كم من مفكر قُتل ظلماً وكانت تهمته الكفر؟ وكم من حرب شنها أقوام يرفعون شعارات نصرة الدين في مواجهة أعدائهم من الكفار؟ وكم من باحث عن الحق صدَّه عن الله تلك الصور المشوهة والممسوخة عن هذا الإله الذي سوف يرسل أربعة أخماس خلقه إلى النار خالدين فيها؟!

 

هذا الغموض حول مفهوم الكفر كان كالبركان الذي أخرج كل الكوارث التي عانت منها المجتمعات والأفراد، لعل المفهوم الشائع عن الكفر هو أشد تلك الاعتراضات المغلفة بالجهل وعلامات الاستفهام انتشاراً من حيث قوة التأثير والتجذر في عمق الأفكار المغلوطة عن القرآن والإسلام بشكل عام، لذلك كانت مناقشة هذا المفهوم وتحديده من أهم الموضوعات التي يجب أن تشغل كل باحث ومهتم بالشأن الإسلامي بشكل عام.

نقف أمام آيات واضحات لإلصاق الكفر بجماعات بعينها، يقول تعالى:
– ” لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ”
– “لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ”
– “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ”

 

وقد سبق في مقالين سالفين إثبات أن الله تعالى يحاسب الإنسان على نيته/جوهره/بذله وليس ظاهره/نتيجة عمله، فالسؤال الخطير هنا: ماذا لو وُجد شخص ينطبق عليه أي من الآيات السابقة (مسيحي – يهودي – غير مسلم بصفة عامة) لكنه يجهل الإسلام، وإن شئنا الدقة يمكننا القول: أنه قد يجهل دعواه هو نفسه – وهو واقع موجود بالفعل ليس افتراضاً مجازياً – هل عندئذ ينطبق عليه الآيات السابقة ويخلد في جهنم؟ أم يُعذر لجهله وينجو؟

 

هنا يتحتم علينا استدعاء كل الآيات التي تتعلق بهذا للخوض في مفهوم الكفر عامةً؛ ما هو الكفر؟ هل يمكن إلصاق هذا الوصف بشخص بعينه؟ هل كل غير مسلم كافر؟

 

بعد الاستدعاء نقف أمام آيات محكمات راسخات تومئ إلى العدل الإلهي في حساب البشر، في الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، يقول تعالى:
– “وما كنا مُعذِّبين حتى نبعثَ رسولا”.
-“ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ”

 

نعود لجوهر القضية وهو: ما معنى الكفر؟
الكفر لغة: معناه الستر والتغطية. ففي لغة العرب كانوا يسمون الليل كافراً، لأنه يستر الأشياء ويخفيها، وسُمي الفلاح كافرًا، لأنه يغطي الحب في التراب. ولعل الرابط بين معنى الكفر لغة وشرعاً أن الكافر يرى أدلة التوحيد، وكل ما يبرهن على وجود الله من أدلة وبراهين، ثم يستكبر ويجحد كل تلك البراهين، ويرفض الإيمان استكبارًا وجحودًا لكل ما رآه من أدلة وحجج.

 

قال تعالى:
– “فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ”.
– “وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا”.
– “وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى”.
– “فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ”.
– “فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ”.

 

وطبقًا لما تؤكده تلك الآيات فإن مفهوم الكفر قرآنيًا ليس هو المفهوم الشائع والذي يكاد يدخل تحت طائلته كل غير المسلمين حول العالم، وهذا المفهوم قد حاربه الكثيرون من مفكري الإسلام. يقول الدكتور عدنان إبراهيم: “ليس كل غير مسلم كافرًا. لسنا نجد في كتاب الله لدى التحقيق الدقيق، أن الكافر عنوان ووصف لمن ليس بمسلم، وإن ظن بعض من لم يحصّل علم هذا الباب”، وفي نفس السياق يؤكد الإمام الشيخ محمود شلتوت هذا الفهم فيقول: “إذا لم تبلغه تلك العقائد، أو بلغته بصورة منفرة أو صورة صحيحة ولم يكن من أهل النظر، أو كان من أهل النظر ولكن لم يوفق إليها، وظل ينظر ويفكر طلبًا للحق، حتى أدركه الموت أثناء نظره، فإنه لا يكون كافرًا يستحق الخلود في النار عند الله “.

وهناك من العلماء من ذهب إلى القول بأن تحكم هذه الآيات قاعدة (حمل المطلق على المقيد)، بمعنى أن يُحمل إطلاق مفهوم الكفر في هذه الآيات على تفصيله وتحديده في آيات أخرى من الكتاب ومنها قوله تعالى “إنهم لا يكذبونك ولكن الذين كفروا بآيات الله يجحدون”، وقوله تعالى “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا” فيكون المقصود بالكفار في الآيات من بلغته الحجة وفهمها ثم تنكر لها وجحدها بعد علم وتبيان. وعليه يستقيم المنهج القرآني برؤية موضوعية للتكامل بين الآيات الواردة في هذا الباب.

 

بهذا المعنى يمكننا تفسير الآيات الأوائل بأن: كل ما يعتقد أن الله ثالث ثلاثة أو المسيح ابن الله أو عزير ابن الله أو أي دين غير الإسلام وهو يعلم أن الإسلام هو الحق فهو كافر مستحق للعذاب، أما هؤلاء الغافلون عن الإسلام – مهما اعتقدوا من ضلال في نظرنا – فليسوا كفارًا بل معذورون، ويحاسبون محاسبة أهل الفِترة، وستشملهم رحمة الله، يقول الإمام أبو حامد الغزالي: “إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك”.

 

وعلى هذا الرأي يؤكد المفكر الأستاذ رائد السمهوري فيقول: “إنه لا ينبغي أن تنتزع الجملة القرآنية وتعزل عن سياقها، كما لا يجوز أن تُنزع هذه الآيات عن المنهج القرآني كله وترابطها معه، فالآيات فيها تهديد لمن لم ينته عن هذا القول، وكيف يهدد الله تعالى ويتوعد بالعذاب الشديد والخلود في الجحيم من لم يعلم بالحق؟ وكيف يدعو إلى التوبة والرجوع إلى الحق من لم يعلم الحق أصلا؟ أليس هذا تكليفًا بما لايطاق؟ والتكليف بما لا يطاق قبيح؟”.

 

فبهذا نعلم إذن أن الآيات لا ينبغي أن تفهم بعيدًا عن المنهج القرآني الذي من محكماته قوله تعالى: “وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا”، وإذن فالذين يصفهم الله بالكفر هنا هم قوم بلغتهم الحجة، وعلموا الحق فجحدوه ولم يتبعوه، ولم يتوبوا وينتهوا عن هذا القول العظيم، ويتبنى هذا المفهوم أيضًا الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في كتابه الرائع (الحد الفاصل بين الإيمان والكفر).

 

ومن زاوية أخرى يمكن الخروج من هذا الخلاف بأن الآيات الأوائل تتحدث عن هؤلاء الذين يقولون إن الله ثالث ثلاثة أي من حرّفوا الكتاب بأيديهم بعدما تبينوه، ثم أخفوا ذلك عمن تبعهم، ويكون وصف هؤلاء بالكفر عن استحقاق لأنهم حرفوا الكلم عن مواضعه وكذبوا على الله وهم يعلمون، وهو أيضاً معنى يتسق مع معنى الكفر الذي يستلزم العلم والجحود به.

 

وقد يتعجب أحدهم فيقول: هل هؤلاء فقط وهم قليلون من يكفرهم الله؟ وماذا عمن تبعهم من الأمم؟ وهنا نقول بأن من تبعهم من الأمم الذين جهلوا بأمر التحريف إنما تسري عليهم معايير الكفر والإيمان فكل من يعلم منهم بالحق ويجحده فهو كافر، وأما من هم دون ذلك فمعذورون.

 

هكذا وطبقا لهذا التفسير الذي يبدو أكثر اتساقًا مع النظرة الإجمالية للآيات الورادة في مسألة الكفر والإيمان يمكننا أن نرسخ القواعد الأصولية لفلسفة العدل الإلهي والتي تناولناها في المقالين السابقين كتصحيح لمسار لطالما تسبب في كثير من التشوهات الفكرية التي اعترت الرأي العام الإسلامي والتي كانت بدورها وقودًا لتشويه صورة الإسلام في الشرق والغرب. ولعل الأسف الأكبر أن تلك الثقافة جاءت على ألسنة المسلمين أنفسهم!

 

وبناء على هذا المعنى للكفر، فليس من الصواب، ولا المنطق، ولا في مصلحة الدعوة إطلاق لفظ الكفر على الأمم الأخرى وعلى أصحاب الديانات، علمًا بأن الحكم بالكفر هو حكم شرعي يترتب عليه الكثير من الأحكام المختلف حولها والتي لا تخلو من نظريات التضييق والتنفير من دين الله، هذا من ناحية الشرع. وأما من ناحية الدعوة فعندما تنعت إنسانًا – فضلا عن جماعة – بالكفر والخلود في النار، بينما هو لا يرى في نفسه أنه يستحق ذلك بل يعتقد أنه يتقرب إلى الله بكل الأعمال الصالحة، مما يجعله يرى الإسلام غير عادل ومن ثم فهو سبب كافٍ لنفوره عنه، وهذا بدوره سيغلق كل قنوات الحوار التي أمرنا الله بسلوكها في قوله: “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن”.

 

أيضًا يثير هذا التعريف سؤالًا آخر حول إمكانية تعيين إنسان ووصفه بالكفر، ولعل الإجابة الظاهرة من هذا التعريف تجعل من الخطأ نعت أي إنسان – مهما ظهر منه من فعل أو قول – بالكفر إلا أن يقر هو على نفسه بإنكار الحق بعد معرفته. بل إنه سيكون من الخطأ أيضا وصف هذا الإنسان بالكفر لأنه ربما يكون مكرهًا على قول أو فعل الكفر.

 

إن مسألة الإيمان والكفر من مسائل القلب، والقلوب لا يعلم دواخلها إلا خالقها. ومن هنا يكون الحكم على أحد بالكفر حقًا خالصًا لله عز وجل. ويجب له أن يبقى كذلك!

 

كان مدار حديثنا عن عالم الأفكار المحض وموقف الإنسان من الإله والدين عموماً. أما عمن أفنوا أعمارهم لا يبالون لتيار جارف يحمل فكرًا مشوهًا، هؤلاء الذين انسلخوا عن كل ضلال مهما اقترب منهم، فشكوا، فأعملوا العقول بما ترتضيه، غير متأثرين بعاطفة ولا عدد، فآمنوا – أياً كان إيمانهم أو كانوا ملحدين – فعملوا وأخلصوا، بل أفنوا حياتهم لخدمة الإنسانية – كل الإنسانية – ولم تمنعهم اختلافات الأديان أو الألوان أو الجنسيات.. بل عاش كل منهم ومات.. إنسان عاقل.. إنسان شكاك.

 

هؤلاء -عرفناهم أو لم نعرفهم – نهديهم هذه السلسلة. هؤلاء نتمنى من الخالق العادل بارئ القلوب أن يجمعنا بهم يوم القيامة في جنة كُتبت للذين يتفكرون.

 

نعم.. هناك ملحدون في الجنة

نعم.. هناك ملحدون في الجنة -2-

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد