في عام 1966 نشرت مجلة التايم(1) على غلافها: “هل مات الله؟ “. سؤال يعكس حقيقة أن الكثير من الناس قد قبلت التوجه الثقافي -المنتشر في تلك الفترة بالدول الغربية والحمد لله لم يصل إعلامنا العربي بعد لمثل هذه الوقاحة في تقديم الفكر الإلحادي- أن فكرة وجود إله قد عفا عليها الزمن، وكلما تقدم العلم فإن لا حاجة لنا لوجود إله لشرح خبايا الكون. وعلى الرغم من أن هذه الادعاءات عن موت الإله, نستطيع أن نقول أن أفضل الحجج التي تثبت وجود الله تأتي من عدة طرق, بل نستطيع أن نقول عن طريق العلم نفسه.

 

العوامل الضرورية لوجود حياة:

في نفس العام نشرت مجلة التايم موضوعا شهيرا, حيث أعلن عالم الفلك كارل ساجان Carl Sagan أن هناك عاملين ضروريين لوجود حياة على أي كوكب, أن يتوفر النجم المناسب، وكذلك المسافة المناسبة بين الكوكب وذلك النجم. وبالنظر إلى  أن عدد الكواكب في الكون تقريبا أُكتيليون (Octillion) كوكب -وهذا 1 متبوعا بـ 24 من الأصفار- ينبغي أن يكون هناك حوالي سبتيليون (Septillion) كوكب -وهذا 1 متبوعا بـ 21 من الأصفار – من الممكن أن تقوم حياة على  سطحه.

مع مثل هذه الاحتمالات المذهلة، أصبح العلماء متفائلين بقدرتهم على إيجاد شواهد أخرى للحياة خارج كوكب الأرض؛ فتم إنشاء مشروع بحثي باسم البحث عن كائنات ذكية خارج الأرض(2) The Search for Extra-terrestrial Intelligence (S.E.T.I.), وهو مشروع طموح بدأ في عام 1960، وقد كانوا على يقين من أنهم سيكتشفون شيئا ما قريبا. وباستخدام شبكة اتصالات هائلة ومتداخلة تم إرسال إشارات مشفرة للفضاء، وانتظر العلماء الرد على تلك الإشارات. ولكن مع مرور السنين، كان الصمت في الكون يصم الآذان. واعتبارا من عام 2014، أطلق الباحثون مصطلحات جديدة مثل (bupkis لا شيء على الإطلاق,  nadaلاشيء, zilch اللاشيء) و”الزيلك” هو ما يعني الصفر تليها عدد لا حصر له من الأصفار.

كلما زادت معرفتنا للكون أصبح من الواضح أن هناك الكثير من العوامل الضرورية للحياة -ناهيك عن حياة ذكية كحياتنا- أكثر مما افترض ساجان, فقد ارتفعت العوامل من اثنين فقط إلى عشرة ثم عشرون ثم إلى خمسين عاملا، مما يعني أن عدد الكواكب الداعمة للحياة يحتمل أن ينخفض تبعا لذلك، وبالفعل انخفض العدد إلى بضعة آلاف من الكواكب ومستمر في التراجع.

حتى أنصار مشروع  S.E.T.I.اعترفوا بتلك المعضلة. فقد كتب بيتر شنكل Peter Schenekl في مقال عام 2006 بمجلة Skeptical Inquirer ، وهي من أقوى المجال التي تدعو للإلحاد: “في ضوء النتائج والرؤى الجديدة علينا أن نقر بهدوء أن التقديرات الأولية قد لا يكون من الممكن الدفاع عنها”(3)

“In light of new findings and insights . . . . We should quietly admit that the early estimates . . . may no longer be tenable.” … Peter Schenekl

اليوم هناك أكثر من 200 عامِل معروف وضروري لوجود حياة على سطح أي كوكب في الكون كل واحد من تلك العوامل يجب الوفاء به تماما، أو ينهار كل شيء. على سبيل المثال لا الحصر، لولا الجاذبية العملاقة لكوكب المشتري لكان كوكب الأرض الآن عرضة للنيازك أكثر بكثير مما هو عليه الآن, وبالطبع لن يكون صالحا للحياة(4)، وببساطة ممكن أن نقول إن احتمالية وجود أي حياة أخرى في الكون، هي احتمالية ضعيفة جدا.

 

فَكِّر قليلًا.. وبعد توفر كل هذه العوامل على كوكب الأرض، ها نحن متواجدون, وليس فقط متواجدين، ولكن نجادل بعضنا في ذلك التواجد. هل من الممكن أن تتوفر كل تلك العوامل عن طريق الصدفة؟! متى نستطيع أن نعترف أن العلم هو ما يثبت لنا أن تواجدنا في الكون لا يمكن أن يكون نتيجة لقوة عشوائية؟!! أيهما أكثر منطقية وعقلانية, أن تعتقد بأن الخالق -عز وجل- هو من وفر تلك الظروف والعوامل الضرورية للحياة لكوكب الأرض, أم أن تعتقد بأن كوكب الأرض استطاع النجاة وحيدا في هذا الكون رغم كل الظروف المحيطة به عن طريقة الصدفة وبطريقة عشوائية؟!!!

 

لم انته بعد.. الإبداع الهائل fine-tuning في إيجاد كل تلك المعاملات الضرورية للحياة على كوكب الأرض لا يقارن أبدا بمثيلها في نشأة الكون, على سبيل المثال، علماء الفيزياء الفلكية يعرفون الآن أن قيمة أي من القوى الأربع الأساسية وكذا النسب بينهم: الجاذبية، والقوة الكهرومغناطيسية، والقوى النووية القوية, والقوى النووية الضعيفة- تم تحديدها بعد أقل من واحد من مليون من الثانية بعد الانفجار الكبير. تغيير أي واحدة من هذه القيم الأربع أو النسب بينهم في أي وقت ولو تغيير طفيف, الكون كما نعرفه الآن لا يمكن أن يوجد.

تخيل.. لو النسبة بين القوة النووية القوية والقوة الكهرومغناطيسية كانت أصغر من أصغر جزء من أصغر جزء لا يمكن تتصور مدى صغره ما كان للنجوم أن تتشكل على الإطلاق. فكر في تلك العوامل الصغيرة والشروط المطلوبة والاحتمالات الأخرى التي كانت سببا في إنشاء هذا الكون البديع، فهل من العقل السليم أن يقول أحد أن ما حدث “مجرد صدفة” “Just happened” هذا القول سيكون مثل أن تقوم بقذف النرد (الزَهْر) أكثر من سبتيليون (Septillion)  مرة على التوالي، وتكون النتيجة واحدة.. هل يُعقل هذا؟!!

 

فريد هويل Fred Hoyle ، عالم الفلك الذي صاغ مصطلح “الانفجار الكبير” قال: “إن إلحادي قد اهتز بعد احتساب فرص (الصُدَف الممكنة) أن الكربون تم تصميمه بطريقة فريدة لجعل الحياة ممكنة”

My atheism greatly shaken after calculating the chance that carbon,”uniquely designed to make life possible” … Fred Hoyle(5)

حتى كريستوفر هيتشنز  Christopher Hitchens, وقد كان أحد فرسان الإلحاد الجديد الأربعة، قال: “إن حجة الإبداع في تصميم الكون هى حجة قوية جدا للطرف الآخر”.

“Without question the fine-tuning argument was the most powerful argument of the other side” … Christopher Hitchens(6)

وقال أستاذ الرياضيات في جامعة أكسفورد جون لينوكس John Lennox “كلما ازدادت معرفتنا بالكون, زادت مصداقية فرضية أن هناك خالق لهذا الكون, باعتبارها أفضل تفسير لماذا نحن هنا”.

“The more we get to know about our universe, the more the hypothesis that there is a Creator . . . gains in credibility as the best explanation of why we are here” … John Lennox(7)

 

الكون من أعظم معجزات الله سبحانه وتعالى، بالتفكر والتدبر في خلق الله سوف يرشدك الله سبحانه وتعالى إلى الطراط المستقيم، ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  *  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ سورة آل عمران 190-191

 

 ___________________________________________________________________________________

1 – غلاف مجلة التايم بتاريخ 8 ابريل 1966

2- موقع المشروع

3- بمجلة Skeptical Inquirer العدد رقم 30, مايو 2006  SETI Requires a Skeptical Reappraisal

4- فرضية الارض النادرة

كتاب الارض النادرة: لماذا الحياة المعقدة غير شائعة في الكون (2000) للكاتب بيتر وارد

Rare Earth: Why Complex Life Is Uncommon in the Universe (2000), by Peter Ward

5- Fred Hoyle Facts

6- Christopher Hitchens makes a shocking confession

7- John Lennox – The Creator In Nature?

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد