إلى متى سيستمر الظلم؟! .. وإلى متى ستستمر الحروب؟! .. وإلى متى سيظل الطُغاة في مناصبهم؟! .. وإلى متى سيظل الصالحون في سجونهم؟!

لو كان الله – عز وجل – يريد إنقاذ أصحاب الكهف من الطاغية الرومانى دقلديانوس، برفعهم إليه مثل المسيح وإدريس، أو دمر عرش الطاغية نفسه مثل فرعون .. لفعل ذلك وانتهت القصة .. لكن الله أمرهم وأوحى إليهم أن يلتجأوا إلى الكهف الذي في جبل قرية الرقيم.

فلو كان الفتية الثوار فكروا في ذلك من كل النواحي؛ لوجدوا أنهم سيتم القبض عليهم الآن أو غدًا عن طريق الجنود الرومان، لكنهم استجابوا لأمر الله. وما أن ذهبوا إلى الكهف حتى غلبهم النعاس وناموا، وذلك في اعتقادهم من أثر التعذيب والتعب الذى كانوا فيه، لكنه كان فرض نوم من الله عليهم .. وذلك لحكمة يعلمها الله.

ومرت السنوات وما زال أهل الكهف نائمين في كهفهم، إلى أن أتى زمان الإمبراطور الروماني ثيودسيوس الذي كان معتنقًا للمسيحية، بعد أن أصبحت الدين الرسمى للدولة قبله بأعوام .. بعد سلسلة من التعذيب الشديد للمسحيين.

انتشر فى هذا العهد جدالات كثيرة حول يوم القيامة، وقدرة الله على إحياء العظام وهي رميم، وانتشر دعاة الإلحاد، ودعاة العودة إلى دين الأصنام مرة أخرى بحجة عدم قدرة القساوسة على إثبات والإتيان ببرهان على صدق موعود الله في يوم القيامة. ساد هؤلاء في كل مكان، وقعدوا بكل صراط يهتفون بجدالاتهم وبراهينهم على صدق الإلحاد، ويشككون في عقيدة المسيح، وحتى المسيح نفسه شككوا فيه وفي معجزاته، واعتبروها أكاذيب تاريخية اصطنعها رجال الدين للحفاظ على مناصبهم وسيادة دينهم بين الناس.

وهنا تبرز حكمة الله من نوم أهل الكهف ثلاثمائة عام حتى هذا العهد بالذات. لم يكن نوم أهل الكهف – الطويل هذا – لإنقاذهم فقط من الطاغية الذي عذبهم أو لكى يريحهم من عناء صعود جبل الرقيم .. لا شيء سوى أن الله يعلم الغيب، ويعلم نفوس الناس المتغيرة، ويعلم وساوس النفس التي تشكك في العقيدة مهما بلغ الناس من إيمان .. تظل النفس أمارة بالسوء.

قام أهل الكهف من نومهم في هذا العهد بالضبط، بعد مرور ثلاثمائة عام .. ونزل أحدهم وهو الوزير ماكسمليان، من الكهف إلى شوارع مدينة دقلديانوس .. ظانًا أن الظلم لم يزل، وأن العقيدة لم تنتصر ولم تسد، وأن السفاح دقلديانوس ما زال يقتل المسيحيين وينكل بهم. وهناك رأى الناس عملته الغريبة التي من زمان غابر وولى، وأخذوه للملك وقتها بحجة أنه لص آثار .. وسرقة الآثار كانت من الجرائم العظمى وقتها.

أخبر ماكسمليان الملك بقصته وقصة الفتية الستة الذين معه، وصراعهم مع الطغيان والظلم والفساد الذي كان في عهدهم، ونومهم بالكهف يومًا أو يومين؛ فوجدوا أنفسهم في زمان آخر بعد زمانهم بثلاثمائة عام الذي أخبره به الملك أن دقلديانوس توفى من ثلاثمائة عام .. وهذا الزمان قد تبدل فيه الحال، وسادت فيه عقيدتهم المُعذبة طويلًا، وانتهى الصراع مع عروش القهر وعقول الفُجر .. وأصبح من كان يعذبهم في الماضي يمشي الآن في الشوارع صامتًا ذليلًا مخافة أن ينعته أحد بالغباء.

هنا دمعت عينا الملك والقساوسة حوله، وخروا لله ساجدين على رده الصريح على دعاة الإلحاد والمُشككين في قدرته على إحياء الموتى ويوم القيامة. أخبروه بأمر المُشككين في إحياء الموتى ويوم القيامة، وأن قيامه من الموت هو آية صريحة أجلها الله للناس في هذا العهد، وأجلها الله لأصحاب الكهف .. وذلك لحكمة الله في الكون .. أن يرى فتية الكهف تحقق موعود الله بنهاية الظلم وسيادة عقيدته .. وأن يتيقن الناس من قدرة إحياء الله للموتى.

أخذ القساوسة ماكسمليان وذهبوا معه إلى الكهف لرؤية باقى رفاقه ، بعد أن جمعوا الناس بالإضافة للمشككين في يوم القيامة والدين المسيحى .. ليروهم ما حدث. وهناك رأوا بأم أعينهم صدق موعود الله في بعث الأجساد، وبعدها مات أصحاب الكهف، وأقام الناس عليهم دور عبادة؛ ليظلوا خالدين لكل الأجيال التي تُشكك في البعث، والقيامة.

وكأن هذه القصة تُذكرنا بما يحدث فى حاضرنا من انتشار الإلحاد بشكل واسع، وعجز رجال الدين عن الرد عليهم وعلى أسئلتهم، والبعض الآخر من رجال الدين يُصدر فتاوي بإهدار دم الملحدين باعتبارهم مُرتدين. وكما قال الإمام محمد الغزالي رحمه الله:

إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره متدينون .. بغضوا الله إلى خلقه .. بسوء صنيعهم .. وسوء كلامهم.

فهل سيأخذ رجال الدين العاجزون عن الرد على الإلحاد، والذين قرأوا هذه القصة آلاف المرات، العظة منها، ولا ينتظروا معجزات جديدة؛ لأن المعجزات كثيرة وصريحة وكافية .. وهل سيتوقف دُعاة القتل عن كلامهم، وينشروا سماحة الإسلام وإسلوبه في الرد. لا أعلم متى سيكون؟! .. هل سأكون وقتها من أهل الدنيا أم بجوار ربي؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد