ، و بالرغم من عدم صحة هذه المعلومة أو توثيقها تاريخياً ، و إذا افترضنا صحة تلك المعلومة ، فماذا يعيب الرجل بمولده من سفاح ؟ ، هل نأخذ هذا الرجل بذنب اقترفه غيره ؟ أنسينا الصحابي الذي وُلد أيضاً من سفاح ؟ ، و الذي نزلت من أجله – على بعض الأقوال – آية ” لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم” ، اذاً فذكر هذه المعلومة في موضع الكلام غير موضوعية اطلاقا في أن نشوه بها أتاتورك ، و أعتقد أنه لا حاجة في المزيد من الإقناع بحق هذه النقطة تحديداً و لننتقل إلى غيرها.

من النقاط الأخرى التي يذكرها المقال هو أنه بعد انضمامه للجيش العثماني كوّن جمعية سرية لإسقاط الخلافة و كان “مشهوراً” بسوء خلقه و انحلاله و فجوره إلى آخر تلك الصفات القبيحة ، و السؤال المنطقي هنا :كيف وصل أتاتورك إلى ما وصل اليه في الجيش العثماني و من الذي قام بترقيته ليصبح من كبار الجنود بالجيش و من ثم اختياره رئيساً للحكومة التركية عام 1920 أي قبل سقوط الخلافة العثمانية، ما يتغافله الكثيرون هنا أن الدولة العثمانية ذاتها كانت في اتجاهها إلى الاتجاه القومي سواء كان أتاتورك متواجداً أو لا، و لأن هذه النقطة تحتاج إلى المزيد من الأيضاًح فسوف أفرد لها مقالاً مستقلاً بإذن الله.

مما يُطلق على أتاتورك أيضاً كونه عميلاً للإنجليز و استدلالهم بمصدر وحيد غير موثوق في صحته من عدمه برغبته في تعيين السفير الإنجليزي كرئيساً للبلاد من بعده ، و هذا بالطبع منافي للعقل و للتاريخ أيضاً ، فدولة أتاتورك القائمة على القومية التركية لا يُتخيل لها أن يرأسها انجليزي ، و كيف بمن حارب الإنجليز في الحرب العالمية الأولى و كان قائداً للجيش العثماني ضد القوات الإنجليزية في موقعة جاليبولي أن يكون عميلاً لهم ، قد تتوافق المصالح ، و قد تُعقد الاتفاقات ، و لكن هذا لا يعني عمالة أتاتورك لصالح بريطانيا ! ، فقد حمي أتاتورك نسبياً تركيا من الانتداب البريطاني ! ، كيف حدث ذلك ؟ ، و هل كان هذا تصرفاً صحيحاً منه أم خاطئاً؟  هذا ما يمكن أن يُناقش ، و لكن أن نحكم عليه بالعمالة هكذا دون أي دلائل منطقية ، فهذا ما يجب أن ندقق مرة أخرى في صحته.

الموضوع ببساطة أن إنجلترا عرضت على تركيا بأن تخلع من عليها رداء الخلافة مقابل نيل حريتها ، كان عرضاً و وافق عليه أتاتورك بعد أن رأى أصلاً أن الدولة العثمانية مفككة و أنه ليس لها أي سلطة على أي قطعة من الأراضي العثمانية ، فمصر كانت تحت الانتداب البريطاني على سبيل المثال ، و الشام كان مقسماً بين بريطانيا و فرنسا ، و ليبيا كانت تحت الاستعمار الايطالي ، و دول البلقان نالت استقلالها عن الخلافة العثمانية ، و كذلك فعلت اليونان ، إذن فالدولة أصلاً كانت قد انتهت فعلياً و لم يبق منها غير اسمها ، رأي ذلك أتاتورك ، ففكر بفكره القومي بانقاذ بلده حتي لا تقع هي أيضاً تحت راية الاستعمار ، و هذا أيضاً ما فعله جمال عبد الناصر مع البريطان في مصر ، فعرضت بريطانيا على مصر بنيل حريتها مقابل فصلها عن السودان – كان قد عُرض عليهم من قبل –  ، و رفضه على سبيل المثال النحاس و قال مقولته الشهيرة : ” فلتقطع يدي قبل أن نترك السودان ” ، إذن فالعرض إذن قديم ،  و لكن كان يتم دائماً رفضه ، و عندما وافق عليه عبد الناصر و عرض قضية الفصل للاستفتاء في السودان قامت إنجلترا باتخاذ قرارها بالانسحاب من مصر ، فأهدافها كانت حُققت و لا حاجة إذن للبقاء و تكبد المزيد من الأعباء المادية على كاهل بريطانيا ، و هذا أيضاً حدث في تركيا ، لأن بريطانيا اطمأنت أن من تولى قيادة تركيا يحقق مصالحها أو على الأقل لن يهدد مصالحها فلا حاجة إذن من استكمال مشروع الانتداب ، إذن فقرار أتاتورك هنا لم يكن نابعاً عن العمالة ، و إنما نابعاً من عقيدته القومية الغير إسلامية ، و أي شخص قومي غير إسلامي يعيش على قيد الحياة في يومنا هذا لو وُضع في ذات الموقف لاتخذ نفس قرار أتاتورك ، إذن هي مسألة عقائد لا مسألة عمالة بريطانية ، أما إذا قلنا أنه ” خان الله و رسوله ” فهذا موضوع آخر ، ينطلق من عقيدتنا نحن كمسلمين ، و لكن أيضاً في ذات الوقت تظل مقولة ” عميل بريطانيا ” غير صحيحة أو غير دقيقة تاريخياً.

نقطة أخرى يفضل النظر إليها عند الحديث عن أتاتورك ، بعيدا عن أخلاقه الشخصية حيث أن أخلاقه تلك كان يوجد بعض السلاطين العثمانيين ممن يتحلون بها ، حيث أن دولة العثمانيين لو كانت صالحة على طوال تاريخها لما سقطت ! ، تلك سنن الله عز و جل التي لا يحابي فيها أحداً على حساب أحد ، قام العثمانيين بالانحراف عن الصراط فسقطت الدولة ، المعادلة بسيطة ، و لكن دعنا نؤجل نقطة الأخلاق الشخصية إلى مقال آخر إذا دعتنا الحاجة إلى الحديث عنها ، و لنناقش الآن بعض الادعاءات السياسية الخاصة باسقاط الخلافة و إقرار العلمانية كنظام للجمهورية التركية الناشئة.

أتاتورك ، مؤسس العلمانية ، مُسقط الخلافة، الكاره للإسلام و للمسلمين ، هذه هي النقاط البسيطة التي تستخلصها من أي حديث عن أتاتورك من جانب الإسلاميين ، و لكن أثناء تجولى في فضاء الإنترنت وجدت مقال على شبكة الإنترنت بعنوان : “الدولة المدنية هل هي مدنية حقا ؟ ” لكاتبه يوسف أبو عالية ، يتناول فيه هذا الموضوع ، و كان هذا المقال من المحفزات التي دفعتني للبحث بعمق أكبر في قضية أتاتورك ، أستخلص من مقال الكاتب أن أتاتورك لم يكن علمانياً في حقيقته إنما استخدم الدين بوجهة نظر جديدة ليحقق بها مصالحه و ليضفي بها سلطويته ، و ليضيف إليه شرعية خاصة . حتي مع حربه على الدين، حيث أنه اذا كان أصلا سار على خطي الفكر العثماني فما الحاجة إليه كمجدد للدولة إذن ؟ فكان عليه أن يتخذ فكره الديني الخاص و يفرضه فرضاً على الأمة التركية لإضفاء شرعيته و لربط شخصه بشخص الجمهورية التركية !

فنموذج أتاتورك لم يقدم العلمانية بمفهوم العلمانية الأمريكية أو الفرنسية بل وضع المجال الديني تحت إشرافه ، فمثلاً المعلومة المتعارف عليها من كتابات الإسلاميين أن أتاتورك ألغى منصب شيخ الإسلام و أغلق الإخوانيات و المدارس الدينية و لكن صديقي ، المعلومة ناقصة ، فأتاتورك أحل محل تلك المؤسسات مؤسسة “ديانت” أي هيئة الشئون الدينية التي كان من مهامها نشر الإسلام الأتاتوركي “أو بما نسميه في أيامنا تلك الاسلام الوسطي ! ” لتساعد أتاتورك على الهيمنة على الأوضاع و تمهيدها له كلياً .

و كان حجر أتاتورك للتعليم الديني خارج إطار مؤسسات دولته نابعاً من ديكتاتورية شخصه و رغبته في الحفاظ على سلطته.

و المثال الشهير أيضاً على ” كراهية أتاتورك للإسلام ” كما هو موجود في كتابات الإسلاميين هو منع ارتداء الحجاب ، و لكن دعونا نكمل مع المقال المشار إليه بالأعلى و نرى هل كان ذلك يحدث مع المسلمين فقط ؟ هل كان هذا فقط منطلقه كراهية الإسلام ؟ أم أن هنالك عواملاً أخرى أدت إلى فعل ما فعله أتاتورك ؟

دعونا إذن نقرأ هذه السطور المنقولة من الكاتب :”

لكن إذا كانت الدولة الكمالية –المنتسبة للعلمانية- تُخْضِع الأغلبية المسلمة لقراءاتها الخاصة، فما الذي تنتهجه ضد الأقليات غير المسلمة والأقليات المسلمة غير السنية [كالعلويين] والأقليات العرقية الأخرى؟ الحقيقة هنا صادمة تماماً، فالمواطَنَة –التي هي أبسط مُسلمات العلمانية- لم تكن متواجدة في النسخة العلمانية الكمالية كما هي في باقي النسخ العلمانية الأخرى؛ إذ كان التمييز لصالح نموذج نمطي تبنته الدولة وعبّر عنه بعض المثقفين بمصطلح «لاهاصوموت» وهي الأحرف الأولى للكلمات التركية المكافئة لـ (علماني) (حنفي) (سني) (مسلم) (تركي)، وكان التمييز فقط لصالح كل المواطنين الذين يتحلون بهذه الصفات على حساب الأقليات العرقية «كالأكراد» والمسلمة غير السنية «كالعلويين»، أما الأقليات غير المسلمة فقد كانت تعتبرهم الدولة «خطراً أمنياً» محتملاً ومن ثم لا يستحقون المواطنة الكاملة.

الجذور التاريخية لأبسط أشكال التمييز تبرز –مثلاً- في فرض ضريبة رأس المال (ڤارليك ڤيرجيزي) على الأقليات المسيحية واليهودية إبان الحرب العالمية الثانية مما أدى إلى إفلاس العديد من العائلات وإرسال غير القادرين على الدفع إلى معسكرات العمل بالسُخرة، ومصادرة دور الأيتام والمستشفيات المسيحية وحتى الكنائس، أما ما عدا تلك “السفاسف!” فنجد تاريخاً حافلاً بالمجازر التي قامت بها الدولة الكمالية أو تقاعست عن منعها ضد الأقليات الدينية والعرقية، منها إبادة الأرمن ومذابح «سيفو» ضد السريان ومذبحة «ديرسيم» (1937) ضد العلويين والأكراد ومعاركاً متصلة تلت ذلك -حتى أواخر القرن الماضي- ضد حزب العمال الكردستاني، بل ولا تزال أطياف هذا الاضطهاد والتمييز باقية حتى اليوم –رغم الإصلاحات التي تبناها حزب العدالة والتنمية إزاء الأقليات خلال سعيه للإنضمام إلى الاتحاد الأوروبي-، ففي العام قبل الماضي نشرت مفوضية الولايات المتحدة للحرية الدينية تقريراً [فبراير 2012] يضع تركيا ضمن قائمة البلدان التي تثير القلق بسبب تقييد الحريات الدينية للأقليات غير المسلمة [وتشمل اليونانيين والأرمن والمسيحيين وكذلك الأقلية اليهودية] إلى جانب الأقليات المسلمة غير السنية [كالعلويين] وبعض الفئات السُنية غير المرغوب بها [التي لم يُنزع عنها الطابع السياسي]. ”

إذن فنموذج أتاتورك كان نموذجاً سلطوياً قائماً على احتكار الدين لصالحه لينفذ بها قراءة خاصة لمجتمعه ، نعم هو عدو لنا كإسلاميين و من أسباب سقوط الخلافة – و لم يكن هو السبب الوحيد لسقوطها و أظن أيضاً أنه لم يكن هو السبب الرئيسي لسقوطها كما سنرى فيما بعد – ، و لكن لنتذكر سوياً قصة فرعون و سيدنا موسى عليه السلام ، كيف بدأت حرب فرعون لموسى ؟ ، فقط من أخبار السحرة لفرعون أن هذا الفتى سيكون خطراً على مُلكه فيما بعد ، أي قبل معرفة فرعون لدعوة موسى للدين ، إذن فحرب فرعون على الأساس لم تكن أمام الدين ، و لكنها تطورت لتصبح حرباً على الدين في خلال الحرب القائمة ذاتاً للحفاظ على الملك ، نعم حارب أتاتورك الدين و لكنها قد تكون حرباً قائمة أصلاً للوصول إلى السلطة .

أتاتورك هذا الذي قبل حربه مع اليونان – أثناء الخلافة – رفع القرآن و نادى بالجهاد ، و في معركة (شاناك كالي) قال مقولته الشهيرة : ” من يعرف يقرأ قراءة القرآن فليقرأ ، أمامنا عدة ثواني للموت ” ، و الذى كتب فيه شوقى بيته الشهير :

الله أكبر كم في الفتح من عجب …………..يا خالد الترك جدد خالد العرب

أتاتورك ذلك هو نفسه من قال بعد توليه الحكم للإعلان عن نفوذ قوانين حزبه الجمهوري : لن نحترم إلا قانون الجي هي بيه – حروف مختصرة لحزبه الجمهورى – ، لن نسمع للكتاب المنزل من السماء ، سنستمع فقط لقوانين حزبنا !

النقطة التى تثير الغيظ هي التركيز فقط بشكل عاطفي على خطايا أتاتورك و عدم ذكر المذابح التي قام بها ضد المسلمين و التى وضحها لي د – حمزة موسى بعد نشري لنسخة للعرض من تلك المقالة لأصدقائي ليقومون بالتعديل عليّ إن وقعت في بعض الأخطاء ، فقال لي الدكتور أن تلك الشحنات العاطفية التى ينقلها لنا المؤرخون العرب ما هو إلا نقل سطحي للتاريخ بعيداً عن المواضع الحقيقية التي يجب التركيز عليها و نشرها للجميع بوضوح.

من ردود الفعل التى وجدتها من أصدقائي أيضاً بعد عرضي لمقالتي لهم : و ماذا يفيد ذكرك لأتاتورك في تلك الأيام ؟

أقول لهم :

من خلال مناقشاتي للأتراك في هذا الموضوع و محاولتى لابراز الاتهامات العاطفية التى أوردها الدكتور السرجاني و الصلابي في مقالاتهما كنت أجد رداً بسيطاً جداً من الأتراك ألا و هو : العرب خونة ، هم من بدأوا محاولة الخروج على الخلافة ، هم من قاموا بحرب الخلافة بداية من الشريف حسين مروراً بعلي بك الكبير و ظاهر العمر و غيرهم ، و هم محقون إلى حد ما في ذلك ، أنت تتهمهم بأن أتاتورك أسقط الخلافة ، و هم يردون عليك بأنكم من حاولتم إسقاطها من البداية ، و الثقافة الشعبية التركية بها بعض الأمثال التى تسب العرب لتسرب مبدأ خيانة العرب في الكثير من النفوس فمن الأمثال الموجودة في الشارع التركي مثلا : مشكلة كشعر العرب ، خائن كالعرب ، عربي قذر.

و أن تخبرهم بأن أتاتورك أحل الخمر و الفجور ، فيخبرونك بأن الخمور كانت موجودة أصلاً في عهد العثمانيين ! ، دعوني أنقل لكم بعض من صفحات الدكتور الصلابى فيما ورد بشأن ذلك :

كان من أول أعمال السلطان مراد الثالث أن قام بمنع الخمور بعدما “شاعت بين الناس و أفرط فيها الجنود و خصوصا الانكشارية ” فثار الانكشاريون و اضطروه لرفع أمره بالمنع و هذا يدل على علامات ضعف الدولة بحيث السلطان لا يستطيع منع الخمور و إقامة أحكام الشرع عليهم ”

نستخلص من السطرين أن الخمر كانت منتشرة بالفعل قبل عهد السلطان مراد الثالث و أنه لم يستطع منعها ، هذا بالنسبة إلى جزئية الخمور ، أما بالنسبة للفحش و البذخ فلا تخفي مع الأسف نقطة الحريم و البذخ الذي عاش فيه السلاطين و البشوات في أواخر الدولة العثمانية، و من الطرائف التي أذكرها هنا مقولة أحد السائحين الألمان عندما وقف أمام لوحة فنية في تركيا تظهر حريم السلطان قائلا : ” لهذا السبب سقطت الدولة العثمانية ” !

و اذا أخبرتهم بأن أتاتورك هو من بدأ حركة القومية في تركيا ، فقد يردون عليك بأن من بدأها هم العثمانيون أيضاً ! ففي عهدهم بدأت حركة التتريك و محاولة جعل اللغة التركية هي اللغة الرسمية في الامبراطورية العثمانية و فرضها كذلك على الولايات العربية ، و قد يخبروك أيضاً عن المراسيم التي أصدرها السلطان عبد المجيد الأول حيث جاء في أحدها إعلان المساواة في الحقوق و الواجبات بين المسلم و غير المسلم و مساواة جميع الأديان أمام القانون و بالرغم من استنكار عموم الشعب و إعلان العلماء حينذاك لتكفير رشيد باشا الذى قام بإعلان هذا المرسوم لمنافاته للقرآن الكريم في مجمله و ضربه لعقيدة الولاء و البراء و تنحية جملة هامة فيما يتعلق بأهل الذمة و علاقات المسلمين مع غيرهم ، الا أن السلطان أصدر مرسوماً آخراً يؤكد فيه ما جاء في هذا المرسوم و يعلن أيضاً المساواة في التجنيد بين المسلمين و غير المسلمين و القضاء على حواجز نظام الملل ليتمتع كل مواطني الإمبراطورية بمواطنة عثمانية متساوية و بهكذا بدأت القومية في الامبراطورية العثمانية.

و اذا أخبروك بأن أتاتورك أسقط الشريعة ، فأخبرهم بأن رشيد باشا ذاته قد أنشأ خلال الدولة العثمانية مجلساً للنواب و وضع للدولة قانوناً للعقوبات وفق الشرائع الحديثة و استقدم رجلاً فرنسياً ليضع قانوناً حديثاً للدولة و بهذه الفرمانات تم استبعاد العمل بالشريعة الاسلامية و بدأ عهد التقنين في الدولة العثمانية.

و تم الاستمرار على هذا النهج إلى أن جاء عهد السلطان عبد الحميد الثاني و الذي كانت نتائج انتخابات البرلمان العثماني في عام 1877 مثيرة للسخرية حيث فاز المسلمون ب 71 مقعداً حينما استولى النصارى على 44 مقعداً و اليهود على 4 مقاعد ! تخيل حدوث تلك النتيجة في عهد الخلافة العثمانية ، تخيل وجود 48 غير مسلم في برلمان يشرع القوانين و يحل الحرام و يحرم الحلال إن شاء باصدار التشريعات ، و هذا بالطبع مما جعل السلطان – الرافض أصلاً لمبدأ الديمقراطية –  يُوقف هذا المجلس.

و إن أخبرتهم بأن أتاتورك حارب الإسلام ، فسيخبروك أيضاً أن الدولة العثمانية حاربته ، فقد حاربت الدولة حركة الإمام محمد بن عبد الوهاب التي نشأت في شبه الجزيرة العربية بالرغم من أن أتباع الدولة السلفية  لم يطلبوا الخلافة و لم يبدوا اعتراضهم على التبعية لها و لكن الخلاف قد انحصر في أمرين أساسيين :

الأول هو مطالبة السلفيين بضرورة التزام وفود الحجيج بمنهج الإسلام و الإقلاع عن كل ما فيه خروج عليه ، و الثاني هو شعور الدولة العثمانية بالحرج و الضعف أمام سيطرة الوهابيين على المدن المقدسة في الحجاز.

و لم تكن الحرب عربية كما يحاول البعض وصفها ، بل إنها كانت بين قوة إسلامية ليس لها أية أطماع سياسية و لكنها أبدت غيرة و حرصاً على العودة إلى الإسلام و هي القوة السعودية ، كما أظهرت حماساً في دفع خطر المستعمرين الكفار عن الديار الاسلامية ، أما القوة التي حاربتها و المرسلة من قبل وإلى مصر فأغلبها من الأرناؤوط و بعض الأتراك و النصارى و بعض الضباط الفرنسيين.

و قد نقل المؤرخ الجبرتي مقارنة بين هيئة القوتين أنذاك قائلاً :

” أين لنا النصر و أكثر عساكرنا على غير الملة ! و فيهم من لا يتدين بدين و صحبتنا صناديق المسكرات و لا يسمع في عرضينا أذان و لا تقام به فريضة ، و القوم ( يقصد الوهابيين ) اذا دخل الوقت إذن المؤذنون و ينتظمون صفوفاً خلف إمام واحد بخشوع و خضوع ، و إذا حان وقت الصلاة و الحرب قائمة أذن المؤذن وصلوا صلاة الخوف فتتقدم طائفة للحرب و تتأخر الأخرى للصلاة و عسكرنا يتعجبون من ذلك لأنهم لم يسمعوا به فضلاً عن رؤيته ، و ينادون في معسكرهم هلموا إلى حرب المشركين المحلقين الذقون المستبيحين الزنا و اللواط ، الشاربين الخمور “.

نقاط سريعة :

-من الأشياء التى أثارت عجبي أيضاً عدم رؤيتي لأي كاتب عربى أيا كانت هويته يتحدث عن عهد أتاتورك بشكل تفصيلي ، كيف كانت الحياة في عهده من النواحي السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ، كل ما رأيت كان كلاما سطحيا مختصراً لا يُسمن و لا يغني من جوع ، أنا حقاً بحاجة إلى القراءة في هذا الموضوع ! ، و ان أردت القراءة فلن أجد أمامي غير الكتابات التركية الممجدة له بالطبع ، حيث أن نقد أتاتورك بكتابة كتاب يفضح سيرته ممنوع في تركيا إلى الآن ! ، و هذا وحده دلالة على طغيانه و ديكتاتوريته !

– اذا ناقشت علمانياً بالدين فكأنك تناقش ملحداً بآية تتحدث عن علم الغيب ! ، فلا هذا سيستمع إلى كلامك و لا ذاك سيستمع إلى رأيك !

أعتقد أن مناقشة علمانيّ تركيا بخصوص أتاتورك يجب أن تُبنى أولاً على ما سببه من النواحي السياسية و الاقتصادية في تركيا و ما ورثه من بعده من ماض أسود لتركيا على مدار  عشرات السنين قبل مجئ أردوغان إلى الحكم.

– أتاتورك أصبح بطلاً في تركيا لامساكه بزمام الإعلام و التعليم في تركيا حيث زور الوعي و مسح ما أراد مسحه من التاريخ و أبقى و وضع ما يريد وضعه و تلفيقه  ، و لكن من مسح مبدأ الخلافة من نفوس العرب المسلمين ؟ ، من الذي مسح مبدأ الشريعة من عقيدة الكثير منا ؟ هل هو أتاتورك أيضاً ؟ بالطبع لا ، إذن فلنعامل من فعلوا ذلك معاملتنا لأتاتورك ، إذا قلنا بتكفير أتاتورك لفعله ذلك ، فلنعلن بصراحة تكفير من قاموا بذلك من حكام العرب !

– أتاتورك صنم فكري و ليس مجرد شخص قام بدور في إسقاط الخلافة ، و لكن هل يجب علينا أن نبدأ بهدمه ؟ أولاً عن طريق سبه أمام من يحبونه من الأتراك أم أننا بهذا نكون قد سببنا من يدعون من دون الله بغير علم فيسبوا الله أيضاً ! ، ما هي أولوياتنا نحن كناشرين للدعوة في تركيا تجاه موضوع أتاتورك ؟

– يظن البعض بأنني أحاول تحسين صورة أتاتورك بهذا المقال و هذا خطأ تماماً ، لست بحاجة إلى ذكر كراهيتي لأتاتورك في كل سطر من سطور المقال لأثبت لكم العكس !

– أخيراً ، لست بمؤرخاً و لا خبيراً بالتاريخ ، و لكنني كنت أحاول البحث فقط ، لم تقنعني تلك الكتابات التى رأيتها فأردت أن أستقصي الحقيقة بذاتي ، قد أكون مخطئاً و هذا طبيعي لشخص يحاول البحث في بحر كبير كالتاريخ ، و لكن يكفيني أنني حاولت الخروج من سجن المُسلْمَات و البحث بذاتي عما يشغل عقلى  ! ، لا أطلب منك أن تُسلم بما هو وارد في ذلك المقال ، و لكنني أطلب منك أيضاً إن اهتتمت بالبحث في ذلك الموضوع العميق ، لماذا سقطت الخلافة ؟ هل هي بسبب أتاتورك و فقط ؟ لا أظن !

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد