كان للتطرف الديني وربما العقلي لكهنة الكنيسة الكاثوليكية كل الفضل تاريخيًّا في تحويل الإلحاد من مجرد فكرة في أذهان فلاسفة اليونان الملحدين قديمًا (دياجوراس وأبيقور وأناكسيمينيس وغيرهم) إلى توجه طائفي أقرب ما يكون إلى دين متكامل الأركان بكهنة ومريدين، بل وكتاب مقدس أيضًا.

 

رفض الكهنة حتى مجرد النظر في تليسكوب جاليليو ليروا صدق أو كذب ادعائه العلمي، فضلاًعن إرهاق عقولهم في معادلات كوبرنيكوس، مشددين على أن كل ما يحتاجه الإنسان من العلم مسطور في الكتاب المقدس، فالعلم عورة، والعقل عورة، والفكر رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه.

 

تزاحمت الاكتشافات العلمية وتدافعت تفسيراته، فلا الكنيسة قدمت تفسيرات “شرعية” ولا منها تركت العلماء وشأنهم، بل قتلت هذا وحددت إقامة ذاك. لم تدخر الكنيسة جهدًا لتثبت للناس صراحة ادعاءات ملحدي الحداثة أن العلم ضد الدين، وربما كان هذا أول وآخر ما اتفق عليه الفريقان مباشرة قبل أن تنفجر فيها شعوب أوروبا كلها.

 

وفي منطقة جغرافية وزمنية أخرى ها هو التاريخ يعيد نفسه في مواجهات ذات طابع ثأري بين الملحدين والسلفيين، مع فارق بسيط ربما. فإن كانت الكنيسة تعارض الاكتشافات العلمية مباشرة بدعوى التعارض مع الدين فإن السلفيين يعارضون المنهج العلمي نفسه.

 

فالمنهج العلمي قائم على الشك وقابلية الخطأ (falsification) ويتعاملون مع كل ظواهر الحياة على هذا الأساس، بما فيها الأديان ونصوصها وهذا ما يثير حفيظة السلفيين. منهج السلفيين في تقديم النقل على العقل هو بمثابة إعلان حرب على الإلحاد.

 

بل إن ما قد يثير حفيظة الملحدين أكثر هو أن السلفيين (في رأي الملحدين) يدّعون تشجيع العلوم المختلفة، شريطة ألا تتعدى على قدسية النصوص الدينية، ليس فيما يخص العقيدة والغيبيات فحسب، ولكن أيضًا النصوص التي تتقاطع مع العلم بشكل أو بآخر، على غرار أحاديث التداوي ببول الإبل وتناول التمر لدفع السحر.. إلخ.

 

وحين يتساءل عن هذا حتى المتدين فإن القاعدة الشرعية تفض كل مجلس “النقل يغلب على العقل”. وهذا قد يعيدنا إلى نقطة الصفر مرة أخرى في مواجهات الفريقين.

 

ربما كان الشق العلمي في الأمر ليس هو المؤثر تمامًا، على الأقل من مريدي المذهب السلفي؛ وذلك لانشغال معظمهم (إن لم يكن كلهم) بالبحث في العلوم الدينية وهجر العلوم الدنيوية وزهدهم فيها إلا القليل منهم، وعليه فإن شبهات الملحدين العلمية لا تلفت نظرهم كثيرًا، بل لا تهز لهم ساكنـًا أحيانـًا. بالإضافة إلى يقينهم التام أن الملحدين ماديون لا يفقهون أن الله على كل شيء قدير، وأن قوانين الطبيعة التي يحتكم إليها الملحدون لا قيمة لها.

 

أضف إلى ذلك أن العلوم الدنيوية لا قيمة لها أصلاً مقارنة بالعلوم الدينية، فحسْبُ البشرية من العلوم الدنيوية ما يقيم الحياة للعبادة والطاعة وكفى. ما الحاجة أصلاً لعلوم الدنيا التي ارتبط معظمها، إن لم يكن كلها بأسماء جيش جرار من العلماء الملحدين والكفار في بضع مئات سنين؟

 

بل وربما المستفز والمثير للسخرية في آن واحد للملحدين، أن كل اكتشاف علمي ينبري له من السلفيين من يستخرج من القرآن الكريم أو الأحاديث الشريف إشارة ما قربت أو بعدت إلى هذا الاكتشاف، فيما يعرف بالإعجاز العلمي، وما يسميه الكثيرون الآن الإزعاج العلمي.

 

ولكن كضربة استباقية عمد الملحدون الجدد إلى مهاجمة ثوابت فلسفة الدين نفسها متمثلة في العقيدة، والقدح في نتائج المقدمات الثابتة عقديًّا على غرار: الله أرحم الراحمين (مقدمة) يعذب البشر الضعاف في النار (نتيجة) كيف ذلك؟

 

والإجابة الرسمية المعتمدة هي أن تقبل بها كغيبيات لا تحتاج إلى سند عقلي، أو ربما وجدت ردًّا هنا أو هناك في أحد كتب السلف الصالح فالتزم به وإلا فقد تزندقت، فالحقيقة ليست في أن النقل مقدم على العقل بل إن العقل بدعة أصلاً.

 

وهذا ما أوقد فعلاً نار الشك في صدور كثير من السلفيين؛ حيث استفاق كثير منهم كمن فزع من نوم عميق بعدما أثخنت عقله الشكوك المتراكمة وزال عنه مفعول المخدر كلما راوده أحد الملحدين عن عقله.

 

المشكلة هنا أن هذا الذي استفاق لن يصحح مساره إلى صحيح الدين، الذي ما ينفك يحث على التفكر وإعمال العقل، بل يرتد على عقبيه أسفًا كملحد متطرف عقد العزم على الانتقام ممن اغتال فكره، واستباح عقله لسنين بلا هوادة. فلا هو اعتصم بحبل الله المتين، ولا هو اعتزله إلى الإلحاد الوسطي الحنيف. فماذا يصنع لمن يقول له إن أينشتاين لو كان حيًّا لطفق يضربه بالعصا حتى يسلم؟!

 

كأحد النشطاء في مجال مواجهة الفكر الإلحادي فلسفيًّا أجد نفسي في مواجهة مع الملحدين والسلفيين على حد سواء. فالمثير للدهشة أن كليهما يفهمون الإسلام بنفس الشكل. الشكل الذي يجب أن تحيّد فيه عقلك ولا تعمله في الأمور الدينية. الملحد يقول لي إن الدين إيمان أعمى بالغيبيات، والسلفي يوصل لي نفس المعنى تقريبًا.

 

هاجمني أحد السلفيين قائلاً إنني أدعي مواجهة الملحدين، ولكن في الحقيقة أنا أعمل لصالحهم؛ وذلك لأنني لا أواجه الملحدين متبعًا المنهج الإسلامي الصحيح الثابت.

 

وحين سألته عن “المنهج الإسلامي الصحيح” في مواجهة الملحدين، قال لي إنه الصحيح أنه لا يوجد دليل على وجود الله إلا قول الرسول، وإنني لا ينبغي أن أبحث عن أدلة على وجود الله أو أحاور الملحدين على هذا الأساس، بل يجب عليّ فقط أن أبلغ الملحد أن هناك إله هكذا بدون دليل، وعليه أن يقتنع وإلا فقد أهدر دمه.

 

وحين سأله أحد الملحدين عن احتمالية أن يدخل أحد الهندوس الذين يسكنون في قرية نائية في الهند الإسلام، أجاب أن الاحتمالية ضعيفة جدًّا وسوف يدخل النار.

 

إذن فلم العجب أن يعجز العقل البشري البسيط للسلفي أن يتحمل ما لا طاقة له به من محفوظات ومنقولات، وينقلب يومًا إلى ملحد متطرف تمامًا، كما كان مسلمًا متطرفـًا.

 

فمن كان عنده استعداد نفسي للتطرف سيلتزم التطرف مع تنقله في مشوار حياته بين المعتقدات.

 

تناولت في هذا الطرح الأصول التاريخية والنفسية لأصل النزاع المزعوم بين العلم والدين، بل إن الملحدين الجدد قد ذهبوا أبعد من ذلك كثيرًا، فبعد أن هزم العلمُ الدينَ بالضربة القاضية تأهل لمواجهة أخرى مع الله نفسه – سبحانه – ليصبح العلم في مواجهة مع الله!

 

 

وقد قمت بتشريح هذا الطرح الشاذ فلسفيًّا في المقطع التالي لبيان فساد المنهج.

 

وكالعادة يجدر التنويه هنا إلى انتفاء نية التعميم عن الطرفين، فلا يصح أن نرمي كل السلفيين بتغييب العقل في التعاطي مع الأمور الدينية، ولا يجوز أن ندعي أن كل الملحدين يقرون بتعارض الدين مع العلم، ولكن نتحدث عن من أزعم أنهم الأغلبية في المعسكرين.

 

أخيرًا فالحقيقة الذهبية التي يجب أن نخلص إليها أن الدين ليس هو من ضد العلم، بل إن من يمثل الدين هو من ضد العلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إلحاد, اديان
عرض التعليقات
تحميل المزيد