“حين يجري الحديث عن أفكار تُثير مجتمعًا بأسره، فذلك يعبر فحسب عن أن عناصر مجتمع جديد قد تكونت في عقر المجتمع القديم، فحينما كان العالم القديم يتهاوى انتصر الدين المسيحي على الأديان القديمة، وحينما غُلبت الأفكار المسيحية على أمرها، في القرن الثامن عشر أمام أفكار التنوير، كان المجتمع الإقطاعي يلفظ أنفاسه الأخيرة في صراعه مع البرجوازية، الثورية آنئذ” كارل ماركس، البيان الشيوعي.

“نعم لا يهمني أن تُقتل ولا يُهمني حتى أن يُقتل ملايين الرضع مقابل أن يعيش باقي المجتمع في سلام وأمن وعلمانية حقيقية” – هكذا أجابني أحد هؤلاء الملحدين الجدد، وهو مؤسس لواحدة من الحركات العلمانية الشهيرة في القاهرة، حين سألته كيف يؤيد قتل طفلة مثل أسماء البلتاجي، بالرغم من ترديده الدائم لسبب خروجه من الإسلام بأنه دين فاشي ودموي وغير عقلاني!

إن كان هناك مكسب بارز من انتفاضة يناير 2011، فهو تبلور طبقة من شباب الطبقة الوسطى، تلك الطبقة التي تشكلت ببطء بعد الانفتاح الاقتصادي في السبعينات، مُشَكلة في الأساس من أبناء زوار الخليج الذين لم يطيلوا الزيارة إلى حد أن يصبح رأس مال كافيًا لتشكيل مشاريع برجوازية كبيرة أو متوسطة.

ومن أبناء هؤلاء الذين شاركوا في درجات المنتصف على سلم مشاريع الانفتاح – ما بعد السبعينات-، ورغم أن الطبقة الوسطى بطبعها هي طبقة رجعية ومحافظة ولا ثورية كما وصفها كارل ماركس، لكن ما تعرضت له من ضغط كان كفيلاً بإثارتها، فقبل أيام قليلة من ثورة يناير كان الشاب المنتمي للطبقة الوسطى لا يستطيع أن يسير في الشارع ويستشعر وجوده بلا خوف.

كان يخشى البروليتاريا الرثة تمامًا، كما يخشى من الجهاز الأمني للتابع للدولة – الدولة التي صارت بدورها كيان تنين يدير الصراع الطبقي بمنتهى اللاعقلانية-.

لقد باتت تجربة الخروج إلى شارع مجتمع الانفتاح الاقتصادي والاستمتاع بالتفكر في الأوهام والأحلام المتعلقة بالأسطورة الذاتية، تجربة محفوفة بالخطر بالنسبة للشاب المنتمي للطبقة الوسطى، وقد تنتهي بموقف في منتهى البشاعة، إما عبر التحرش من جانب قوى الشرطة، وإما عن طريق “اللومن بروليتاريا” التي تعرفهم الأدبيات الإنجليزية بأنهم: (الغوغاء من سكنة الصحائف والعشوائيات التي أصحبت جزءًا من المراكز الصناعية – في حالتنا نحن هم جزء من المناطق العشوائية المُشكلة على ضفاف المشاريع الاستثمارية الكبرى-، وتشمل الشحاذين، والمومسات، والعصابات الإجرامية والمتسكعين والعاطلين المزمنين عن العمل وكل الفئات المهمشة والمتفسخة في المجتمع).

تبلورت تلك الطبقة من شباب الطبقة الوسطى طوال الثلاث سنوات السابقة في محيط الميادين الرئيسة في المدن المصرية الكبرى، وباتت تعرف المقاهي التي ترتادها، وأنواع الموسيقى المختلفة التي تحب أن تسمعها.

والأهم من ذلك صارت تعرف حدود تصوراتها الأنطولوجية، وصارت تعرف جيدًا أنها عناصر لمجتمع جديد تشكل في عقر المجتمع القديم، وأن هذا المجتمع القديم يلفظها بكل قوته ويكرهها ويكره حريتها.

ومن هذه الطبقة الثورية المنتمية للطبقة الوسطى “الرجعية المحافظة” بطبعها، ظهر الملحدون الجدد، ولهؤلاء سمات تميزهم، فهم ينتشرون على شاشات التلفاز يصرخون وكأنهم يدعون لدين جديد، وهم يتحدثون كثيرًا عن حرية الملبس والتعبير وحرية ممارسة الجنس وحرية انتقاد الأديان.

ويصرخون بتلك المطالب في مقر أحزاب “نيوليبرالية” تابعة لرجال أعمال، ولو فكر هؤلاء الملحدون الجدد قليلاً لوجدوا أن أعداءهم الحقيقيين هم عصابة رأس المال التي كان لها الدور الأكبر في إفشال عمليات التحديث والتصنيع في المجتمع المصري.

فهؤلاء بشركات الاستيراد والتصدير التي أغرقوا فيها البلاد – وبالأحرى هي شركات استيراد فقط- وبعدم قيامهم بمهمتهم التصنيعية بغية الربح السريع، كانوا السبب الرئيس في انتشار الثقافات الرجعية المصاحبة لأنماط الإنتاج الغير معتمدة على التصنيع الحديث، بدلاً من ثقافة الحداثة.

ويتصف هؤلاء الملحدون الجدد بأنهم شديدو الكراهية للأديان التي تتسم جميعها – من وجهة نظرهم- بالفاشية وبانتمائها لثقافات قبلية أبوية، لكنهم لا يجدون غضاضة في المطالبة بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، الذي يعتبر دولته حقًّا إلهيًّا، ويريد من العالم كله أن ينصاع لخرافاته الدينية، ويفرض بقوة السلاح أساطيره الدينية على ملايين البشر.

وهؤلاء الملحدون الجدد يخوضون حربًا شرسة في خيالهم مع الماضي والتاريخ، وفي ذهنهم أسطورة سخيفة تقول أنهم سيجتهدون في التواصل مع الناس ومع الوقت سيقتنع الجمهور المستهدف بأن الأديان عبث وأن الإله وهم، وحينها سنحيا حياة رائعة خالية من المصائب التي تسببها الأديان.

وهم يرون بمنتهى الطفولية أن حركة التاريخ ستقف معهم في النهاية، وكأنهم “الفرقة الناجية”، فلديهم تصور أنه مع تمزيق آخر مصحف في العالم سيعيش العالم كله في سلام ووحدة وسعادة وحب، فتصوراتهم الطفولية تُهيأ لهم أن الأديان هي البنية التحتية لكل المشاكل التي نحياها، ولا يفهمون أن الأديان هي جزء من البنية الفوقية لاجتماعنا البشري.

حيث تمثل علاقات الإنتاج بنيته التحتية الحقيقية، وينجم عنها كل الأعراض الأخرى كنتيجة، وما نريد أن يفهمه هؤلاء الصارخون بالإلحاد في شاشات التلفاز، إن الأعراض لا تتغير بأعراض أخرى، إذا كان هدفك مجتمع علماني تقف الدولة فيه على مسافة متساوية بين كل العقائد والأديان.

وأن تحرر إرادة الناس ليختاروا دينهم دون أن يلقنوه غصبًا في المنزل وفي المدرسة، فمفتاح ذلك ليس في برامج التلفاز التي تظهر عليها لتسب الله الذي لا تؤمن به.

وليس عبر التأييد الإجرامي لممارسات الدولة القمعية التي تقتل الأبرياء وتعذبهم ضمن برنامجها الخاص لإدارة الصراع الطبقي، لمنع المنتجين في الأساس أو حتى برجوازية الكومبرادور من الإسلاميين – الذين لا يقلون قذارة عن الدولة-، من منافستها في سلطتها، المفتاح الوحيد يكمن في مقاومة الفلسفات الاقتصادية الرجعية.

لا في البنى الفوقية ولا في التحالف مع السلطة والأحزاب “النيوليبرالية” التي تقف بأجندة مصالحها في نهاية المطاف على طرف النقيض من حرية الاعتقاد فهي تدعم في النهاية سياسات الإفقار والاستهلاك والرجعية المضادة لقيم الحداثة.

وإن كان لي أن أهدي هؤلاء الملحدين الجدد شيئًا، فسأهديهم عبارة كارل ماركس “وهل من حاجة إلى نظر ثاقب لإدراك أنه مع تغير أوضاع الناس المعيشية، وعلاقاتهم المجتمعية، تتغير أيضًا تصوراتهم ومعتقداتهم ومفاهيمهم، وبكلمة “وعيهم”؟، وهل يبرهن تاريخ الأفكار على شيء سوى أن الناتج الفكري يتحول بتحول الإنتاج المادي؟ فالأفكار التي سادت عصرًا من العصور، لم تكن قط إلا أفكار الطبقة السائدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اقتصاد, الحاد
عرض التعليقات
تحميل المزيد