الفرق شاسع إذا ما جاء ذكر الإلحاد، فالكفر بوجود الخالق أمر بشع في عرف أي متديِّن، فكيف يكفر مخلوق بخالقه؟! لكنه عند البعض الآخر – سواء كانوا مؤمنين بدين أو غير مؤمنين- هو إعمال للعقل الذي وُهبه الإنسان في أحسن صورة له.

وفي كلتا الحالتين أصبح الإقرار القاطع هو أول ما يصدر من الشخص، سواء بالتبجيل أو التحقير، دون ملاحظة للفروق بين البشر.

هناك أناس يلحدون في رحلة حقيقية للبحث عن سر الكون، وبعضهم الآخر يلحدون بجهلٍ وتأثرًا بصدمات حياتية دون بحث حقيقي عن أي شيء، وبعضهم يلحدون تأثرًا بأمراضٍ عقليَّة كالذهان وغيره، كعَرَض غير مرتبط بأي فكر، وهي حالات مُسجلة، وهؤلاء لا يبحثون عن شيء إلا الاختلاف في العادة، ويتغيَّر الأمر فورًا عند انتظامهم على علاجٍ مناسب.

وهناك متدينون لا يعرفون عن دينهم أي شيء، ولا حتى قواعده الأولى، وهم في حقيقة الأمر لا يعرفون لا ظاهر الدين ولا جوهره، بيد أن بعضهم يتمسكون ببعض ظاهره دون أي معرفة حقيقية بجوهرة.

الناس سواسية، إلا في ظروفهم وعقولهم، ففرض نمط معيَّن على الناس ما هو إلا سطحية شديدة في تناول الأمور.

ماذا يحتاج الرجل كي يكون مُؤمنًا؟

يحتاج «إيمانا» بطبيعة الحال، وهو أمر مُتعلق بالقلب قبل كل شيء، فمثلًا لو نظرت إلى بدايات الدين المسيحي، ستجد أشياء لا يصدقها عقل، سواء طبقًا لمعتقدات المسيحيين والتثليث، أو حتى رؤية المسلمين من ولادة المسيح بلا أب، وتحدثه في المهد، وإحيائه للموتى، وإبراء المريض على يديه!

وهذا ينطبق على قصة الرسول موسى أيضًا، وينطبق على مُبشرات ما ستؤول إليه الأمور في الدين الإسلامي، فمن يُصدق أن تنقلب الشمس فتخرج من مغربها؟! ومن يُصدق أمر الناقة التي ستخرج لتختم الكافرين بختمٍ للكفر؟!

كل هذه الأمور الإعجازية أو الغيّبيّة مثلها مثل الحياة ما بعد الموت، هي أمور لا تخضع لإعمال العقل في غالبها، بل تعتمد على إيمان القلوب في الأساس، وهو ما قد يصل بالمرء حد اليقين. لذا فمن المنطقي أن يرتبط فعل الإلحاد عند بعضهم بإعمال العقل، لأنه تخلص من الإيمان القلبي والاعتماد على الفرضيات والنظريات الوضعيَّة التي صنعها الإنسان ويُصدقها.

لكن هو في النهاية إعمال مُتغيِّر بتغيَّر تلك الفرضيات، فالفرضيات والنظريات خاضعة للتغيُّر بطبيعة الأمور، فهنا الأمور لا تُبنى على حقائق علميِّة ثابتة، بل فرضيِّات مبنية على طريقة تفكير الناس وترتيبهم للأمور وتجربتهم، وأيضا مدى فهمهم للظواهر الكونية.

وهو أيضًا إعمال ناقص، فمدى معرفة الإنسان محدود بحدود ما وصل إليه بشخصه أو بوسيط، سواء أكان الوسيط تلسكوبًا فضائيًّا أم آلة زُرع فيها الذكاء الاصطناعي.

يكفي أن تعرف أن هناك أماكن في أعماق المُحيط لم يصل لها إنسان، وأن هناك حقائق بيئية جديدة يعرفها الإنسان كل يوم، فما بالك بالكون المترامي الذي لا يعرف الإنسان حدوده بعد؟

الإنسان الآن مثل نملة صغيرة تقف على سن قلم، وتتعامل مع هذا القلم على أساس أنه عالمها الكامل، تبني على أساسه فرضياتها ونظرياتها، دون أن تعي أن هناك يد تمسك القلم، وإنسان ترتبط به اليد، وعالم كامل حوله!

وهنا قد تنهار كل الأفكار والنظريات إذا ما تخطى علم الإنسان نقطة ما، ليكتشف ويبني نظريات جديدة.

هذه المنطقة الغائمة هي في الحقيقة محوَّر الاختلاف بين كلا الفريقين، فهي المنطقة التي يتجاهلها المُلحد الذي بنى إلحاده على إعمال العقل غير ملتفت لنقصان معرفته، وهي المنطقة التي تدفع المؤمن للإيمان بالغيبيات والمعجزات الموجودة في الدين، والتي تُجيب له على الأمور الخفيَّة التي لا يستطيع بشر إداركها بشكلٍ محسوس، وهو بمثابة إعمال آخر للعقل يصل بالإنسان لنظريات عن إكمال ذلك الإيمان للفرضيات البشريّة، وأن هذا الكون دقيق الصنع خلَّاب التفاصيل لا بد له من خالق، ولم يُجب على ماهيَّة ذلك الخالق إلا الأديان.

إذا توغلنا في الصورة، سنجد أن كلا الفريقين يجوز أن نصفهما بإعمال العقل، فمنهم من أعملَّه فأحب واقترب، ومنهم من أعمله فصدَّ وابتعد. بالرغم من الواقع الذي يقول إن غالبية المنتمين لكلا الفريقين لم يُعملوا عقولَهم إلا قليلًا، وإن ادَّعوا غير ذلك.

هل من يُعمل عقله يُعاقَب؟

قد يعاقبه والده طبقًا لعادات أسرته، لكن كيف يعاقبه المجتمع؟

سواء أكان ذلك الإعمال وصل بالرجل إلى الإيمان في مجتمعٍ مُلحد، أو الإيمان بغير دين المجتمع، أو الإلحاد وسط مجتمع متدين. هنا الأمر مختلف تمام الاختلاف في غالبيته عمن قال فيهم الله في القرآن إنهم إذا ما تبيّن لهم الأمر كفروا به، وأنهم لما جاء ما عرفوه كفروا به.

فهنا الصراع الاجتماعي والشخصي هو من دفع هؤلاء الذي تحدث عنهم الدين للكفر به، أي إنه ليس إعمالًا للعقل بأي حال، لكنه صراع بشري معتاد على النفوذ والشكل الاجتماعي والتقاليد فرض على المجتمع أن يُحارب انتشار الفكرة التي قد تُغيِّر شكل حياتهم.

فمقارنة ذاك الأمر بإيمان أحدهم في روسيا أو الصين، أو بتغيير أمريكي أو سعودي ملته، هي مقارنة ليست في محلها، بل أدَّعي أن المجتمع المُتلقن الصامت قد يُضر الدين أكثر، فيجعل هوسات رجال الدين حقائق تتكرس حتى تصير هي أساس الدين نفسه، فهذا التقلَّب قد يكون دون أن تُدرك هو بمثابة تثبيت للدين وتهميش الشوائب التي قد تعلق به.

فالعقل نعمة، وإعمالها واجب، ويبقى أن تتمنى أن إعمال عقلك يصل بك إلى البغية الحق.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد