نظريًّا، ومع كثرة الذين يدعون أنهم على الحق من أصحاب الديانات، فإن المنطق المحض يقتضي أن ينظر الباحث في كل الأوجه التي تدعي امتلاك الحقيقة، وأن يمتلك القدرة النقدية التي تخول له مقارنة تلك الأوجه؛ لكي يستطيع أن يكوّن وجهة نظر ورؤية مبنية على دليل عقلي قوي ومريح، معنى ذلك أن يقوم الإنسان عمليًّا بالنظر في كل الديانات المتاحة – على كثرتها- ليعقد المقارنات والدراسات التي يستطيع بعدها أن يقرر أي الأديان هو الأقرب للحقيقة والأبعد عن الضلال.
عندما تنظرين بعين التدبر في حال غالبية المؤمنين في أنحاء العالم، باختلاف أيديولوجياتهم ومعتقداتهم، هل تستطيعين أن تقرري بأن مسألة الدين هي مسألة اختيارية محضة تتحقق بميزان الإرادة الفردية المبنية على قواعد البحث والبرهان؟ أم أن المسألة تدور على وجه آخر؟!

الواقع والطبيعة الجغرافية للأديان تفرض علينا الشك في تلك الفكرة، يمكننا ببساطة أن نحكم بأن البيئة وجغرافية المكان هما المؤثران الأساسيان في تحديد ما يدين به الإنسان، يمكنكِ أن تعلمي دين أي شخص بمجرد معرفة المنطقة الجغرافية التي يعيش فيها! وربما عقد بعض من يسمع ذلك حاجبيه غضبًا وإنكارًا، لكن هكذا يشهد الواقع! أتحدث هنا عن الشعوب الإسلامية قبل غيرهم.

لا يخفى على أحد أن هذه العملية لتبدو شاقة على أي إنسان مهما بلغ من القدرات العقلية والعلمية، ذلك أن النظر في أي دين نظرة نقدية تتطلب مدة زمنية طويلة يستطيع خلالها النظر في كل المسائل المتعلقة بهذه العقيدة أو تلك. وحقيقة كثرة هذه الديانات ومدى صعوبة النظر فيها جميعًا،وحقيقة أنه ليس كل من بحثوا عن الحق قد وصلوا إلي نفس الطريق رغم اشتراكهم في نية البحث بل تفرقت بهم الطرق، بالنظر إلى كل تلك الحقائق ينطلق سؤال طارحًا نفسه للجميع، هل نحكم على الأعمال بالنوايا التي انطوت عليها؟ أم بالنتائج التي ترتبت عليها؟ هذا السؤال الذي أثار أفكار العلماء والمفكرين حول هذه القضية الفاصلة في نظرتنا إلى إنسانية الإنسان.

إذا كان الحكم على الإنسان مبنيًّاعلى نتائج أعماله، فإننا سنعتبر عامل البناء الذي تسبب عن غير قصد في كارثة سقوط عقار راح ضحيتها المئات مُجرم، وستكون عقوبته أكبر من شخص قتل متعمداً امرأة عجوز ليسرق مالها.

 

تظهر مشكلة وضع النتائج في الكفة المرجحة للميزان أن النتائج ليست بأيدينا، فهناك أعداد لا تحصى من المؤثرات التي ربما تكون عائقـًا بين الإنسان والوصول إلى نتيجة مفيدة وصالحة لما يريده، بل ربما تدفعه تلك المؤثرات إلى نتائج سيئة غير مرغوبة سهوًا أو جهلاً، فكيف يؤاخَذ حينئذ؟!

هكذا نجد أن نتائج الأعمال غير مفيدة من هذه النظرة الدنيوية، فكم من عالم ونبي ومفكر قد قُتل أو أُهين وعاش ذليلاً، ماذا حصد جيفارا من مقتله في سبيل حرية الآخرين، وفيما كان يفكر غاندي عندما ذكر بأنه مستعد لفقدان حياته في سبيل قضيته وقد قُتل بالفعل! ماذا كسب الحسين بقطع رأسه وسبي حرائره؟ هل يمكن أن يكون كل هؤلاء فشلة كما تدعي هذه النظرة الدنيوية في الحكم على الإنسان؟!

ربما لو ادعى البعض ذلك، فإنه سيبقى بداخلنا شيء يرفض أبدًا وصف هؤلاء الأبطال العظماء بالفاشلين، نحن لا نشك في شرفهم ونجاحهم وتفوقهم على غيرهم، لكن ربما في عالم آخر لا يتبنى تلك المعايير وإنما يميل إلى معايير أخري.

 

إننا عندما ننظر عن الإجابات التي جاءت في النصوص الإسلامية حول هذا الموضوع نجد أن الإجابة واضحة لا تدع مجالاً للشك، هذه الإجابة تأتي أخيرًا لتعلن لنا عن وجود ذلك العالم الآخر، عالم يسوده العدل المطلق، عالم يتبنى معايير أخرى في الحكم على الإنسان:

النية:
قال تعالى: “لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
ويقول النبي في أكثر الأحاديث تواترًا عنه: “إنما الأعمال بالنيات”.
ويقول أيضًا: “إنا لله لاينظر إلى أجسادكم، ولاإلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم”.
وفي هذا الفلك يدور الإمام الشافعي فيقول: رام إصلاحًا فضر من غير قصد .. ومن البر ما يكون عقوقـًا

لذلك فإن الحاكم في المسألة هو نية الإنسان وليس نتيجة عمله؛ فالنوايا، وهي من أعمال القلب، لا يستطيع أن يتدخل بها أحد ولا يمكن أن يُكره عليها أحد؛ لذلك كانت هي مناط الحساب والمعيار الأول والأهم في بابه، فقد يظهر لنا الإنسان على أقصى درجات الضلال شذوذًا، وفي حقيقته ما طلب الضلال ولكن كان مداره ومبتغاه الحق فضلَّعن غير قصد، كما أن هناك من يفعل خيرًا في نظر الناس وفي قلبه ألدُّ الخصام، وعليه يكون الشر هو الإرادة الشريرة وليس الفعل الشرير.

 

بينما الأعمال فليست إرادة الإنسان هي العامل الوحيد إزاء القيام بها ولكن هناك العديد من العوامل التي لا تحصى. فهناك الظروف الخارجية، ومدى قدرة الإنسان نفسه، والسمات البشرية العامة مثل الضعف والكسل وقلة العزيمة ونقصان الهمة…إلخ. كل هذه العوامل التي تؤثر في نتائج الأعمال تجعل من إعفاء الإنسان عبئها أمرًا منطقيًّا بل ضروريًّا لكمال العدل الإلهي والذي تجلى في قوله تعالي: “لَايُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”.

 

هكذا يمكننا وبارتياح للقلوب والأنفس الخيّرة أن نقول إن القاعدة: ليس الإنسان بما يفعل، بل بما يريد.

 

والإنسان خيّر ما أراد أن يكون خيّرًا، وفي حدود فهمه للخير، حتى ولو اعتُبر هذا الخير شرًا في نظر شخص آخر، والإنسان شرير ما أراد أن يفعل الشر، حتى ولو بدا فيه خير للآخرين أو من وجهة نظر الآخرين. فمدار القضية في عالم الإنسان الباطني الخاص، في إطار هذه العلاقة يقف الإنسان وحده تمامًا، وهو حر شأنه شأن الآخرين. وهذا هو معنى عبارة سارتر التي تقول إن كل إنسان مسئول مسئولية مطلقة، يقول الفيلسوف الكبير علي عزت بيجوفيتش “ليس في الجحيم ضحايا أبرياء ولا مذنبون أبرياء”.

البذل:
في كثير من الأحيان لا يحول بين الإنسان والحق إلا القدرة. فالوصول إلى نتيجة معينة لا يتوقف فقط على نية الإنسان وإرادته، لذلك يرسي القرآن قاعدة ليطمئن بها كل إنسان همه الحقيقة لكن عجزه يقاومه فيقول تعالى: “لَايُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”.

هكذا – وطبقًا لتلك المفاهيم- لا يمكن بحال أن يتساوى إنسان عاش عمره ولم يفكر يومًا في احتمالية أن يكون على خطأ، واستسلم عمليًّا ليقينه الكاذب – ولو كان شيخًا كث اللحية مقصر الثياب -، مع إنسان آخر خاض غمار البحث عن الحقيقة ورفض أن يُسلم عقله لسلطة الشائع والسائد، يقول الشيخ الغزالي رحمه الله:” والله إني أﺣﺐ أن أﺫﻫﺐ ﻟﺮﺑﻲ ﻭأنا ﻗﺪ أخطأتﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺑﺤﺜﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻖ،على أﻥ أﺫﻫﺐ ﻟﻪ وأنا على ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﺍﻻﻧﻘﻴﺎﺩ ﻭﺍﻻﺗﺒﺎﻉ ﻭإﻟﻐﺎﺀ ﺍﻟﻌﻘﻞ”.

 

فرُب إنسان يختار طريق الشك والبحث عن الحقيقة، يتخطى صعوباته ويهجر مجالس القوم ومنعتهم ويقضُّمضجعه الاضطراب والبحث، ثم يصيبه الموت قبل أن يصل إلى الحقيقة، أو لسبب ما خارج عن إرادته يتبنى موقفـًا معينًا ولو على غير الحق، إلا أنه اتخذ هذا الموقف بعد البحث والنقد وتكون لديه البرهان الذي يطمئن إليه. هذا الإنسان ولو كان ظاهره على غير الحق في نظر الناس فإنه عند الله ناج، بل هو أكثر من يستحق النجاة لو كُتب للناس النجاة رحمة من عند الله. يقول الشيخ رشيد في المنار “عظم الله تعالى شأن الدليل والبرهان في دينه وناط به تصديق دعوى المدعي وردها ، بصرف النظر عن موضوعها، حتى كأن من جاء بالبرهان على الشرك يصدق به!”. وعلى هذه الطريقة نفسهايقرر الفيلسوف الشهيد مرتضىالمطهرى فيقول “فلو أن إنسانا يتمتع بصفة التسليم للحقيقة ولكنه لم يهتد إلى حقيقة الإسلام فهو لا يكون حينئذ مقصرًا والله سبحانه لا يعذبه، وإنما هو من الناجين حيث يقول الله تعالى: (وما كنا معذبين حتي نبعث رسولاً)”.

ذلك ببساطة أن الله عز وجل خلق الإنسان وجعل سلطانه وعمدته العقل وهو سر كرامته التي منحه الله إياها، فلا يُسأل إنسان أن رضخ لسلطان عقله المحدود بإرادة الخالق ولو دارت دائرته حيث لا يرضى الناس!

هكذا يعلم من طلب علم هذا الباب أن النجاة لم تكن لترتبط باسم دين أو فكرة حصرًا دون غيرها، لكن الفصل في ذلك لا يُمترى في تفرد الخالق بالتصرف فيه. لكنه عز وجل قد أرسل إلينا الرسل بالكتاب والحكمة جلية لكل ناظر، واضحة لكل باحث بالدرجة التي تجعل الإمام الأكبر الشيخ محمد عبده يقول بكل طمأنينة:”اتفق العلماء إلا من لا يعتد برأيهم على أن من طلب الحق ومات قبل أن يصل إليه فهو ناج يوم القيامة”.

بينما يقرأ احدهم هذا المقال سيقفز إلي ذاكرته شيخ بلحية كثيفة يصرخ بقوله تعالي: “لَقَدْ كَفَرَالَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ”، فيعتقد أنه قد أضاع وقتًا ثمينًا في قراءة هذا المقال، لهذا المخالف نهدي المقال المقبل حول مفهوم الكفر في القرآن الكريم.

 

هذا المقال إستكمال لما بدأناه في المقال الأول

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد