كم يُزعجني أن كل صور استمتاعي بالدنيا اليوم ستصبح في خبر كان في المستقبل القريب، ويحل محلها ما يوافق أهواء وطباع الأجيال القادمة، وسينظرون إلى طرق معيشتنا، وهذا الأسلوب في الاستمتاع كنظرتنا اليوم إلى مشهد فكاهي سخيف في فيلم كلاسيكي قديم… مما يثير تساؤلاتي على حقيقة الدنيا، والنسبة بين الجديد والقديم. فكما هو مشهود أن لصور وأشكال الاستمتاع مدة صلاحية محددة تنقضي على مدار السنين بتغيّر أساليب وأهواء الجماهير، فقيمته أيضًا تُفقد على مدار الساعة واليوم. فما أن يُدبر الليل بسحره وسكونه ويُقبل الصبح بوضوحه ونوره، حتى تكون الساعة التي بلغت فيها النشوة ذروتها، كأنها هباء منثور، لا معنى له؛ فها هو أنا شهوتي قد انقضت، ولا أقدر حتى مع قرب عهدها، استشعار آثار لذتها على جسدي وعقلي.

لماذا نعتقد أن الخلاص والسعادة في الإشباع المادي إن كنا قد مررنا بنفس التجربة مرارًا وتكرارًا، ولا شيء يتغير؟ لماذا هذا اليقين بأن الاستجابة لرغباتنا هذه المرة ستكون مختلفة وأفضل من المرات السابقة؟ وهل وجد آدم عليه السلام مراده عند الأكل من الشجرة؟ أو هل كانت كما سوَّل له الشيطان أنها الحجر الأخير لاكتمال بناء نفسه وروحه؟

لا شك أن من أكبر الأسباب للوقوع في هذه الدائرة المفرغة؛ هي عقولنا بخيالاتها الغير متناهية. فالنفس إن اشتهت شيئًا، فالعقل بدوره يقوم بتزيين المرغوب فيه بنكهة خالصة من الشوائب، وكأن هذا الشيء أو هذه الشهوة صارت للمشتهي من الكمال الذي يخلو منه كل النواقص، ومن المتعة التي لا يعتريها تعب ولا ضيق. فكم منا أحس أن أكثر من نصف الشهوة يتلاشى عند مجرد التحصيل، حتى ومن قبل الاقدام والمواقعة، وكأن صورة الخيال المرسومة بدأت تبهت وتندثر كلما زاد الاقتراب منها، وبدأت العين ترى الأشياء بحقائقها المجردة من الخيالات والأوهام، وكأن العقل قد أسكره جمال هذه اللوحة المبهجة قبل أن يوقظه ألوان الواقع الشاحبة.

لعل هذا من صور تزيين الشيطان لبني آدم؛ بتوجيه العقول إلى الحلم بجمال الزهرة ورونقها وإزاحة الرؤية عن التأذّي بشوكها، بل يدفعك لتظن أن تحصيلك لهذه الزهرة هي كل ما ينقصك، وفيها ملاك أمرك. وما أن يتحقق مرادك وحلمك المشهود باستجابتك لنداء نزواتك؛ تنهال عليك خيبات الأمل واليأس، ليس لافتقادك للشهوة، بل لعدم موافقتها لخيالاتك وتوقعاتك الخالية من كل كَدَر.

وعند استفاقتك من ارتطامك بحائط الواقع الصلب، تكون بين مفترقي طرق: إما الإنابة والاعتراف بقصور عقلك وحقيقة دُنياك، وإما اتباع لخطوات الشيطان بمعاودتك الكرَّة، بعد إقناعه لك بالتخلي عن بعد مبادئك التي تحول بينك وبين التلذذ بمعشوقك المفقود، حتى وإن لزم الأمر أن تنكر خالقك وتجحد نعمه عليك. وهل هناك عقبة أكبر تحول بينك وبين الاستمتاع بمعشوقك إلا ضمير يؤرّقك بمشروع ومحظور؟

قد تظن أني تسارعت في التحليلات والاستنتاجات، فكيف لي أن أتكلم في أول المقال عن شهوة عابرة، ثم في بضعة سطور أذكر الإلحاد وإنكار الخالق؟ ولكني أردت الإشارة إلى مدى هشاشة أنفسنا، وأن ما تراه حولك من تدهور في حالات الناس ليس منك ببعيد إن لم تعتصم بحبل الله الذي لا ينقطع، وإلا… فهي خطوات تتم بطريقة بطيئة ومتأنية إلى درجة عدم استشعار الخطر المُقبل. فمن سنن الشر في الدعوة: التدرج، والتريّث، حتى لا نصطدم بحقيقة قبح حالنا؛ فلا تتم الدعوة من درجة دنيّة لدرجة أدنى، حتى تطمئن النفس وتأمن لحالها، ولا يتم هذا إلا بخلق التبريرات والأعذار، والتخلي عن بعض المبادئ والقيّم، فتتكون عقيدة جديدة تكون موضع انطلاق لدرجات أدنى.

فكما أن العمل الصالح والإيمان وجهان لعملة واحدة، يجذب كل منهما الآخر ويعزّزه، فكذلك العمل الطالح والإلحاد؛ مما يفسر موجة الالحاد والتمرد العارمة على العالم والشباب العربي بالأخص. فليس هذا بسبب تدارس منهج معين بطريقة علمية وموضوعية كما يزعمون، ولكنها عقيدة تقوم على أساس دفن الروح في قاع الشهوات المظلم، مؤيدين سوء مآلهم بترديد بعض النظريات العلمية المزعومة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد