بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد، فهذه ثاني مغالطة سأتكلم عنها في هذه سلسلة:

 المصادرة على المطلوب

والتي معناها الانطلاق في إثبات شيء معين، وضمن ذاك الإثبات الاستدلال بالشيء نفسه. وهناك صيغة أعم لهذه المغالطة تسمى بـ (الاستدلال الدائري)، وهي الأخرى مغالطة.

ولو نظرنا للتعريف سواء المصادرة على المطلوب، أو الاستدلال الدائري، فهو يبين لماذا هذا النوع من الاستدلال مغالطة منطقية، فأي شيء حينها يمكن أن يكون دليلًا على نفسه صح أم لم يصح. وكما قلنا فهذا سيقود بالضرورة لنتائج خاطئة؛ لذا فهذا النوع من الاستدلال داخل ضمن المغالطات المنطقية.

ويجب التنبيه على شيء في هذه النقطة، هو أن هذا لا يتعارض مع وجوب وجود المسلمات، أو الضروريات العقلية؛ بل في الواقع هذا الأمر إنما يقررها ويوجب وجودها. وبالضروريات أو المسلمات العقلية أعني هذه القواعد التي هي دليل على نفسها، أو لا تحتاج إثباتًا (صحيحة بذاتها). فبما أن الاستدلال الدائري خاطئ، ومعروف أن الاستدلال غير المتوقف خاطئ وغير ممكن للزومه مقدمات لا نهائية، بالتالي لإثبات أي شيء لا بد البدء من الضروريات العقلية، أو المسلمات، أو المبادئ العقلية الضرورية، كما هو الحال في المنطق مثلًا. ففي المنطق نحن إنما نرد كل شيء لأصل ثابت وهو المبادئ العقلية الأساسية التي أصلناها في بداية الكلام، والتي هي من الضروريات العقلية، ودليل على صحتها هو ذاتها، لذا فتعود كل الإثباتات والبراهين على أي شيء آخر لها، فالضروريات العقلية هي الأساس الذي يبنى عليه أي منهج معرفي كان، سواء تجريبي أو استقرائي أو رياضي أو أيًّا كان.

بالتالي فإن المصادرة على المطلوب، أو الاستدلال الدائري إنما هو مغالطة فيما يتعلق بما نستدل عليه عقليًّا أو منطقيًّا، لا ما هو ضرورة عقلية، كالمبادئ العقلية الأساسية أو غيرها من الضروريات العقلية كون الجزء أصغر من الكل، وهكذا. ولهذا يمكن تعريف هذه المغالطة تعريفًا آخر، هي اتخاذ مقدمات ليست من الضروريات العقلية كمسلمات وضروريات عقلية، كما يقال «حجة البليد» فمن لا يجد إثباتًا لكلامه يدعي أنه مُسلمة، ولو لم يكن ادعاؤه هذا مباشرًا.

بالتالي من هذا التعريف يتم إخراج المسلمات العقلية الفعلية من المغالطة، وهذا لا إشكال فيه لو راجعت تعريف المغالطة في مقال المقدمة. وفي هذا المسالة يخطئ الكثيرون مثل السفسطائيين أو غيرهم ممن لا ينتبهون لهذه النقطة، فتجدهم يطعنون أو لا يقبلون الضروريات العقلية ابتداءً، وهي التي يفترض أن يعودوا إليها في الاستنتاج أصلًا. فتجد البعض مثلًا يقولون نحن نرفض الضروريات العقلية وأي شيء غير مثبت، ونتمسك بالتجربة فقط. متناسون أن قبولهم للنتائج التجريبية أو الحسية بشكل عام إنما راجع أساسًا في ذاته لضرورة عقلية، وهي قبول نتائج الحس السليم. فأمثال هؤلاء من السفسطائيين أو هذا المنهج الذي تفرع عنهم، والذي يسمى العلموية (scientism، وليس العلمانية) تجدهم يقعون في إشكالات وتناقضات كثيرة، وليس عندهم منهج معرفي متماسك.

ولاحظ أن العلموية هذه تختلف عن «المنهج العلمي التجريبي»، فهذا شيء وذاك شيء آخر. فليس في العِلم أو منهجه أي شيء يرفض ما هو ناتج مناهج المعرفة الأخرى إن صحت، وبالتأكيد فالمنهج العلمي يؤسس نفسه على الضروريات العقلية ابتداءً. أما هؤلاء فهم ينكرون أي شيء إلا التجربة فهم فرع عن الفكر السفسطائي، وهذا الفكر مرفوض حسب المنهج العلمي السليم، ومناقض له كما قلت، وإن كانوا يحبون أن ينسبوا أنفسهم له محاولة لكسب بعض المصداقية. وهذا أول مقابلتنا للملحدين في هذا المقال، فهذا الفكر يمكن أن تقول إنه منتشر حصرًا في الفكر الإلحادي، في حين أنك قد تجد نفس هؤلاء يقعون في مغالطة المصادرة على المطلوب، وادعاء أن أمرًا ما مسلمة وهو ليس بمسلمة، في نفس الوقت تجدهم ينكرون وجود الضروريات والمسلمات أصلًا.

نرجع الآن لموضوعنا عن المنطق الدائري والمصادرة على المطلوب. فمثال عليه في الاستدلال كالقول (أ) هذا ادعائي ودليله هو (ب) و(ب) هذا دليله (ج) و(ج) دليله (أ)، فعاد في الاستدلال لاستخدام المطلوب إثباته كدليل، لهذا فهو يسمى «مصادرة على المطلوب» أي أنه يقدم المطلوب هذا كمسلمة مع عدم لزوم كونه مسلمة. فيجب في المثال السابق أن يعود الاستنتاج لإحدى الضروريات أو المسلمات العقلية لا إلى المطلوب إثباته نفسه.

وهذا يوجد في كلام بعض الملاحدة بشكل كبير، سواء المصادرة على المطلوب، أو السفسطة على شكل العلموية، والتي توقعهم في أشكال كثيرة من التناقض. فبالنسبة لمغالطة المصادرة على المطلوب تجدها بشكل كبير في الكلام عن أصول الخلاف. مثل «هل الكون مصمم أم لا؟» فتجد أحد كبرائهم لا ينازع في هذه المسألة، وإنما ينقل النقاش للمقدمة العقلية في إثبات التصميم على وجود مصمم، وهي مقدمة بديهية يصل لها الإنسان بالفطرة السلمية حتى، فتجده ينكر هذا. بناءً على ماذا؟ يقول لك نحن نرى أشياء بالفعل مصممة ولا يوجد لها مصمم، تسأله عن ما هي هذه الأشياء، فيجيبك: «الكون مثلًا، هو مصمم لكن لا يوجد له مصمِم». فهذا مثال واضح جدًّا من كلامهم، والذي يقوله كبارهم على المصادرة على المطلوب، ويفعلونه في الكثير من الحجج ليست هذه فقط، فمعظم حجج وجود الله قائمة على مقدمتين: الأولى مشاهدة، والثانية عقلية بديهية، فينكرون هذه الثانية بناءً على المغالطات مثل المصادرة على المطلوب، فمثلًا في الحجة الأخرى عن حدوث الكون كدليل على وجود خالقه؛ فهو قائم على مقدمتين: الأولى أن الكون حادث، وهذا ملاحظ وثابت علميًّا وتجريبيًّا، الثانية هي البديهة والقاعدة العقلية أن لكل حادث مُحدِثًا. فلا ينكرون ما هو ثابت علميًّا حتى يستقيم تمسكهم بالمنهج العلمي. فينكرون المقدمة العقلية الثابتة عقليًّا بناء على مغالطات كالمصادرة على المطلوب، فتجدهم يقولون إن هذه البديهة خاطئة لأننا نشاهد بالفعل الكون وهو حادث لكن لا مُحدِث له. وهذا كثير في كلامهم.
وطبعًا لأن هناك قواعد في المقدمات الأولى قد تدخل ضمن إطار البديهيات والضروريات العقلية أصلًا، فهنا تجدهم يتمسكون بشراسة بالمنهج العلموي السفسطائي، وينكرون البديهيات العقلية والضروريات المسلمة، واقعين في شتى أشكال التناقض.

عدم الترابط

 ومن إحدى مغالطاتهم أيضًا في الكلام عن حجج وجود الخالق سبحانه، هو قولهم إن حدوث الكون هذا أو تعقيده إنما هو ناتج عن «القوانين الطبيعية»، بالتالي فهو لا يحتاج إلى خالق أو مصمم، وهذه مغالطة أخرى تسمى «عدم الترابط»، فالمقدمة والنتيجة التي وصلوا لها غير مترابطين، ولا تدل هذه المقدمة على تلك النتيجة؛ بالعكس فلو نظرنا في المسألة من هذا المنطلق، فالقوانين إنما هي دليل آخر على وجود الخالق المقنن لها، والذي يفرضها على الكون ليمشي عليها، ولا يخالفها. فحجتهم لا تقود للنتيجة التي وصلوا لها، إنما عند التحقيق تقود للعكس، فهذه من ضمن مغالطاتهم أيضًا، ويسمى «عدم الترابط» أو القفز إلى الاستنتاج. وهاتان المغالطتان شهيرتان جدًّا في هذا الباب وربما لا تجد ملحدًا إلا ويقع في إحداهما في كلامه عن هذه الأدلة، فضلًا طبعًا عن مسألة العلموية والسفسطة بإنكار البديهيات عند الاصطدام بها.

 ومن أسباب كتابتي لهذه السلسلة هو ألا يقع أحد في مثل هذه الألاعيب والمغالطات بسهولة، ويعرف كيف يميزها في كلامهم، أو كلام غيرهم.

ونلتقي بإذن الله في المنشور القادم عن مغالطات الاحتجاج بالمصادر، دمتم بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد