بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، فهذه هي المغالطة الأولى التي سأتكلم عنها في هذه السلسله بعد المقدمة السابقة.

1- مغالطة الاحتجاج بالجهل

من مغالطات الملحدين، والمغالطات الشهيرة عامة، الاحتجاج بالجهل، ولا يسلم من هذا حتى كبراؤهم. ويستعملونها في مواطن كثيرة، فلنتعرف أولًا عن ما هو الاحتجاج بالجهل، وحسب ما سبق وقدمته في مقدمة هذه السلسلة، سنعرف لم هو مغالطة منطقية بالضبط – لأنهم حتى مع علمهم بأنه احتجاج بالجهل، قد تجدهم ينازعون في كونه مغالطة – فيجب أن نعرف الأصول التي تثبت كونه مغالطة، ثم نرى أمثلة لهذه المغالطة في كلامهم، ويكون القارئ قادرًا على اكتشافها في غير هذه الأمثلة أيضًا إن شاء الله.

فأولًا، الاحتجاج بالجهل هو استعمال الجهل كدليل، إما على النفي أو الإثبات. ولأن الجهل واحد بالنسبة للحالتين فهو يمكن استخدامة كدليل يدل على كلا الاثنين في نفس الوقت، فيصبح دليل للنفي وللإثبات في نفس الوقت، وبالتالي فهو يقود إلى التناقض، ويخالف مبدأ عدم التناقض، ومن هنا نعرف أنه مغالطة منطقية، ليست بشرط أن تدل على الحكم الصحيح.

فهذا الإثبات العام، إما إثبات كونه مغالطة بمثال، فهذا أسهل. فلو أخذنا مثلًا مسألة وجود الذرة قديمًا، في الوقت الذي لم تكن هناك إمكانية لرصدها، وكانت خارج إدراك البشر. فحكم وجود الذرة في الواقع هو الوجود، لكن حكمها الشخصي بالنسبة للبشر هو أنها خارج إدراكهم، وهذا من أوجه اختلاف الحكم الشخصي عن الحكم الواقعي. فالحكم الواقعي، إما نعم أو لا، إما موجود أو غير موجود. أما الحكم الشخصي فقد يتوقف فيه؛ لعدم كفايه الأدله الآن. وعدم وجود معلومات كافية للحكم في المسألة هذا هو ما يسمى الجهل.

فما فعلوه قديمًا في مسألة الذرة، من أنكر وجودها منهم، فاسمه الاحتجاج بالجهل، وهو القول باختصار إني لا أعرف أهي موجودة أم لا؛ بالتالي هي غير موجودة. وهذا حكم خالف الواقع، وقائم على الاحتجاج بالجهل؛ بالتالي فهذا هو الإثبات الثاني لكون الاحتجاج بالجهل مغالطة منطقية عن طريق مثال يبين كون هذا النوع من البراهين قد يؤدي إلى نتائج خاطئة، وليس شرطًا أن يقود إلى نتائج صحيحة، فالاحتجاج به إذن لا معنى له.

لذا فالحكم الصحيح وقتها كان التوقف للجهل، والبحث عن المزيد من المعلومات والحكم عند وجود معلومات وأدلة صحيحة.

وهذا هو الحال علميًا ومنطقيًا في مسأله الجهل. فمنطقيًا إضافه إلى كون الاحتجاج بالجهل مغالطة، فهناك قاعدة بديهيه تقول: عدم العلم لا يعني العدم، وهذا بديهي وواضح. أما علميًا، فالجهل ليس له أدنى قيمة دلالية علميًا. فمثلًا لو طرح شخص فرضية حول شيء معين في العلم، فإن حكمها حسب المنهج العلمي لا يكون نفيًا، ولا إثباتا، حتى تتضح بالأدلة، إما هذا أو ذاك، ولا يمكن بحال أن يقول طارح الفرضية: أن فرضيتي هذه صحيحة وواقعة هكذا بدون دليل، أو بناء على الجهل بدليل النفي. فلا يعقل أن يقول: فرضيتي هذه صحيحة وواقعة ودليلها أننا لا نعرف دليلًا ينفيها. فهذا لا قيمة له في المنهج العلمي. و نفس الشيء أيضًا في الاتجاه المقابل، فلا يمكن أن يأتي شخص آخر، يقول لصاحب الفرضية فرضيتك لا نعرف عليها دليلًا، أو فرضيتك هذه غير مثبتة، إذن، فلابد أنها خطأ.

هنا سيرد العلماء الملتزمون بالمنهج العلمي  على من يدعي خطأ هذه الفرضية ويحاكموه إلى هذا المنهج، ويقولون له: الجهل ليس بحجة، فلو عندك إثبات أنها خطأ، فأخبرنا به، وإلا – علميًا – فهي فرضية تقبل أن تكون صوابًا أو أن تكون خطأ، حتى تظهر لنا الأدلة على أحدهما.

ولاحظ هنا نقطة مهمة، هي: أن قبول كونها صوابًا أو خطأ، هذا إنما هو من ناحية حكمنا عليها، لكن فعليًا لا ينكر أحد أنها في الواقع إما صواب أو خطأ، الفكرة أننا فقط لا نملك من الأدله ما يدلنا بالضبط على أيهما الصحيح لجهلنا. فالجهل ليس دليلًا، ولكن نبحث عن الأدلة السلمية للحكم في المسألة، ومعرفة الحكم الصحيح المتحقق في الواقع.

الآن بعد هذا التأصيل ننتقل؛ لنرى كيف يقع الملحدون في هذه المغالطة، بل كثير منهم، حتى يعتبرها دليلًا، متجاهلًا العلم والمنطق.

فتجد بعضهم يستدل بمثال شهير اسمه :في مرآبي تنين، وهو باختصار أن يدعي رجل أن في مرآبه تنينًا خارج الإدراك (بلا دليل)، فلا يقبل منه جيرانه هذا. وهذا واضح لأي أحد يعرف المنطق، أو العلم أنه محض احتجاج بالجهل، إنما يتم إكسابه صبغة عامية لبيع هذه المغالطة للعامة. ولا يمكن أن يقال هذا الكلام علميًا ولا منطقيًا، فعلميًا لو وجدوا فرضية ليس عليها دليل، (كهذه الفرضية)، فهم سيتوقفون، ولن يثبتوا أو ينفوا، لكن الملحد يقول: نحن سننفي، ودليلنا: الجهل، وينطلق للقول بأن الاحتجاج بالجهل دليل صحيح للاحتجاج بهذا المثال، مستغلًا جهل العامة بطبيعه المغالطات المنطقية نفسها، فقد تدل المغالطة المنطقية على الحكم الصحيح، لكن قد تدل أيضًا على الحكم الخاطئ، كما قدمت في أول مقال في هذه السلسلة، وهذا هو أصل كونها مغالطة غير مقبولة في الأساس. وهذا المثال السابق، إنما هو موضوع خصيصًا على كون أن الرجل محض كذاب، وهذا وحده دليل يكفي لرد ادعائه بدون الحاجة للاحتجاج بالجهل، لكنه يحتج بالجهل؛ ليظهر الأمر وكأن الجهل دليل على النفي كقاعدة عامة، وهو واضح البطلان علميًا ومنطقيًا.

وغرضهم من هذا التأصيل للاحتجاج بالجهل هو أن يسقطوا هذا الكلام والقواعد الخاطئة على مسألة مثل وجود الخالق سبحانه، فيقولون  هو خارج إدراكنا، إذا هو غير موجود. وهذا ظاهر البطلان كما بيناه بالأعلى في مثال الذرة، فقد حكموا نفس هذا الحكم وقادهم إلى نتيجة خاطئة، وهذا واضح جلي منطقيًا وعلميًا.

من أشهر أمثله الاحتجاج بالجهل عندهم أيضًا، قول: ما أتى بغير دليل رُد بغير دليل، وهذا ظاهر البطلان رأسًا لمخالفته لمبدأ عدم التناقض، فلو كان عدم وجود الدليل دليلًا بذاته على النفي والإثبات في آن واحد، إذن فهو ليس بدليل أصلًا. وهذه إنما هي صيغة الاحتجاج بالجهل، صاغوها على شكل قاعدة، محاولين جعلها أكثر قبولًا، بينما هي لا تعدو كونها مغالطة منطقية. وإنما القاعدة الصحيحة المنطقية هي: عدم العلم لا يعني العدم، فعلمك القاصر عن شيء لا يعني عدم وجوده، إنما يعني أنه خارج إدراكك ليس إلا.

وهذه بعض الأمثلة فقط، والغرض الأساسي من هذه السلسلة هو التأصيل لهذه المفاهيم والقواعد المنطقية حتى يكون لدى المرء عقل سليم لا يقبل التدليسات والمغالطات من الملاحدة، خصوصًا كونهم أكثر من رأيت يستخدمها، ومن أي أحد عامة في أي جانب من جوانب الحياة، فلو تم فهم التأصيل لهذه القواعد جيدًا، يساعد هذا بإذن الله في بناء تفكير عقلي سليم، وناقد، يكشف المغالطات ويتجنبها بنفسه.

و إلى اللقاء في المقال القادم، والذي سيكون عن المصادرة على المطلوب، باذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد