كثر الحديث في تلك الأيام عن موضوع الإلحاد، فهو أمر لم يكن منتشرًا في الوطن العربي، إلا أنه في تلك الأيام كثر الحديث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح الإلحاد موضة يتم الانتساب إليها من كثير من الشباب دون إدراك لماهية الإلحاد، وما هي توابعه الفكرية؛ مما استدعى أن نعمل على تسليط الضوء على تلك الظاهرة الجديدة على مجتمعاتنا العربية.
الإلحاد لغة: الإلحاد لغة مصدر قولهم: ألحد يلحد، وهو مأخوذ من مادة (ل ح د) التي تدل على ميل عن الاستقامة، يقال ألحد الرجل: إذا مال عن طريقة الحق والإيمان.

للإلحاد عدة أسباب، منها أسباب شخصية، وأسباب اجتماعية، وأسباب نفسية، وسنركز على العوامل النفسية، لكن سنعرج سريعًا على الأسباب الشخصية، والأسباب الاجتماعية. فمن الأسباب الشخصية: ضعف الشخصية وسهولة انقيادها، وعلى العكس التكبر والثقة الزائدة والعجرفة، وأيضًا ضحالة المحتوى المعرفي والفقر الفكري، ومن أهم الأسباب الشخصية الانجراف نحو الشهوات والمتع الدنيوية من شرب للخمور، وتحصيل الأموال من أي مصدر كان، والهاجس الجنسي بقصد الارتواء الجنسي خارج أطر المجتمع والتقاليد، ورفض كل ما قد يحجم تلك الرغبات من دين وتقاليد.

ويورد د.هشام عزمي، في مقال بمجلة البراهين يناقش فيه الإلحاد في الوطن العربي، عددًا من الأسباب الاجتماعية ومنها: الجمود الديني، وضعف المناعة المجتمعية، والمقصود بها انخفاض مستوى العلم بالدين والتفقه، وكبت الأسئلة، والمقصود به أن بعض الأسر والمدرسين يمنعون الشباب والنشء من طرح الأسئلة المتعلقة بالله والدين؛ مما يجعل الشاب يظن أن الدين لا يملك جوابًا لأسئلته، مما يجعله يتجه إلى الإلحاد، ومن الأسباب اضطهاد المرأة وسعيها نحو التحرر من سلطة الأب وقهر الذكور.

ويوجد عدد من الأسباب والعوامل النفسية التي من وجهة نظرنا هي العامل الأهم في تبني الإلحاد، وخصوصًا عند كبار الملاحدة أمثال راسل، وسارتر، وسيمون دي بوفوار، وريتشار دوكنز، وفي دراسة لعالم النفس الأمريكي «بول فيتز» شارحًا فيها أسباب الإلحاد يحدثنا الدكتور عمرو شريف عن تلك الدراسة، والعوامل النفسية وراء الإلحاد هي: *منظور التقصير الأبوي.

إن معظم العلوم الإنسانية (علم النفس- التحليل النفسي- الفلسفة- علم الاجتماع- الأنثروبولوجيا) قد أشارت من قبل إلى أهمية دور التقصير الأبوي في تبني الأبناء للإلحاد. كما يخبرنا فرويد بـ«أن التحليل النفسي يؤكد كل يوم أن الفتيان يفقدون إيمانهم الديني بمجرد أن تنفصم عرى السلطة الأبوية». بل إن فرويد نفسه كان أهم نماذج هذا العامل النفسي. ويتبنى هذا المفهوم أن الإنسان يعتبر الإله النموذج المطلق للقوة والسلطة، كما يرى في أبيه التجسيد البشري لهذا النموذج. ومن ثم فمن يفقدون الأب (وفاة- هجر للأسرة)، وهؤلاء الذين لديهم آباء ضعفاء (جبناء)، أو أساؤوا معاملتهم (بدنيًّا- نفسيًّا- جنسيًّا) يعانون صعوبات في تبني الإيمان بالإله، وإسقاطًا على عدد من فلاسفة الإلحاد نجد أن راسل الفيلسوف الإنجليزي، قد فقد أبويه وهو صغير، وقد عهد بتربيته إلى جدته المتزمتة دينيًّا، وكانت متشددة جدًّا، ومع وصوله لمرحلة الشباب أخذت عزلته الفكرية والعاطفية تزداد ألمًا كما كتب «أيه سي جرايلينج» في كتابه عن راسل، ومن الفلاسفة الملحدين أيضًا نيتشه، وقد كان يعد والده ضعيفًا، فسعى إلى خلق فلسفة تقوم على الإنسان الأعلى بديلًا عن الإله.

ومن أسباب الإلحاد أيضًا نظرية تفسره، وهي تلك النظرية التي تبناها عالم النفس الإنجليزي جون بوالبي، وهي نظرية الترابط مع الأم، وخلاصتها أن طبيعة علاقة الفرد مع أمه وما يكتنفها من ترابط أو انفصام تمثل النموذج الذي ستكون عليه علاقة هذا الشخص في المستقبل مع الآخرين، وتمتد إلى علاقته بالإله، ومن نماذج الفلاسفة الملاحدة نجد الفيلسوف فولتير، فقد أهملته أمه وكان يعدها وينعتها بالعاهرة، وشوبنهاور الفيلسوف الألماني الكبير والأب الروحي لنيتشه هجرته أمه، وكان يعدها سببًا رئيسًا في انتحار والده. فالرابط الأمومي رابط مهم جدًّا، وما يعتري هذا الرابط من خلل يؤثر بالسلب في علاقة الشخص بالآخرين.

لذا فإن الترابط الأسري هو عامل مهم في تماسك الفرد، وفي انتهاجه نهجًا نفسيًّا معتدلًا، وعلى العكس من ذلك فإن انفصام عرى تلك الرابطة الأسرية وتفككها تؤدي إلى تبني نهج التطرف الفكري سواء بالإلحاد، أو نحو الإرهاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإلحاد
عرض التعليقات
تحميل المزيد