درع وسيف فكري!

المشهد الأول: كنت عائدًا من مهمة لعملي في مدينة طابا، ونظرًا لعدم توفر مواصلات بسبب انتهائي من عملي في ساعة متأخرة في إحدى ليالي الشتاء، كان سائق فى إحدى الشركات السياحية يٌقلني إلى مدينة شرم الشيخ؛ حيث مكان المبيت، كان الرجل كريم الأخلاق، مسيحي الديانة، بسيط الهيئة والفكر، خمسيني العمر. البرد شديد خارج الحافلة، فهو يرفض أن يدخن فى الحافلة حتى فى عدم وجود ركاب، ليس هناك ما يٌدفنئا سوى حديث عشوائي يأخذنا هنا وهناك، وبعض من دُخانه الممزوج ببخار الماء.

بينما نتجاذب أطراف الحديث حتى يأتي الفوج السياحي، قال لي: إن الله فرض على اليهود عقوبة الرجم للزاني والزانية بسبب قساوة قلوبهم، وحينما أتوا بالبغي إلى المسيح رفض الرجم، وقال: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر. ثم علق ثانية: لقد نسخ الحكم؛ لأن أساس العقوبة هي قساوة قلوب اليهود، وابتسم نافثًا نفثة مطمئنة من الدخان، كأنه تنين مجنح وصل وطنه لتوه. هنا ابتسمت وفهمت مراده، هو يقصدني: فالكلام لك يا جارة.

كيف كنتُ رابط الجأش إلى الحد الذي جعلني أبتسم! فجميع الأصدقاء يعرفون أن النقاش معي خلف الخطوط الحمراء هو مزيج من الصراخ والكلام غير المفهوم. هل لأنه صاحب السيارة؟ من الممكن، هل هو توفيق من الله؟ هذا ما أظن، كل ما أذكره جيدًا أنني قررت ألا أٌداهن في ديني، بدأت الإجابة بأن المشرع حين يشرع للعقوبة، لا ينظر إلى طرف واحد فقط، هو ينظر إلى المجتمع، المجني عليه، ظروف الجاني، قد لا تعرف ظروف المجتمع أو المشرع، ولكنك بسهولة تستطيع أن تشعر بالمجني عليه الحقيقي، وهو الزوج والأسرة.

بدأت أسرد له القصتين المشهورتين فى الإسلام لتطبيق حد الزنا، وأنهما كانا طليقي السراح، وأنهما جاءا يطلبان تطبيق العقوبة طوعًا، بل إن الرسول – صلى الله عليه وسلم – لم يأخذ بالاعتراف كدليل دامغ، بل بحث في أهلية المعترف، حتى إن المرأة تُركت حتى وضعت وكبر المولود وأكل. هنا قلت في هذه الحالة تكون العقوبة مصلحة للجاني أيضًا، وهو ما قرره الرسول لخالد بتوبة المرأة.

صمت قليلًا ثم قال: كيف لا يكون القرآن قد حٌرف وقد جمع في عهد عثمان؟ قلت إن القرآن جمع فى عهد أبي بكر، ثم دون كتابا بين دفتي سفر سمي مصحفًا في عهد عثمان.

رد قائلًا: فلماذا جمع عثمان المصاحف من الأمصار وحرقها؟ قلت: أنت تشكك فى كتاب تم جمعه في أقل من ثلاثين عامًا من نزوله، هل تعلم أن أول إنجيل مدون ظهر بعد المسيح في فترة تتراوح من 60 إلى 100 عام على اختلاف الأقوال. بدأ الرجل يدافع، بينما كان عقلي يسبح في الفضاء بعيدًا باحثًا من أين أتي بكل هذه المعلومات، هو ليس بقارئ.

المشهد الثاني: في ليلة من ليالي رمضان الساهرة، كنا نتحدث نحن مجموع الأصدقاء، ثم ركبنا حافلة الحديث التي وصلت بنا إلى محطة الأديان، هنا بدأ صديق مسيحي بإيراد بعض الشبهات، بدء من واقعة جمع المصحف، إلى أن الرسول كان يعلمه أحد الفتيان، ثم بدأ يتكلم عن ورقه بن نوفل، ثم بدأ يردد نفس الكلام الذي كان يردده السائق، إنني على يقين من أنهما لا يعرفان بعضهما البعض، إذن هناك أمر!

كان هذا الكلام حول ديانة الآخر، ومعرفة الردود المتوقعة، ثم المباغته بشبهة أخرى، كانت لا تعني لي سوى أنهم هناك يبنون حائط صد فكرى، إنهم محصنون فكريًا ضد أي فكر آخر، بينما تركنا نحن في فضاء فكري، تتخطفنا ثقافات متعددة في ساحة قتالٍ من دون درع وسيف يحمينا – إلا من رحم ربي – بل إن منا من يقف في هذه الساحة يرتدي ثوبًا – فكريًا – مهلهلًا، ومنا من فكره بالكاد يوارى عورته، وهناك من يقف عاريًا. قد تري الملحد يرتدي ثيابًا أنيقة، لكني أقول لك: هم كانوا معنا في نفس المعركة دون درع وسيف يحميه، فاحتم بدرع واحمل سيف الآخر.

يا صديق، هل سألت نفسك يومًا لماذا شغلت قصص اليهود حيزًا كبيرًا في القرآن؟ بالنسبة لي، كان لابد من تهيئة لانتقال النبتة الإسلامية من مكة إلى المدنية، حيث نوع التربة مختلفة، من تربة بوار، فكرتها عن الخالق مشوشة، إلى تربة فيها نبة معطوبة، نعم فهناك أحد أفراد العائلة، فكان هذا الحديث المتواصل نوعًا من تدعيم الفكر الإسلامي، وتحصينه ضد آفة أصابت نبة مجاورة.

نعم، اقتضت الحكمة الإلهية أن تنمو شجرة الدولة الإسلامية إلى جوار أحد أفراد العائلة الكتابية، فكان لابد للعقل المسلم أن يستوعب هذه التجربة؛ باعتبارها سوف تكون الأقرب إليه، إنه تحديد إطار الهوية الإسلامية بمعرفة الاختلافات والاتفاقات مع التجارب الأخرى.

  يا صديق! إذا اشتبهت عليك شبهة، فاقتلها بالعلم فى الحال. إننا أمام تسونامي، فاحرص يا صديق أن يكون لك مركب. اعلم أن هذا ليس هو السبب الوحيد للإلحاد، لكن هو أحد الأسباب الرئيسة بالتأكيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد