بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

آسف على التأخير في النشر بسبب ظروف شخصية، اليوم ميعادنا مع مجموعة مغالطات جديدة مختلفة عن السابقة، هذه المغالطات متعلقة بالرد على طرح وحجة معينة، وطرح حجة معينة بطريقة خاطئة توحي أن الطرح سليم بينما هو ليس كذلك إطلاقًا. وهي مجموعة من المغالطات التي توهم السامع بأنه قد سمع حجة سليمة بينما عند التحقيق المنطقي، فهي ليست بحجة أصلًا وهذا يدخل تحته طبعًا مجموعة من المغالطات ليست مغالطة واحدة، لهذا جمعت هذه المجموعة معًا في هذا المقال. من الأمثلة على مثل هذه المغالطات: مغالطة رجل القش، مغالطة الشخصنة (وفرع عنها مغالطة أنت أولًا), مغالطة التشتيت وتغيير الموضوع (تسمى أيضا بمغالطة الرنجة الحمراء)، «التماس المشاعر»، التبرير المستمر، ومغالطة القناص وغيرها .

فهذه المغالطات عامة ترجع في أصل غلطها إلى كون من يرد يرغب في إثبات وجهة نظره ليس إلا، ويسلك لهذا طرق خاطئة في الإثبات توحي للسامع أنه أقام حجة بينما هو لم يفعل، لذا فيمكنه أن ينكر أي شيء متعلق بأي مسألة ما دام لا يوافق حكمه المسبق عليها عن طريق هذه المغالطات، وطبعًا كما قلنا في المقدمة ما يجعل المغالطة مغالطة هي كونها لا تقود للحقيقة بالضرورة إنما قد تقود للحكم وعكسه.
لنتعرف أكثر الآن على ما هي هذه المغالطات بالضبط وكيف نميزها في الكلام؟، وهنا سأكتفي بالتفصيل حول تلك المغالطات السبعة التي ذكرتها بالأعلى، وقد يكون هناك أخرى تندرج تحت نفس المضمون، لكن هذه هي الأكثر استعمالًا والتي يقع فيها الكثيرون طوال الوقت .

أولًا: مغالطة رجل القش (تحريف الكلام): وهي كون من يرد يحرف كلام من يرد عليه وينتقد الكلام المحرف لا الحجة الأساسية، فالحجة الأساسية قد تكون سليمة وصحيحة لكنه يحرفها ويحولها إلى كلام خاطئ ليقدر أن ينتقده ويُظهر نفسه بمظهر المنتصر فقط ليثبت صحة كلامه هو وإن كان خطأ. وسميت«برجل القش»كتشبيه, فهي أشبه بكون المتكلم ينصب رجلًا من القش ويهاجمه، فليس لحجته وانتقاده هذا أي قيمة فهو يهاجم رجلًا من القش صنعه ولا يتكلم عن ما يقوله من ينتقده أصلًا.

ثانيًا: مغالطة الشخصنة: والتي تعني مهاجمة شخص المتكلم بدلًا من الحجة وتوجيه انتقادات لشخصه، موهمًا بهذا كون الحجة التي أتى بها خاطئة مع أنه لم يُتعرض لها أصلًا، فهو إنما انتقد الشخص لا الحجة

ثالثًا: مغالطة «أنت أولًا»: كما قلت هي مغالطة فرعية من مغالطة الشخصنة اذكرها لبيان ماهية الشخصنة أكثر، وهذه المغالطة تعني أن يقول المنتقد «كلامك صحيح، لكنك لا تطبقه لذا فلن أطبقه أنا أيضًا». مثل أن يقول طبيب لشخص ما «التدخين مضر للأسباب العلمية الفلانية»، فيرد الرجل: «اعرف هذا، لكنك أيضًا تدخن» فهنا الحجة الأصلية صحيحة وسليمة وهو يعرف هذا بالفعل لكنه يرفض العمل بها فقط لأن من أخبره بها لا يعمل بها وهنا يدخل شخص المتكلم في الحكم على حجته ما يجعلها فرع عن الشخصنة كما قلت.

رابعا: مغالطة التشتيت (الرنجة الحمراء): وهي تستعمل كثيرًا من بعض كبار الملحدين، عندما يجد نفسه لا يجد إجابة في موضوع يغير الموضوع لمسألة أخرى ملقيا بوابل من الانتقادات عليها، مما يجعل السامع ينسى هذه النقطة السابقة ويظن أن الأمر حسم فيها. وسُميت بالرنجة الحمراء بسبب قصة طريفة هي أنه كان هناك بعض المهربين في أحد الموانئ يريدون الهروب من كلاب الشرطة فيضعون في بضائع أخرى بعض الرنجة الحمراء لتجذب رائحتها أنف كلب الشرطة وتبعده عن البضائع المهربة، وهذا هو بالضبط ما يحدث في تلك المغالطة فمن يفعلها يشتت انتباه السامع لمسألة أخرى مبعدًا إياه عن المسألة الرئيسية. وهذا تجده متمثلًا في القفز بين موضوع وموضوع بدون حسم أي نقطة، كان ذاك الذي يقفز يعلم تمام العلم أنه لو وقف في نقطة وناقشها نقاشًا سليمًا فهي لن تصمد لأي نقد لذا فهو يقفز هنا وهناك، وهناك من يفعل هذا من البداية فيبدأ كلامه بالإغراق في مواضيع متشتتة ومختلفة جدًا، وهناك من يلجأ لهذه المغالطة في منتصف الكلام عندما يجد أن الكفة تميل لغير صالحه فيبدأ بتغيير الموضوع والتشتيت.

خامسًا التماس المشاعر: وهذا تكلمت عنه في المقال السابق لكن هذه المرة سأتكلم عنه بتفصيل أكبر، وهو معناه أن من يطرح فكرة ما أو يرد على فكرة ما لا يقيم أي حجة فعلية تخاطب العقل، إنما يخاطب المشاعر محاولًا أن يؤثر عليها لأنه إنما يريد أن ينتصر لرأيه حتى لو كان خطأ فلا يحتاج أن يلجأ إلى مجال النقاش المنطقي إنما يستغل ما قلنا عليه في المقدمة من إمكانية مخالفة الحكم الشخصي للحكم الفعلي، ونقطة أن أحكام البشر قد تتأثر بمشاعرهم الشخصية. فيوجه كلامه ليؤثر عليها ويؤثر على حكمهم المنطقي في المسألة بها، ليخرج في النهاية منتصرًا لحكمه الشخصي وإن كان بدون منطق فهذه نقطة مهمة يجب أن ينتبه لها السامع أو المتكلم الذي يريد تحرير حجة معينة على أساس منطقي، فالسامع الذي يريد الحكم في مسألة حكمًا منطقيًا يجب أن ينظر فيها بالعقل ولا يدع مشاعره تؤثر على حكمه المنطقي السليم فتحيد به عن الصواب وكذا المتكلم الذي يسعى لتأصيل حجة منطقية سليمة يجب أن لا يفعل هذا باستثارة المشاعر فقط إنما بتحرير الأدلة والحجج المنطقية الصحيحة على كلامه أيضًا .

سادسًا مغالطة القناص: وهي من اسمها معناها اقتناص ما يريد من «الحقائق» ليوافق ما يريد المتكلم إثباته حسب إعتقاده المسبق ويتجاهل الحقائق الأخرى والحجج الصحيحة الأخرى التي عكس كلامه. ولاحظ هنا أن الكلام على الحقائق والبراهين، فتجاهل شيء ليس له قيمة فعلية أومؤثرة بالتأكيد لا إشكال فيه كتجاهل الآراء الشخصية مثلا والتركيز على البراهين السليمة، فهذا إنما هو عين المنطق ولكن هذه المغالطة تختص بمن يريد اثبات وجهة نظره بتجاهل حقائق معينة والتركيز على حقائق أخرى وهذا مثال بسيط لتوضيح الأمر: «أعلنت إحدى شركات المشروبات الغازية أن أول دولة في قائمة مبيعاتها هي من الدول الأعلى في تصنيف الصحة العالمية» فهنا الشركة أعلنت بيانات ليست كاملة وإنما أخذت ما يوافق ما تريد إثباته وهو أنهم يريدون القول أن مشروباتهم جيدة ومفيدة للصحة وتجاهلوا كل ما يخالف هذا، فهذا مثال على مغالطة الاقتناص وعلى هذا فقس.

سابعًا وأخيرًا مغالطة التبرير المستمر: والذي يعني الاستمرار على الخطأ بعد بيانه بتبريرات سخيفة غير عقلانية. كمن يقول حين تثبت خطأ ما تؤمن به أو تطالبه بإثباته بالدليل الصحيح تجده يقول «لا يوجد دليل حتى تؤمن أولا » فتجده يخالف القاعدة المنطقية التي تقول: «الدليل أولا ثم الاعتقاد » فيقولها بكل صراحة «الاعتقاد أولا ثم لنفكر في هل يصح أم لا هذه لاحقًا». وهذه مغالطة منطقية تسقط مباشرة وتمثل بشكل جيد جدا لهذه المجموعة من المغالطات، التي تعود كلها إلى أن المتكلم إنما يضع حكمه المسبق في المسألة أولًا ثم يحاول اثباته بأي طريقة وحتى قد لا يحاول إثباته ويأخذ من اعتقاده المسبق ذاك دليل بينما هو ليس كذلك إطلاقا كما في هذه المغالطة الأخيرة .

وغالبا ما يتم خلط هذه المغالطات مع بعضها للإيهام بمصداقية أكبر، فمثلا يهاجم الشخص ثم يهاجم حجة محرفة من عنده ثم يغير الموضوع بسرعة لموضوع آخر، وهكذا فيجمع بين مجموعة من المغالطات محاولا جعلها توهم السامع بأنه قد أثبت رأيه بالفعل بينما إنما هو قد وقع في المغالطات المختلفة ليس إلا. فهذه كلها من الألاعيب التي يجب الانتباه لها ويقع فيها الكثيرون من الملاحدة مشهورين كانوا أو لا وهذا يمكن ملاحظته بسهولة في كلامهم حتى أن بعضهم يشتهر بأحد المغالطات دون أخرى لكثرة استخدامه لها. فيجب الانتباه لها وتعزيز العقل النقدي عند المستمع ليميز الحجج السليمة من مثل هذه المغالطات للخروج بحكم منطقي سليم والابتعاد عن تدليسات المدلسين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد