كتبت ذات مرة منشورًا على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ضمنت فيه كلمة “اعتقاد إلحادي” ففوجئت ببعض الرافضين، أهمهم من رفض الكلمة تمامًا، شكلًا وموضوعًا من منطلق قولهم: “ليس هناك ما يسمى معتقد إلحادي” ثم ثار على أساس ذلك سؤالٌ هام مبني على معلومة مغلوطة مفادها (إنكار وجود الشيء ليس بالضرورة معتقد)! أما السؤال الذي وُجّه لي فقد كان كالتالي: “ماذا يعني معتقد إلحادي؟ وما الإلحاد أصلًا من وجهه نظرك؟”. كان يبدو من الوضع القائم وقتها أن صديقي المُلحد لم يفصل بين كلمات (العقيدة والدين والإيمان)، بل حصل لديه بناء على أسباب عدة خلط اضطراري بين هذه الكلمات؛ فأصبحت تُمثل بالنسبة إليه معنى واحدًا يطرق في رأسه ما أن يسمع إحداها، وهذا غلطٌ فادح بالطبع لا يليق بمُلحد – اتبع في بناء وعيه المنهج العلمي المعتبر للتخلص مما اعتبره خرافة الأديان – أن يعتبره منهجًا لديه. فما هذا المنهج العلمي العجيب الذي يخلط عمدًا أو سهوًا بين كلمات ومصطلحات غاية في الدقة وتؤدي إلى معان شتى كل منها تُريد موضوع مختلف إلا أن يكون جهلًا محضًا يتغنى بكينونة معرفية مُزيفة.

طيب، ما الإلحاد؟ يقال ألحد الرجل إذا مال عن طريقة الحق والإيمان، والمُلتَحد أي الملجأ لأن اللاجئ يميل إليه ويقال أيضًا: لحَدَ أي فضح وهتك؛ وجعل القوم يلحدون في أمر شخص ما أي بدأوا يتخلون عنه وعن حزبه وطائفته وشيعته.

يعني أن الإلحاد هو التخلي عن الأفكار الطبيعية والميل عنها إلى الميل لتبني أفكار خاصة بناء على علوم المادة والتجريب بعد الخبرة أو المعاينة، وأيًا كان هذا التبني لهذه الأفكار التي ذهب إليها المُلحد ونوعيتها فهو (أي هذا التبني) يُعد معتقدًا في الأخير، فالمُعتقد هو ما يؤمن به المرء في وقته، وليس بالضرورة أن يكون المُعتقد دين أو الإيمان بدين، إنما هو الإيمان بفكرة لوقت ممتد طولًا أو قِصرًا، فمن المُلحدين من يعتقدون بأنه لا واجد لهذا الكون، وأنه أوجد نفسه بنفسه، ومنهم من يعتقدون بأن هناك بالضرورة واجد أزلي للكون غير أنه ليس فعّال، أي خلق وترك بعد أن وضع كافة الآليات الديناميكية لضمان سيره وبقاءه لأطول فترة ممكنة، ومنهم من يعتقد بسطوة العقل والعلم بالتبعية ومنهم من يعتقد بسطوة قوى الطبيعة.

وجدير بالذكر أن ما يُسمى بالإلحاد السلبي وفئة اللا أدرية يجب أن لا ينضمّا إلى موضوع الإلحاد من الأساس، إنما هم بالأحرى المترددون والمذبذبون وغير الواثقين، وتشمل هذه الفئة أيضًا الأطفال في عدم معرفتهم وخبرتهم بأي معتقد ديني بعد، ويمكن إقناعهم بالشيء وضده بحسب قوة الإقناع والمعاينة. حتى أنهم أنفسهم يرفضون أحيانًا وصمهم بصفة الإلحاد، وربما يعود فكر صديقي المُشار إليه في مقدمة هذا الموضوع إلى هذه النوعية، لذا نراه اعترض على كلمة “اعتقاد إلحادي” فهو لا يعتقد بشيء ولا يثق بفكرة أساسية ما حتى وقته ذاك، ولعل مُجمل من يسمون أنفسهم بالملحدين في المنطقة العربية هم من تلك الفئة أيضًا.

أما الملحدون فعًلًا فهم الواثقون بفكرتهم الإلحادية ويؤمنون بها إيمانًا كاملًا ويدافعون عن هذا الاعتقاد بيقين واستماته. أما مذاهبهم في ذلك فتتعدد إلى الإلحاد العلمي والمعرفي، والإلحاد العقلي والمنطقي، والإلحاد الكامل وهو الذي يجمع بين النوعين السابقين معًا؛ ثم الإلحاد الناشئ عن الرفض للأديان ليس إلا ويطلق عليه البعض “الإلحاد الاستهلاكي”. ويلمس هذا المذهب الإلحادي الأخير غالبية الملحدين العرب الذين برزوا مؤخرًا.

ولأننا من أبناء المنطقة العربية فيهمنا فحص حالة ذلك المذهب الإلحادي “الاستهلاكي” خاصة. وهو الناشئ أساسًا على مبدأ الرفض للأديان، فمن الملاحظة تبين أن هذا النوع من الإلحاد يتفرع إلى قسمين رئيسيين من جهة التأثر، هما التأثر العصبي والتأثر النمطي، أما القسم الأول أي العصبي فيبني جُل أفكاره التي يَعُدُها إلحادية مُعتَبَرة على أساس الممارسات السلبية واللا إنسانية لأتباع الديانات المختلفة، ويُلاحظ على هذا النوع التزامه مبدأ الصيد في الماء العكر وإبرازه لكل صورة سيئة مفتعلة، ذلك بقصد الإبقاء على مذهبه الإلحادي هذا قائمًا؛ لأنه بدون ممارسات خاطئة لأتباع الديانات المختلفة لن يكون له صفة إلحاد رسمية يمكن أن يجد نفسه فيها، لا سيما وأنه قاصر أو عاجز عن الانخراط في المناهج الإلحادية الأكثر صعوبة وجدية كالإلحاد العلمي والإلحاد العقلي إلا تابعًا وليس فاعلًا.. مما يجعله مضطرًا في النهاية ليصبح مزجوجًا في صفوف اللا أدرية أو السلبيين عمومًا وهذا ما لا يبغيه. فعقيدة هذا المُلحد العصبي إذًن هي عقيدة التلويث عمومًا، والتعصب لفكرة ترويج الإيمان الديني بشكل سيء ومُشين، فهي عقيدة نفاقية إلى حد ما.

أما القسم الثاني من مذهب الإلحاد الاستهلاكي فهو التأثر النمطي وهو الإعجاب بأنماط ظاهرية غريبة ومختلفة في البداية وبدون تحديد لفكرة جوهرية ما يبدأ “التوهان” بين محصول من الأفكار الجميلة ظاهريًا والمتناقضة فعليًا. فإذا كان التأثر العصبي هو الميل عن الدين ونقضه بالتصيد له.. فالتأثر النمطي هو الميل إلى الأنماط الجميلة في الأفكار الخارجية الأخرى عمومًا، كالبحث عن الإنسانية والفضيلة مثلًا في البوذية ─مع احترامنا للديانة─ غاضين البصر عن عقائدها الشركية وطقوسها الغريبة! أو انتهاج منهج صوفي غير محدد تأثرًا بجماليات صوفية ظاهرية شكلية دون الغوص في مضامين التصوف الحقيقي، فهذا التأثر وإن كان أبطأ في مؤداه إلى نبذ طرق الشريعة إلا أنه سبيل فعلي لها، حتى أن كبار المتصوفة المشهورين كالحلاج والسهروردي وآخرين قد وقعوا فيه بإنكارهم بعض أركان الدين بل وتخطى بهم الحال إلى اعتبار ذواتهم مساوية لذات الله؛ فبعد أن استولت عليهم حال الفناء في الله أي الانمحاء في طرقه وهي المميزة في التصوف فقدوا غير قاصدين حالة التمييز الواجبة بينهم وبين الله!

لذلك، فإذا كان التأثر العصبي من الإلحاد الاستهلاكي هو خروجًا عن الدين يبرز الشكل التقززي الرافض له من الخارج فإن التأثر النمطي منه يُخرج من ربقة الشريعة وإطارها ولكن من الداخل الأعلى وتكون النتيجة في الحالين إلى حد ما واحدة في النهاية وهي الإنكار عمومًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد