(1)
سيرًا على الأقدام يتجوّل في شوارع المدينة، وحيدًا، لا يهوى الصحبة ولا المواصلات، متأملاً، يتفحص الوجوه والعيون، شاردًا، يرسم بخياله قصصًا وحكايات، يخترق شقوق البيوت، ويتجاوز حوائطها الخرسانيّة فيعرف تمامًا ما يدور داخلها، باحثًا عن بطلٍ متمردٍ لروايته القادمة.

عاطف الطيّب، لم ينل نصيبًا كبيرًا من اسمه، فقط بين أصدقائه وأحبابه تستشف طيبته ونقاء روحه، لكنه قرر أن يتخلى عن هذه الصفة في أفلامه، ليس بدافع الجبروت أو الظلم، لكنه أدرك في مرحلة مبكرة من حياته أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، وأن الطيبة أحيانًا لا تمنح أصحابها ما يستحقونه من عدلٍ ورحمة.

هو ابن التمرد، مؤمنًا تمامًا أنه السبيل الوحيد لبلوغ الأماني، لا بالسلم ولا الحوار، متمسكًا بمبادئه إلى ما لا نهاية، ومحافظًا على النظام والعدل إلى أن يثبت القانون أنه عاجز عن تحقيقه، فيقرر وقتها أنه لا مجال للمصالحة ولا الاستسلام، وأن النهايات السعيدة هي التي يعود فيها الحق لأصحابه حتى لو بالذراع، والمواجهات المسلحة.

(2)
«لا أستطيع القول بأن أحلامنا وأفكارنا كانت واضحة أبدًا، كانت مجرد إرهاصات، تنبؤات، آمال. كنا نستبصر الدنيا، ونحن نسعى لشمول ثقافي، لا يعني القراءة فقط، ولكن الحياة مع مختلف الشرائح، فهم مجريات الأمور، الاحتكاك بالواقع، ملازمة التجارب، والقراءة أيضًا».

80

(3)
عروقه الصعيدية وطبيعة مشواره الناصري أجبراه على تقرير مصيره بين “أكون أو لا أكون”، وتجربته الطويلة القاسيّة أثناء فترة تجنيده منذ عام 1971 حتى 1975، والتي شهد خلالها حروب الاستنزاف، وشارك بعدها في حرب أكتوبر، أقنعته أنه لا مجال لأنصاف الحلول أو الخسارة، ولا خيار سوى أن تضغط زناد سلاحك لتقتل عدوك، وأن السعي كل السعي كان لاسترداد الكرامة والنصر.

كانت صدمته بعد كل هذا العناء والتحدي في الواقع المُر سببًا كافيًا لتمرده، بعد انهيار أحلام جيله تحت أقدام الانفتاح والطبقيّة التي فرضتها الرأسمالية بعد حرب أكتوبر، ليكون الخاسر الوحيد في اللعبة هو وأمثاله من الطامحين في وطنٍ أفلاطوني لا يَظلم ولا يَقهر.

(4)
«كان سؤالنا ـ المُر ـ كيف استطاع السادات في عشر سنوات أن “يشخبط” إنجازات عبد الناصر، رغم الجماهيرية الواسعة التي كانت تحيط بناصر وإنجازاته! رغم انحيازه للناس والفقراء! كيف تمكن السادات من كل هذه “الردة” والرجل لم تمر ذكراه الخامسة بعد؟!. كان يعني ذلك ـ لدينا وقتها ـ أمرين: الأول، أن خطأً ما شاب تجربة ناصر، علينا أن نعرفه وندركه. والثاني، أنه لا بُد من مواجهة ما يحدث ـ فنيًّا بالطبع ـ وطرح حل واضح كحد أدنى، وهو بث الهمة».

85

(5)
انعكست تجاربه الخاصة على أعماله، وظلت تيمته الأساسية “التمرد” حلاً لكل المعادلات الصعبة، ودواءً للمعاناة والألم.

تجده في الغالب يبدأ قصته من بيوت بسطاء، طامحين في سلامٍ واستقرارٍ يبعدهم تمامًا عن المشاكل، يتحسسون الحوائط بحذر وينظرون خلف ظهورهم خوفًا من طعنة خلفيّة تطيح بأمنهم، إلا أنهم سرعان ما يكتشفون أن استسلامهم لا يفيد، وسلامهم يخيفهم، ويُطَمّع فيهم أعداءهم، وقتها يقررون الانتصار لأنفسهم ولأمثالهم، بصرخة يختلط فيها الوجع بالرغبة في الانتقام، صرخة هي الكرامة بعينها.

“حسن” في “سواق الأتوبيس” أكبر مثال على ذلك، فهو واحد من الشخصيات التي أحبها “الطيّب” لدرجة أنه منحها كل صفاته، ولم يكتف، بل منحها شكله وهيئته، نفس الشارب، نفس تسريحة الشعر، ونفس طريقة اللبس، ولخص من خلاله أفكاره وتجاربه، والتي بدأها بمشهد لحرامي يسرق حقيبة سيدة بسيطة في أتوبيس يقوده “حسن” الذي لم يهتم بالحدث واستكمل خط سيره، وأنهاها بنفس المشهد، لكن هذه المرة يقرر “حسن” أن يقفز خلف الحرامي ويركض وراءه حتى يتمكن منه، ويُفرغ في وجهه طاقة القهر والوجع، بلكمات متتالية يصحابها صرخة “يا ولاد الكلب”، وكأنها انتصاره لنفسه من ظلم العالم وفساده، بعد أن عاش بين المشهدين سلسلة تجارب قاسيّة على المستوى الشخصي والعام، دفعته للخروج من الجحر ولدغ المعتدي.

“سبع الليل” في البريء أيضًا كان نموذجًا، فمن شاب قروي ساذج، مُطيع لأوامر أسياده دون تفكير أو جدال، إلى مُتمرد مُنتقم في نهاية الفيلم، يشهر سلاحه في وجه أسياده بعد اكتشافه المتأخر لحماقته.
ورغم أن الرقابة اعترضت بشده على هذه النهاية، إلا أن المخرج لم يستسلم واختار نهاية أخرى لا تختلف كثيرًا عن “حسن” سواق الأتوبيس، متمثلة في صرخة جديدة، تعلن رفضها الاستسلام للظلم والقهر.

(6)
ــ ضحكوا عليك يا سبع الليل، اللي هنا مش أعداء الوطن.. عارف يعني إيه وطن يا أحمد؟.. وطنك هو بلدك، عدو بلدك ليه شكل تاني غير شكلك، كلامه غير كلامك، بيرطن بلغة ماتعرفلهاش معنى، عدوك عايز يسرقك وينهبك، يفرح إذا أنت بكيت، ويشبع لما أنت تجوع، كل اللي هنا أهلك و ناسك يا أحمد.
ــ يا نهار أسود!.. لكن أنتم إيه اللي جابكوا هنا؟ وبيعملوا فيكوا كده ليه؟!
ــ عشان إحنا اللي فهمنا حاجة يا أحمد.

(7)
القضاء نفسه لم يتمكن من إرضاء رغبات “الطيّب” في القصاص من المتهم الحقيقي وتحقيق العدل، فنجد في فيلم “التخشيبة” القانون يقهر الطبيبة المتورطة في جريمة ملفقة بفعل أحد رجال الأعمال الذين حاولوا إغواءها ورفضت، مما يضطرها للثأر لنفسها، وقتله في نهاية الفيلم، في مشهد انتقامي يدفع المشاهد للتعاطف معها، بنفس درجة محاميها الذي قال لها في نهاية الفيلم: “لو مكونتيش قتلتيه، كنت قتلته أنا”.

وفي فيلم “ليلة ساخنة” يحاول البطل النقي الأمين أن يُسلّم حقيبة أموال أحد النصابين لقسم الشرطة، مع ذلك يجد نفسه متهمًا بقتله، ومشتبهًا فيه بدون داعٍ، وقتها يقرر أن يشير بيديه لرفيقته، طالبًا منها أن تأخذ الحقيبة وتهرب، فلا القانون ينصفهما، ولا الدنيا ستبكي على حالهما.

حتى عندما حاول القانون إنصاف المظلوم في أفلام “الطيّب”، تجد أن ثمّة ظلم آخر يقع عليه، يتمثل في النظرة الدونيّة من المجتمع للمتهم البريء، كما حدث تمامًا مع المتهمين في فيلم “ملف في الآداب”، عندما منحهم القاضي حكم البراءة في نهاية الفيلم من تهمة تمس الشرف بعد تأكده من عدم كفاية الأدلة وأنها تهمة ملفقة، مع ذلك لم يرحمهم المجتمع كما جاء على لسان البطلة في آخر مشهد: “حكم البراءة بتاعك ده يبعد عني سجن الحكومة، لكن مايبعدش عني السجن اللي بره”.

(8)
«إننا نعيش واقع تغمره الأحزان اليومية، والسينما مؤثرة بشكل كبير فى سلوكيات الناس، ولا بُد أن نناقش هذا الواقع ونسجل أحزان الناس، ونحاول بقدر المستطاع أن نغوص فى أعماقهم ونطرق بـ”ود” على أسباب متاعبنا.. هذا هو هدفي».

86

(9)
على جانب آخر، لم يستسلم عاطف الطيّب للتعريف السطحي للإرهاب وأدواته المتمثلة في السلاح والقتل كما يتصوره البعض، بل أصر على أنه “إرهاب الفكر”، صنيعة الأنظمة الفاسدة، ابن الظلم والقهر، والثقافة الضحلة، دفع مثلاً “جعفر الراوي” في فيلم “قلب الليل” أن يقتل صديقه المثقف لأنه – فقط – انتقد كتاباته، ونصحه بتكثيف الاطلاع والقراءة.

ودفع “منتصر” في فيلم الهروب من شاب يشهد الجميع برجولته، إلى متطرف عنيف لا يسعى إلا للانتقام بفعل ممارسات أصحاب النفوذ ممن وضعوا له المخدرات في غرفته، وأجهزة الدولة الأمنيّة التي لم تصدق روايته وتركته لفكره الثأري الذي دفعه للانتقام والقتل، حتى انتهي به الحال مقتولاً برصاص الأمن كإرهابي متطرف.

وأودى بحياة “سلوى” في فيلم كشف المستور، قتيلة داخل سيارتها، لأنها حاولت أن تعرف الحقيقة وتبحث وراء فساد الأجهزة الأمنيّة التي أقنعتها يومًا بأن ممارسة الجنس بأوامرها تعتبر “خدمة للوطن”.

(10)
ــ كلنا كنا فاكرين إننا بنخدم الوطن، حتى اللي عذبوا الناس في السجون كانوا فاكرين إنهم بيخدموا الوطن، وفي ناس كتير ماتت في مغامرات هايفة، وأكيد ماتوا وهم فاكرين إنهم بيخدموا الوطن.

(11)
“عاطف الطيّب” واحد من العلامات القليلة التي قررت أن تبقى على قيد الحياة أبد الدهر، حتى لو رحل الجسد، هو “ناجي العلي” بكل تفاصيله، لذلك صنع له “الطيّب” فيلمًا، وأصبح هو الشخصية الاعتبارية الوحيدة التي تناولها في فيلم كامل، لأن “عاطف” باختصار قرر أن يكون “حنظلة”، لا يموت ولا يستسلم، ينظر للجميع ويعبر عن كل ما يدور في قلوب المظلومين، مديرًا ظهره للاستعباد والقهر، رافعًا يده بعلامة النصر، أو بحجر أو بسلاح، كرموز للمقاومة في أوطان خانها سادتها.

صوتُ الحق والضمير الذي لا يكف عن الصراخ في وجه الحمقى ليرهبهم ويقلق منامهم، أو كما جاء على لسان بطلة الفيلم: “حتى وهو ميت مخوفكم!”، قاصدة ناجي العلي، لكنها في الواقع كانت تقصد مخرج الفيلم نفسه “عاطف الطيّب”، والذي قرر أن ينهي فيلمه بشعار أظن أنه جدير بأن يكتب على قبره: “سنلتقي ذات يوم حاملين صورة الوطن في العيون”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد