من أهم أصول الفكر الإلحادي في العصور الوسطى خرافة التوالد التلقائي، وتدعى بالفرنسية «les génération spontanées» وبالإنجليزية «Spontaneous generations» وهي الأصل الذي اعتمده الطبائعيون الملاحدة لتفسير ظهور الحياة على الأرض «hétérogénie»، وبالإنجليزية «abiogenesis»، وهي نظرية بدائية بائدة، وساذجة يعتقد أصحابها أن الكائنات تتخلق تلقائيًا من مواد غير حية فجأة في الطبيعة، فكانوا يظنون أن الحشرات والبرمائيات تتخلق من الطين وبرك المستنقعات وأن الديدان تتخلق فجأة من القمامة، وأن وضع كيس شعير مع ثياب متسخة لمدة 21 يومًا يؤدي إلى تخلق فئران، وأن اللحم يعطينا ذبابًا، وغير ذلك من هذا الخبل، وكل هذا من أجل الوصول إلى كذبة كفرية مفادها أن الحياة لا تحتاج لتدخل من خارجها بالخلق، وأن المادة تستطيع خلق كائنات حية عن طريق تفاعلات طبيعية عفوية؛ ثم الاستدلال بذلك على أن الكون يكفي نفسه بنفسه، وأنه أزلي، وليس بحاجة إلى خالق؛ والمضحك أنه صار لهؤلاء الحمقى وصفات مخصوصة لتخليق الكائنات، فنجد وصفة تخليق النحل التي أوردها موقع جامعة نورث أريزونا عن أصحاب هذا الفكر كالتالي وصفة للنحل:

اقتل ثورًا صغيرًا، وادفنه في وضع مستقيم حيث تبرز قرونه من الأرض، بعد شهر، سيطير سرب من النحل خارج الجثة (1).

ومن هذا المنطلق البدائي الساذج ارتأى عراب اللاأدريين شارلز داروين بعد عدة تقلبات في آرائه بأنه يحتمل أن نشوء الكائنات الحية على الأرض قد بدأ من مركبات أولية:

-All organic beings that have lived on Earth could be descended from some primordial form, explained Darwin in The Origin of Species in 1859.

وكتب سنة 1871 رسالة إلى صديقه الإنجليزي جوزيف هوكر يتخيل فيها أن الحياة بدأت من مركبات موجودة في بركة دافئة حيث تحولت مواد جامدة إلى مادة حية مع بعض المكونات الكيميائية والطاقة (2).

(In another famous letter sent in 1871 to his friend, the English botanist and explorer Joseph D. Hooker, Charles Darwin imagines a small, warm pool where the inanimate matter would arrange itself into evolutionary matter, aided by chemical components and sufficient sources of energy).

وعلى هذا الأصل الأول في النشوء بنى داروين أول مبادئ نظريته الخرافية حيث افترض احتمال تولد خلية أولية من مواد غير حية في بركة حارة لتتطور عبر ملايين السنين ثم تعطي مختلف الكائنات بمرور الأزمان والعصور. ولكن لما كان حبل الباطل قصيرًا فإنه في نفس سنة صدور كتاب داروين – أصل الأنواع سنة 1859 – نسفت خرافة التوالد التلقائي من جذورها بتجارب عالم المايكرو – بيولوجي الفرنسي لويس باستور ببرهنته على نظرية الجراثيم المجهرية «germ-theory» حيث بين لأصحاب الفهوم المتخلفة أنه لا وجود لقوى الطبيعة الخارقة ولا للتوالد التلقائي، بل الحشرات التي جاءت لتتغذى هنالك تترك بيوضًا مجهرية وفيما بعد تصبح يرقات، ثم يكتمل نموها حيث تنتج بيوض الذباب ذبابًا، وبيوض البعوض بعوضًا؛ وكذلك تتغذى اليرقات المجهرية من القمامة، وتنمو هنالك لتصير ديدانًا مرئية؛ وعند التسخين وتفريغ الوسط من الهواء الحامل لجراثيم يصبح الوسط معقمًا، ورغم أن تجارب لويس باستور سنة 1859 القائمة على الاستدلال بمنطق العلم التجريبي كانت قوية وضاربة، إلا أن العناد والمراء بالباطل المتجذر في نفوس الملحدين وعقولهم جعل الجدال العلمي بين باستور وبين متبني خرافة التوالد التلقائي فيليكس بوشي؛ «félix pouchet» يطول لمدة ست سنوات فأجريت التجارب المتوالية واستمر الجدل العلمي القائم بينهما إلى غاية يونيو (حزيران) 1864، حيث حسم باستور الجدال بإثبات وجود كائنات مجهرية في الهواء (3).

ورغم ذلك لم يقتنع بوشي وعاند وأصر على فرضية التوالد التلقائي البائدة حتى مات سنة 1872 ومات معه عناده (4).

لذلك تم وصف موقف فيلكس بوشي على أنه إيمان عقائدي دوجمائي بنظرية التوالد التلقائي كما جاء على موقع جامعة كمبردج (5).

وبذلك دافع تجار الهوى والسراب عن عقيدة مادية إلحادية كما يدافع صاحب دين الباطل والشرك عن معتقده البائد لذلك وصف لويس باستور أن نظرية التوالد التلقائي عقيدة «doctrine» بعدما رآه من استماتة بالباطل للعقلية الإلحادية الخشنة في إثباتها وأعلن بثقة أنه قد أصابها في مقتل حيث قال (6):

Jamais la doctrine de la génératon spontanée ne se relévra du coup mortel que cette simple expérience lui porte.

ورغم أن الضربة القاضية لخرافة التوالد التلقائي وأصولها البدائية وعلاقتها بنشوء الحياة كانت سنة 1864، إلا أن التعنت الإلحادي والطبائعي جعل فيليكس بوشي وداروين وأمثالهما يصرون على إمكانية تخلق مادة حية من الجماد كما جاء في رسالته لجوزيف هوكر سنة 1871 كما مر من قبل؛ وانطلاقًا من فكرة داروين تلك صاغ آخرون نظرية الحساء الابتدائي في كتبهم مع تغيير الاسم لأن ضربة باستور كانت قاضية فأصبح اسمها عندهم primordial -soup – بدلًا عن spontaneous generation، رغم أن كليهما يقوم على خرافة مبدأ ظهور الحياة من الجماد فجأة في الطبيعة وبتلقائية؛ مع زيادة تدخل بعض العوامل الطبيعة كالبرق وما ماثله من مصادر الطاقة في نظرية الحساء الابتدائي؛ وكان الروسي ألكسندر اوبارين أول من صاغ النظرية بهذا الاسم سنة 1924 وتلاه هابلين ويوري وقد اعتبروا أن الجو البدائي الذي نشأت منه الحياة كان يحوي الماء – H2O – والميثان – CH4 – والأمونيا – NH3 – والهيدروجين – H2 – واستبعدوا الأكسجين بذاتية عجيبة لعلمهم أنه يدمر اللبنات الأساسية للحياة عن طريق تفاعل الأكسدة وكل ذلك دون برهان كعادة الدوغمائية الإلحادية عن أصل الحياة حيث ينسجون خيالًا، ثم يسمونه نظرية كذا وكذا، وفي السياق ذاته سنة 1953 قام يوري وميلر بإجراء تجربة Miller/Urey الهادفة الى إنتاج أحماض أمينية في تجربة تحاول محاكاة جو الأرض البدائي وتسعى للوصول إلى ظهور أحماض أمينية انطلاقًا من العناصر الأربعة للحساء الابتدائي، وقد ظهرت بحوث أكاديمية كثيرة وردود علمية ترفض وتفند تجربة الحساء الابتدائي وتبين فشلها ومن أحدثها ما نشره موقع bionity للكيمياء الحيوية بعنوان:

«أبحاث جديدة ترفض ثمانين سنة من نظرية الحساء الابتدائي، وكونها أصل الحياة» (7).

وبنفس العنوان المباشر والمتطابق نشر موقع «eurkalert» لتقدم العلوم تفنيدًا للنظرية (8).

ورغم ذلك يجد المرء مواقع الملحدين تعج بتقديس تجربة ميلر تلك والاحتجاج بها ويسمون تلك التخاريف السمجة علما وتجد آلتهم الإعلامية الضخمة وأبواقهم وعبادهم يروجون لها على أنها الحق المطلق وعلم مصفى وأنها حقائق لا نقاش فيها؛ وكأنها عقيدة راسخة يستميتون في الدفاع عنها.

هذا وحتى لو لو سلمنا جدلًا – في عالم الخرافة الإلحادي – بأن تجربة ميلر تلك نجحت حقًا وأنه يمكن أن تعطينا في يوم من الأيام كل الأحماض الأمينية؛ فيا ترى كيف للصدفة العمياء تنظيم تلك الأحماض بآلاف الطرق الوظيفية المحكمة حتى في أدق الكائنات؟ وما هو احتمال تكون بروتين وظيفي واحد في خلية تصنع 200 حمضٍ أميني بتسلسل معلوم؟ الاحتمال يكون بوضع حدث حدوث الاحتمال1 مقسوما على مقام مجموع الاحتمالات الواردة وهي 20 – التي تمثل عدد الأحماض الأمينية – قوة وأس 200 – التي تمثل عدد الأحماض الأمينية المتسلسلة في ذلك البروتين – إذًا الاحتمال هو: 1/ 20 أس 200 = 1/ 10 أس 260 وهذا المثال والاحتمال مستحيل الحدوث، وهو مثال ضربه فرانسيس كريك – الحاصل على جائزة نوبل مع واطسن لاكتشافه بنية الحمض النووي – وذلك في قوله (9):

Suppose the chain is about two hundred amino acids long; this is, if anything, rather less than the average length of proteins of all types. Since we have just twenty possibilities at each place, the number of possibilities is twenty multiplied by itself some two hundred times. This is conveniently written 20 power 200, that is a one followed by 260 zeros! This number is quite beyond our everyday comprehension.

وقد قال عالم الفلك فراد هويل Fred_Hoyle الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء أن فرصة الحصول على مجموعة الإنزيمات لأبسط خلية حية فقط تصل إلى10 أس 40 ألف مع أن عدد الذرات في الكون كله لا تتجاوز 10 أس 80: (10).

ويقول بروفيسور علم الأحياء إدوين كونكلين احتمال نشوء الحياة عفويًا؛ مشابه لاحتمال تكون قاموس ضخم عن انفجار في المطبعة (11).

كما أن البروفيسور Morowitz افترض وجود خلية بدائية تحوي 124 بروتينًا فقط فيكون بذلك احتمال الحصول على هته البروتينات بعشوائية ودون إدخال المعلومات الوراثية فيها هو1 من 10 أس 100 مليون، فكم سيكون الاحتمال إذا علمنا أن أصغر جينوم خلية على الأرض – ميكوبلازما جينيتاليوم – يقوم بتصنيع نحو600 بروتين؟ (12) لذلك يقول البروفيسور التطوري البيوكيميائي الملحد جورج والد من جامعة هارفرد:

عندما يتعلق الأمر بأصل الحياة: لا يوجد سوى احتمالين: الخلق أو النشوء التلقائي. لا يوجد طريق ثالث.

والنشوء التلقائي: تم دحضه قبل 100 سنة – يشير إلى ضربة لويس باستور القاضية على خرافة التوالد التلقائي – ولكن هذا يقودنا إلى استنتاج واحد آخر فقط وهو: الخلق الخارق للطبيعة! ولا يمكننا قبول ذلك لأسباب وأسس فلسفية ولذلك: فإننا اخترنا أن نعتقد المستحيل: وهو أن الحياة نشأت تلقائيًا عن طريق الصدفة (13).

والحقيقة أن الأمر واضح جلي بأنه يستحيل ظهور الكائنات وكل ما في الكون عجائب وآيات واختلاف ما فيه من مخلوقات عن طريق الصدفة وبعشوائية عمياء؛ وكل ما يقال ويشاع في هذا المجال إنما هو عناد مقيت ومرض نفسي دفين في قلوب أهل العمى؛ وأما العلم الحقيقي فلا يمكنه تفسير الظواهر دون خالق بارئ قد أعطى كل شيء خلقه، ثم هدى؛ وهذا الخالق لم يترك عباده هملًا بل بعث لهم رسلًا؛ ليهدوهم إلى عبادة الإله الحق الواحد الأحد الذي لا يستحق العبادة سواه، ولا معنى للحياة بدون هداه وأنوار فضله وتوفيقه وعطاياه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد