“يجب أن تتبع الدليل أينما يقودك”، لطالما وهب حياته لهذه القاعدة السقراطية، هو لا يتبع سوى عقله، منهجه واضح وثابت، هو السير أنتوني فلو، اسم ذائع الصيت في الأوساط الفكرية والإلحادية حول العالم، قاده الدليل طيلة حياته إلى الإلحاد، ثم في سن الثمانين إذا به يدله إلى وجود إله. هذه النتيجة التي جعلت أوساط المؤمنين حول العالم يشعرون بالرضا عن المنهجية التي اتبعها، لكن، ماذا لو لم يسعفه الوقت ووافته المنية قبل أن يصل إلى تلك الحقيقة التي أسعدت المؤمنين حول العالم؟ ماذا لو كان خبر وفاته في الصحف “وفاة الملحد الكبير السير أنتوني فلو”؟ كيف سيُحاسب وما موقفه بين الجنة والنار؟

 

ويمتد السؤال ليشمل هؤلاء المنعزلين في بقاع الأرض ولم يسعهم الوصول للدين الحق؟ وغيرهم النبلاء والعلماء والشهداء الذين أخلصوا وضحوا ولم يتمكنوا من الوصول للدين الحق، إما لتقصير أصحاب الديانات أو السمعة السيئة المهيمنة أو كثرة عدد الديانات، أو… إلخ.

 

المهم أنهم أخلصوا ولم يصلوا، أو وصلو لغير ما نعتقد أنه الحق، ما مصيرهم؟

بمحاولة تدبر القرآن لتحديد ماهية نظرته لهذا الموضوع الخطير تجده يولي قضيتنا اهتمامًا خاصًّا يوحي بحيوية مثل تلك الموضوعات، ولعل من أهم تلك الموضوعات ما سنتناوله تفصيلاً:

 

التقليد:
التقليد هو آفة البشرية الأخطر من لدن آدم إلى يوم القيامة، فالتقليد هو العدو الأول لكل الأديان، من حيث كونه ضدًا نوعيًّا للاستبصار والبرهان، كقواعد حقيقية يبني عليها الإنسان اعتقاده، فهو آفة كل فكرة/إبداع/إصلاح، هو وقود الكفر؛ فيجعل من يولد لأسرة مسيحية مسيحيًّا، ومن ينشأ في بيئة يهودية يهوديًّا، وهكذا الحال يستمر فتضيع الحقيقة وسط أمواج الجهل والتعصب، ويتوه العقل في غيابات الإهمال والتعطيل، طالما أن الإنسان لا يستخدمه في أمور كالعقيدة والدين. لذلك تجد القرآن يعيب التقليد ويستقبحه في كل حال، وقد حارب التقليد أكثر مما حارب الكفر نفسه، فيقول تعالى: ” كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ”، “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا”.

 

الشك:
قد يكون الشك مذهبًا؛ أي الذي يتحول في عقل صاحبه إلى غاية في ذاته، فيشك، ويثبت عنده، وبذلك يظل التيه سيدًا للموقف، ولا حقيقة يمكن أن يرسو عندها أبدًا. أما إن أصبح منهجًا، يتخذه طريقًا للوصول إلى الحقيقة، وهنا يكون الشك مؤقتًا، لأنه ينتهي بمجرد الوصول إلى اليقين، وهو وسيلة وليس هدفًا في ذاته، عندئذ يصبح شكًّا بَنَّاءً نافعًا لصاحبه، هنا يصبح الشك أحد محطات طريق الإيمان، لا يمكن الوصول ليقين دون المرور عليه، لذا قال الجاحظ: “من لم يشك يومًا لم يؤمن يومًا”، كما يقول الغزالي: “من لم يشك لم يفكر، ومن لم يفكر لم يؤمن”.

 

إن الإيمان في محضه هو أفكار، والأفكار لا تورث. فالأفكار حينما تُورث تتخلى عن صفتها العقلية وتتحول إلى مجرد معلومات، معلومات لم تختبرها. الإيمان هو أبعد ما يكون عن ذلك، الإيمان هو الاقتناع والوثوق في الغاية والوسيلة لحدوث أمر ما.

 

اعتدنا منذ نعومة أظفارنا أن نطلق على كل أفكارنا الدينية: يقين، ذلك عندما كنا نسمع الأصوات المتعالية من الشيوخ في الخطب وغيرها، وأن الإيمان الحقيقي هو كالجسد وأن غطاءه هو ذلك اليقين الذي لا يقل إلا عند ضعاف النفوس والقلوب، وكانوا يزيدون في التضليل – حسن النية – فيزرعون فينا أن كل ما يزحزح هذا اليقين هي تلك الوساوس الشيطانية، حتى ارتبط في أذهاننا أن التفكير والشك هما ذراعي الشيطان فكرهناهما دونما تعقل أو تمهل، ووترددت هذه الحالة في كل دين/أيديولوجية.

 

القرآن لم يحبذ الحديث عن الشك بلغة التنظير مثل التشريعات العامة، لكنه فضل طريق التطبيق المباشر، ولعل في ذلك عبرة لم يدركها في أمتنا للأسف إلا قليل، فيخبرنا القرآن صراحة أن الشك قد وقع في قلب إبراهيم، إذ قال تعالى:”وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ”، وهو خليل الرحمن، فهل قدرنا هذا الأمر حق قدره؟!

 

وعقب النبي على الآية بقوله: “نحن أحق بالشك من إبراهيم”، وهو دليل على شك إبراهيم، بالإضافة بأحقيتها لنا، بل أكثر من ذلك وهو الحث عليه واستحبابه، فقد رُوي أن جاءه جماعة قالوا: “إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به”، فقال: “وقد وجدتموه؟” قالوا: نعم. قال: “ذاك صريح الإيمان”.

 

الشك هو أول مسمار في نعش التقليد، فالإنسان –كل إنسان- لا يستطيع التأكد من صحة أفكاره إلا بعد الإيمان بأنه قد يطرأ عليها النقص والخطأ، فيحاكمها ويعرضها على قواعد المنطق والعلم، أي يشك فيها. ومن هنا نرسي قواعد الفلسفة الإسلامية في هذا المضمار، ذلك أنه ليس لدينا ريب أن الشك هو شرط ضروري للوصول بالعقل إلى قيمة قدَّرها الخالق لهذا المخلوق المميز بشكه، فالإنسان هو حيوان شكاك.

 

ويبقى كلمة أخيرة عن الشك، ولولاها لم يعد للشك قيمة ويخرج عن معناه. الشك لغةً: هو ما عرفه الجرجاني في كتابه التعريفات بأنه: “هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك، والشك هو ما استوي طرفاه”.

 

لذلك فالشك في فكرة ما يعني ضمنيًّا الإيمان بإمكانية خطأ تلك الفكرة بنسبة مساوية لنسبة صحتها، وهذه هي حقيقة الشك. ويبقى في الأخير الإشارة إلى قاعدة مهمة في طبيعة الشك، وهي القدرة على اختيار عدم اعتناق أية فكرة إلا بدليل مقنع، ولا يلزم الإنسان تنوع الأفكار المطروحة أن يختار من بينها وإلا يفقد الشك معناه وتفرد منهجيته.

 

البرهان:
عندما يتحرى الإنسان أوامر خالقه، فينبذ التقليد، ويبدأ بالشك فهو يستهل رحلة من البحث عن الحقيقة يكللها تاج البرهان، الذي هو عمدة الحقائق الإنسانية.  بالنظر إلي قيمة البرهان في القرآن تجد له مكانة متفردة، فيكفي للدلالة على العناية الخاصة التي يوليها القرآن له أنك لا تكاد تجد حديثـًا عن الإيمان والكفر إلا ويُستدعى البرهان كحكم فاصل جازم في القضية.

 

-“هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ”.
-“أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ”.
-“أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ”
-“وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ”
-“وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ”.

 

فالآيات الكريمات تؤكد على أن البرهان هو الفيصل في استحقاق الإنسان للعقوبة أو نجاته منها، وليست كلمة تُقال فيدخل به الإنسان الجنة وإن ارتكب كل الموبقات، أو ينكرها إنسان فيدخل النار خالدًا فيها وإن كان من الصالحين. وإنما تلك الشروط تتمثل في أن يترك الإنسان التقليد وأن يُعمِل عقله في كل معتقداته شاكًا فيها حتى يتبين له الهدى من الضلال فيها، فيكون التفكر ديدنه، والعمل الصالح سبيله وصلاح النية نورًا يهديه إلي ما شاء الله، ومن ثم يكوّن الإنسان برهانـًا خاصًّا لديه على معتقده فيكون حجة له عند الله في يوم تُحاسب كل نفس عما كسبت، ويؤاخذ فيه كل عقل بما عَقِلَ.

 

لكن ما عقله الإنسان واعتقده بهذه المنهجية
لعل لهذه المسألة أبعادًا فلسفية تتعلق بمبدأ التكليف الإلهي للإنسان، ذلك التكليف الذي اختار فيه الخالق بني آدم ليكونوا خلفاءه في الأرض، أعطاهم هبة لم يكونوا بغيرها قادرين على تحمل تلك الرسالة التي رفضتها السماوات والجبال، هبة يستطيع بها الإنسان سبر أغوار نفسه أولاً ومن ثم مقاربة الحقيقة التي سعي إليها آدم وتبعه من خلفه كل بنيه، حقيقة المصور لهذا الكون.

 

وهكذا تسمو بنا هذه الفلسفة إلى أفق جديد من الفهم لحقائق الوجود، هذه الفلسفة تصنع لنا وعيًا جديدًا يتسق والواقع الذي نعيشه وسط تحديات تجبرنا على تبني أفهام جديدة للنص.

 

الآن عرفنا عدونا: التقليد، وعرفنا طريق النجاة: الشك، ورأينا غايتنا: البرهان، الآن يبقى التطبيق، سلوك الطريق، لكن – مثل كل الأفكار– حين يأتي وقت التطبيق نواجه بواقع حاسم وظروف قهرية وقدرات محدودة تفرض علينا الاعتراف باحتماليات كثيرة للحيود عن الصواب، وانحراف البرهان عما نظنه الحق، فماذا لو احترسنا من العدو، وسلكنا الطريق، واتجهنا للغاية، لكن ضل السعي؟ ماذا لو حسنت النية وضل الطريق؟ ماذا لو سعى الباحث في الطريق الصائب لكن وافته المنية قبل الوصول؟

***

الإجابة في المقال المقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد