يوجد العديد من الفلسفات الإلحادية منها ما ظهر واندثر، ومنها ما ظل باقيًّا إلى يومنا هذا، وبالنظر إلى التاريخ الغربي للإلحاد نجد أن أول استخدام لكلمة “ملحد” كان في الشعر الإغريقي في القرن السادس قبل الميلاد، وكانت تعني التخلي والبعد عن الآلهة، ويعتبر سقراط هو أول من اتُهم بالإلحاد سنة 399 قبل الميلاد، وذلك لإنه كان يستهين بفكرة أن الآلهة عبارة عن ذوات غير كاملة، وهذا يتنافى مع الكمال المطلق للإله وبسبب هذا الاعتقاد حُكم عليه بالإعدام، وحاول تلامذته تهريبه من السجن، ولكنه رفض وقُتل مسمومًا، وهذه الواقعة التاريخية كانت لها أسبابها السياسية لأنها كانت تتعارض مع ما يمليه الحاكم على الشعب في وقتها.

 

بداية الفلسفة المادية الكاملة قديمًا تزعمها الفيلسوف ديموقراط حينما زعم أن الآلهة لا وجود لها إلا في العالم الآخر، وكان هناك بعض الواقعيين الذين قالوا بأن الآلهة من إبداع السلطة الحاكمة ليجبروا الناس على احترام القانون.

 

ثم جاء العصر المسيحي وجاء السيد المسيح بالإيمان، وكان أبرز المفكرين المسيحيين الذين بدأوا التركيز في الذات الإلهية ومحاولة فهمها هو القديس أوجاستين، وتوصل إلى أن الإله هو الله الخالق للبشر الذي دعا إليه السيد المسيح.

 

ثم توالت القرون وظل التفكير في الذات الإلهية مستمرًا وتوصلوا إلى أن الله الخالق هو الإله الذي توصل إليه سقراط وأرسطو وأفلاطون، ولم يظهر الإلحاد بالصورة الواضحة في العصور المسيحية القديمة.

 

وكانت بداية تشويه صورة الإله في العصور الوسطى حيث بدأوا يرفضون فكرة الإله صاحب الوحي الذي خلق البشر والكون، وأنكروا إمكانية معرفة الإله بالعقل وكان وليام الأوكامي المفكر الإنجليزي المتوفي سنة 1348م هو أول من دعا صراحة إلى إنكار إمكانية وجود إله، وأن معرفة البشر لا تستطيع تخطي الأشياء المحسوسة من الأشياء غير المحسوسة، وأن الإله لا يمكن التوصل إليه عن طريق العقل، وأن التوصل إليه يعتمد على التخمين وأسس مذهب فلسفي يسمى الاسمانية Nominalism الذي مهّد للتجريبية واللا أدرية Agnosticism.

 

عصر النهضة
كان التفكير السائد في العصور الوسطى متعلق بعالم الغيب والأرواح وفي بداية عصر النهضة، بدأ التفكير يتحول من المشكلة الدينية الغيبية إلى مشكلة الإنسان والطبيعة، خصوصًا حرية الإنسان في جميع مجالات الحياة.

 

1- دي مونتين (فيلسوف فرنسي) توفي سنة 1592م:
كان الشك هو المدرسة الفلسفية السائدة، والتجربة هو الاتجاه السائد وكانت وجهة نظر الفلاسفة أن مشكلة وجود الإله (الروح) لا يمكن حلها، ومن الأفضل الامتناع عن الخوض فيها والتفرغ إلى أمور الحياة، وقال إن العقل البشري هو مقياس للحقيقة، وإن الدين عبارة عن اختراع بشري، وأنكر وجود الإله أساسًا.

مهّد هذا التفكير لفلسفات الشكيّة scepticism، والعقلانية المنطقية Rationalism ، والطبعانيّة Naturalism ، والإنسانيّة Humanism.

 

2- فرانسيس بيكون فيلسوف إنجليزي توفي 1626م:
من روّاد الثورة العلمية القائمة على الملاحظة والتجريب، وقال إن العلم هو المعيار والمقياس الذي نقيس به وقال إن الحق والصدق خارج حدود المعرفة، وإن الإله في وجهة نظره لا يمكن أن تصل إليه الفلسفة، ومهّد للاأدرية والاتجاه المضاد للغيبي.

 

3- رينييه ديكارت فيلسوف فرنسي يلقب بـ “أبو الفلسفة” الحديثة توفي 1650م:
أكد على وجود الإله، وأكد على أنه توجد حياة غيبية روحانية غير مادية، وقال إن فكرة الإله هي فكرة موجودة بالفطرة في الوعي الإنساني، ولم ينكر ديكارت وجود إله. وقال إن الإله هو الضامن للحق والصدق، وأنه مصدر المعرفة، ولكنه ربط الإله بالوعي أو الضمير البشري، وأن الإله الروحي خلق الكون والإنسان، ولم يعد هناك اتصال بين الإله وبين الكون.

 

هذا المذهب وضع حجر الأساس لمعظم الفلسفات الإلحادية الموجودة حاليًا، وقال إن هناك فرق بين الغيبيات والماديات ولا ارتباط بينهما.

 

4- سبيونزا فيلسوف يهودي ألماني توفي 1677م:
استلهم فلسفة ديكارت، وقال إن الإله متحد مع الطبيعة، والطبيعة هي الإله، والروح متحدة مع الجسد، وأنه لا يمكن أن يوجد شيء في الطبيعة إذا وجد إله. فلسفة الواحدية Monism ، هذه الفلسفة مهدت لفكرة أن الطبيعة عبارة عن نظام تلقائي يمكن أن يتم اختباره علميًّا، ومهدت للفلسفات المادية والمثالية.

 

عصر التنوير
أصبحت فلسفات العقلانية والطبعانية والتجريبية التي ظهرت في عصر النهضة هي الأساس النظري الذي تم عليه بناء الفكر الفلسفي للإلحاد في عصر التنوير، وكانت السمة السائدة في هذا العصر هي النقد الحاد للدين وخصوصًا المسيحي، ووضع فلاسفة عصر التنوير العقل كمصدر وحيد للحق والمعرفة، وأرادوا تطهير الفلسفة والثقافة من التعصب الموجود بها، مما أسموه بالغيبيات أو الأشياء الخارقة للطبيعة، ومن أشهر الفلاسفة في هذا العصر:

 

1- فولتير: توفي سنة 1778م، وقال إن الله هو المهندس العظيم للكون، ولديه خطة لهذا الكون لا تتغير سواء بتدخل منه أو بعدم تدخل منه، وقال إن المنطق هو مصدر الحق (فلسفة الربوبية Deism).

 

2- كانت: توفي سنة 1804م، وكان متدينًا، ولكنه أنكر وجود عالم غيبي؛ مما خفض من قيمة الإله عنده وطوّر نظرية المعرفة الخاصة بديكارت، وقال إن هناك أشياء فطرية لا يمكن التوصل إليها بالعقل البشري (المثالية German Idealism).

 

3- هيجل: توفي سنة 1831م، كان متأثرًا بسبينوزا، وقال إن الإله عبارة عن روح، ولكنه مرتبط بالمادة وبغير وجود المادة لا يوجد إله، ولكن الإله لا يتحد مع المادة ومع ذلك لم ينكر وجود إله (وحدة الوجود Pantheism).

 

القرن الـ 19 والـ 20
أصبح إنكار وجود إله أكثر حدة وتطرفًا لعدة أسباب، منها أن فكرة وجود الإله مرتبطة بالوعي الإنساني بعدما كانت مرتبطة بعالم غيبي، ومهد لذلك ديكارت وهيجل وكانت، وربط هيجل وسبينوزا فكرة الإله بالطبيعة، ومن أشهر الفلاسفة في هذا العصر:

 

1- فيورباخ: فيلسوف ألماني كان متأثرًا بهيجل، وقال إن الإله من اختراع البشر، ودعا إلى تأليه الإنسان (Anthropolgical Atheism).

 

2- كارل ماركس فيلسوف وعالم اقتصاد وكاتب توفي سنة 1883م:

تبنى أفكار فيورباخ وقال إن الدين والإله من اختراع الإنسان، وقال إن رفض فكرة الإله والدين أمر ضروري لإعطاء حياة الإنسان قيمة، وقال أيضًا بأن العوامل الاقتصادية والاجتماعية تلعب دورًا هامًا في وجود الدين لأن الإنسان اخترع فكرة الإله والدين في الأحوال الاقتصادية السيئة وفي المجتمعات الفقيرة؛ حتى يُمنّي نفسه بعالم مثالي، وقال إن الدين عبارة عن ظاهرة ثانوية للأحوال الاقتصادية السيئة، وأن سبب فكرة الدين هي الأحوال الاجتماعية غير العادلة التي سببتها الرأسمالية، وقال في كتابه مساهمة في نقد فلسفة هيجل في القانون: أساس نقد الدين كما يلي الإنسان اخترع الدين وليس العكس فالدين عبارة عن إحساس خيالي في عقل الشخص الذي فقد نفسه.

3- سارتر فيلسوف فرنسي توفي سنة 1980م:

يعتبر مذهبه أكثر المذاهب تطرفا حيث قال بأن وعي الإنسان وعي نقي ومبدع وأن هذا النقاء والإبداع مرتبط بحريته وقال بأن الإنسان يبني نفسه عبر التاريخ وأن الوجود يسبق الذات ومعنى أن يكون الإنسان مخلوقا فلابد أن يكون مقيدا بقوانين وهو ما يتنافى مع طبيعة الحرية للإنسان الوجودية Existentialism .

4- نيتشه فيلسوف وشاعر توفي سنة 1900م:
الذي قال: ومات الإله وبعد موت الإله الإنسان مجبر على خلق “السوبرمان” ووضع القواعد الأخلاقية لنفسه.

 

5- سيجموند فرويد عالم نفس نمساوي توفي 1939م:
قال إن الإله نشأ في اللا وعي الفردي، والدين نشأ في اللا وعي الجمعي في المجتمع، كتضخم لصورة الأب، وأنه لا وجود للإله. وقال إن العلم قادر على حل جميع المشاكل.

ويوجد أيضًا بعد الفلسفات الإلحادية الأخرى مثل الطبقية Structuralism، والنسبية Relativism والتي أسس لها ستراوس، والوضعية Positivism، والعدمية Nihilism.
وكما يوجد إلحاد نظري يوجد أيضًا إلحاد تطبيقي أو عملي، وهو اتجاه الشخص في أن يعيش وهو يؤمن بعدم وجود إله، والإلحاد التطبيقي في صورته النقية لا وجود له، ولكن له أشكال منها أن لا ينكر الإنسان وجود إله، ولكنه لا يتبع أي تعليمات دينية، وليس له إحساس بالذنب تجاه الخطأ، وتختفي الأنشطة الدينية من حياته، وأن يمحو مشكلة وجود إله من عدمه من حياته وتفكيره، وأن يتجاهل الإنسان فكرة وجود الإله من الأساس، ويعتبره غير موجود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Geoffrey Blainey; A Short History of Christianity; Viking; 2011
Karl, Marx . "A Contribution to the Critique of Hegel’s Philosophy of Right"
Atheism - Polskie Towarzystwo Tomasza z Akwinu
Also sprach Zarathustra: Ein Buch für Alle und Keinen Friedrich Nietzsche
عرض التعليقات
تحميل المزيد