بسم الله الرحمن الرحيم

(فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين).

في كل لحظة، وكل ثانية، لا.. بل حتى كل ساعة، تتقلب القلوب في رحلة بين الشك والإيمان، تبحث عن الحقيقة المطلقة والكبرى، تتساءل عن أصل وجود هذا الكون، وعن كيفية حدوث الظواهر الطبيعية، وعن موجد هذا الكون الفسيح، فانطلق الإنسان منذ القدم يطرح الأسئلة ويضع الأجوبة، يلاحظ ويتأمل، ينظر ويفكر، وهذا ليس بجديد على البشرية!

وعاشت البشرية فترات متعددة وظروف متغيرة فعاشت مرحلة الأساطير، ثم الفلسفة، ثم برزت الفلسفة المادية التي تقدس الحواس، ولقد آمن الكثيرون في الشرق والغرب في هذا المبدأ (العلموية)؛ مما جعل فكرة الإلحاد في الغرب تظهر وبقوة على الساحة الفكرية الغربية نظرا لضعف المسيحية والمعتقدات الأخرى عقلانيًا، حتى أن إيمانهم يعد قفزة دينية، أي قفزة على العقل للتصديق والإيمان بالله!

هل هناك عوامل أخرى أدت لظهور الإلحاد وانتشاره؟

في الحقيقة نعم، وهي عوامل ساعدت في انتشاره في العالمين العربي والإسلامي.

ومن بينها ما تحدث عنه الفلاسفة مثل أبيقور وبوذا، عن وجود ما يعرف بمشكلة الشر في العالم. ولقد شكلت هذه الفكرة ضعف لدى عدد من المؤمنين، فاستغل الملاحدة هذه الشبهة حتى باتوا يبثونها ويزرعونها، ولقد تأثر عدد من الناس بها. ولذلك هناك مشكلة فكرية تسمى اليوم معضلة الشر وهي حاضرة وبقوة في الحوار بين الإلحاد والإيمان وهي سبب في اتجاه البعض للإلحاد.

هل هناك أسباب اخرى في العصر الحديث؟

نعم، هناك أحداث وأسباب مثل أحداث الحادي عشر من سبتمر (أيلول)، حيث أدى هذا الحادث إلى بروز تيار إلحادي جديد يتزعمه، فيما يعرفون بفرسان الإلحاد، وهو تيار علمي إلحادي قوي يرأسه سام هارس، وريتشارد دوكنز، ودانيال دانيت وهيتشنز.

فتميز هذا التيار بمهاجمة الأديان بشكل عام والإسلام بشكل خاص مستندين على أن مرتكب تفجير البرجين مسلمين، وأصبحوا يهاجمون فكرة وجود إله للكون، وتحول السؤال من هل يوجد إله إلى فكرة ضد الإله!

في الحقيقة هدف هذا التيار ليس البحث في إمكانية وجود إله، بل هدفه الأساسي تدمير فكرة وجود إله في عقول العامة من الناس مستغلين كل ما أمكن من وسائل حديثة تكنولوجية وعلمية وبحثية!

هذا على مستوى العالم الغربي ولكن العربي ما هي أسبابه؟

الأسباب في العالمين تقريبًا متشابهة منها أسباب اجتماعية وفكرية وشخصية.

ولكن ما هي أبرز الأسباب؟ 

قال البعض: إن الثورات تعد سبب من أسباب ظهور الإلحاد.

فلقد ذهبوا للقول بأن الثورات العربية ساهمت في بروز اصحاب كل الأفكار الإٍسلامية والعلمانية والإلحادية. فالثورة تعني التمرد والخروج على كل شيء والبعض يراها تربة خصبة للتعبير عن رأيه حتى لو كانت ضد الدين، وهذا ظهر بوضوح عقب الثورة الفرنسية في العالم الغربي، ويظهر هنا بعد الثورات في العالم العربي.

وهناك أيضًا سبب يعرف بثنائية القابلية والتأزم وتعني عند مرور الشخص بأزمة خاصة يلجأ البعض لله في سبيل التخفيف عن نفسه وعن معاناته، ولكن البعض الآخر يتجه للشك والإلحاد.

والمتجه للإلحاد لايتجه إلا إن كانت عنده القابلية الداخلية لذلك.

وهناك عامل مهم أيضًا على الصعيد الاجتماعي، ألا وهو كبت الأسئلة وإسكاتها، وهذا يعد إجرام بحق الإنسان؛ لأنه يحمل الظنون في داخله حتى تكبر معه فلا يجد الجواب المناسب، فيظن بأن الدين ضعيف أمام العقل والأسئلة، وأن الدين سفينة مصيرها الغرق؛ لأنها لا تمتلك مقومات مقاومة البحر والماء (الأسئلة) وفي هذا ظلم للدين الإسلامي تحديدًا!

هذه كلها أسباب مشتركة، ولكن في العالم العربي ما هي المشكلة؟

في الحقيقة مشكلة العالم العربي ليست بالهينة كما يعتقد البعض، بل هي عظيمة، وباتت تترك آثارها بين الشباب، وهي أسباب نفسية وشخصية علمية وثقافية، وهي تتشابه مع الغربية في بعضها وتختلف في أخرى.

وفي هذا المقال سنحاول أن نلخصها في نقاط مهمة على الصعيد العربي:

• إن الإلحاد اليوم له ما يعرف بالقوة الناعمة أي القوة التي تؤثر في الفرد والمجتمع دون اللجوء للحرب أو العنف وهذا من أكثر ما يواجهه المجتمع في هذا الوقت الحالي وهذة القوة كما ذكرنا تسللت من خلال التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي والكتب.

• ظهور حركات ما يعرف بالسفلية الجهادية كـ«داعش» وأخواتها واستخدامها للعنف والقسوة والتفجير وحب إراقة الدماء، فتصور البعض أن الله والدين يأمرون بذلك، فتظهر صورتان في الساحة صورة الإلحاد الوردية الجميلة التي رسمها علماء الغرب ومفكرينه وصورة دين سقيمة رسمتها هذه الحركات!

• ضعف المجتمعات دينيًا وعقائديًا؛ مما يجعل الانحلال فيها يعرض المجتمعات للضعف الفكري والإيمان، وهذا أيضًا خطير جدًا لأن المجتمعات ضعيفة الإيمان والدين، وتكون ضعيفة أمام المغريات والشبهات، ولا يملك سبل الرد أو الوقاية، وعلاج المعضلة يكمن في التمسك بالدين وفهمه، لا بل تطبيقه في كافة ميادين الحياة!

• سقوط أكثر الدعاة والمصلحين في المجتمع أمام الأهواء والشهوات والمغريات في الدنيا وتهافتهم للمال في الوقت الذي ينادون فيه الفقراء للصبر وتحمل ما لا يحتمل وتصفيق بعض الدعاة للباطل دون الحق ووقوفهم مع الظلم ضد العدل وانصياعهم للشر دون الخير وحبهم للمال دون حبهم للعدل، والإيمان! وهذا أسقط المثالية الدعوية في عيون الكثيرون من الناس فألحدت، وجزء آخر كره الدين وكره الدعوة وكره حتى نفسه!

• عدم تطوير الخطاب الدعوي واقتصاره على الوعظ التقليدي والفقي البسيط وعدم تسلح الخطاب الديني بالأسلوب العلمي الحديث الذي يحاكي العقل ويرد الشبهات ويدفع المخلفات الفكرية والإلحادية.

• فراغ المكتبة العربية من كتب الرد على هذه الشبهات؛ مما يخلف ضعف في الجانب الثقافي العربي والإسلامي.

• كبت الأسئلة يعد جانب مهم في ذلك كما ذكرنا، ولكن ما يختلف في العالمين العربي والإسلامي هو التعنيف القوي للمتسائل والباحث في هذه المسائل وخاصة الأطفال في أول مراحل التكوين الفكري والعقلي؛ مما يجعله يعتقد بنقص الدين من ناحية وجود أجوبة!

• ظلم المرأة من قبل عقليات متجمدة، أولت الآيات التي تخص المرأة، وغيرت فهمها بطريقة مختلفة، ومن بينها آيات فسرت بطريقة، تعطي الحق للرجل بضرب المراة وإهانتها، وكل ذلك تحت سلطان القرآن وحمى الرحمن! مما يجعل الحركات النسوية تستقطب هذه الفئة من النساء وتجعل من الإلحاد هو السبيل للتحرر والحرية والحياة الوردية!

• اتباع الشهوات وحب التخلص من الأخلاقيات الدينية فيأتي الملاحدة ويستدرجون هؤلاء الشباب ويصورون الإلحاد أنه هو الحل الأمثل فيكون بوابة للتخلص من كل ما هو أخلاقي! ويصرون الأخلاق على أنها القيود التي تمنع الإنسان من أن يعيش بسعادة وسرور فيتجه بعض هؤلاء الشاب للإلحاد، وغالبًا ما ينتهي الطريق بالانتحار أو الاكتئاب.

• هذه أسباب من أهم أسبابه والكلام فيه يطول إلى حد غير معقول.

نعم ولكن ما هي الحلول؟

إن ملف الإلحاد طويل وحلوله أقل من مشاكله مع الأسف، وليس هذا من قوة الإلحاد، بل هو من ضعف الدعاة! وكما قال الإمام محمد الغزالي، الإسلام قضية ناجحة، ولكن محاميه فاشل!

ومن ضعف الأمة ومن جمود العقل وتقديس الحفظ والنقل، ولكن هنا بعض الحلول لو عملت الأمة عليها ربما يتغير الحال للأفضل.

• القراءة، فهي المتنفس الوحيد الذي يجعلنا نفهم ما حولنا، ولأنها تجعلنا قادرين على مواجعة الهجمات الغربية والفكرية، وأكثر ما يجب أن نقرأ فيه ونفهمه هو القرآن الكريم ذلك بأنه دستورنا وكنزنا، وطبعًا علينا أن نفهم الأحاديث لأنها من مصادر تشريعنا.

• عدم تقديس الشخصيات وكتبها لأن لا قدسية لغير الله والرسول والقرآن، ولا مفر من احترام العقل!

• تغيير طريقة الخطاب الديني وخلعه عباءة الوعظ الروحي ويجب أن يتمسك برداء العقل الفكري لأن العقل هو أساس المعرفة، وهو من مكونات الفطرة.

الوقوف بوجه حركات ما تسمى السلفية الجهادية؛ لأنها حركات لا تفقه العقل ولا تفقه الإختلاف وهي سبب من أسباب ما وصلنا إليه لأنها ترسم صورة مغايرة للدين فديينا الرحمة ودينهم القتل بدونها.

• أن تعطى الفرصة للشباب في أن يعبر باحترام ويفكر بعقلانية وأن يبدع في آرائه الفكرية.

• توحد الأمة وعدم اختلافها في المسائل المهمة مهما كانت نوعيتها وفكرتها.

• إنشاء مراكز للتفقيه ضد الإلحاد وضد الحركات التي تهدف لتمزيق المجتمع.

• ربما حلول ملف الإلحاد كمشاكله لا يكفيها كتب بذاتها. ولكن هذا لا يمنع من التفكير فيها، ذلك بأنه يلزم منا جميعًا أن نتفكر قبل أن نغرق في بحر الظلمات الفكرية.

إن الشباب العربي يعيش أسوأ الظروف، فهو يعيش الفقر ويعاني الجهل وينزف، وهو يعيش في دوامة المصاعب التيلطخت الحياة بسواد لونها، وطول ليلها، وهو يفتقد القدوة ويفتقد الطريق ويفتقد التوجيه اللازمين ليعاود النهوض من جديد، والأمة بحاجة إلى من يتقي الله فيها ويعيدها إلى جادة الصواب وهذه الأمة تمتلك المقومات، ولكنها تفتقر إلى القائد الذي ينقب عن ثرواتها ليخرجها من أعماق الظلمات!

إن الكلام في هذا الخضم طويل. ونحن في هذا المقال، أحببنا أن ننوه بأن الإلحاد لن ينتهي، بل سيزداد! إذا لم يتجدد الخطاب الديني الدعوي المخاطب للعامة، وإذا لم نخرج من مرحلة الجمود إلى مرحلة التفكير والتغيير، ومن مرحلة الخلاف إلى مرحلة الائتلاف، ومن التباعد إلى التقارب، ومن الحقد إلى الحب ولايسعنا إلى أن نعود إلى قوله تعالى الإلحاد (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا) وقوله تعالى في الدعوة (ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك) فلا الملحد تفكر ولا الداعي فهم وتدبر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد