حينما يتحول الحلم إلى كابوس واليقين إلى ثراب والأمل إلى يأس، هذه كلها حالات اختبرها “فتاح” بطل فيلم “أطلنطي” إنتاج 2014 من إخراج الهولندي “جان ويليم فان إيوبجك”، الذي وجد في هذا الفيلم ضالته بالسينما التي يخطو بها خطواته الأولى.

وكما يقول المثل العربي “ومن الحب ما قتل”، تأتي حكاية فتاح هذا الشاب الصياد المغربي البسيط الذي يتعلق قلبه بفتاة هولندية من الذين يأتون للسياحة في بلاده الساحرة ليسحر هو بها ويعشقها حتى زفيره الأخير، حتى يقوده حبه إلى هلاك محتوم، لا مفر منه إلا بمعجزة لتحيل دون عجزه على الحياة.

فيلم أطلنطي يقدم وجهًا جديدًا للحب وبلاد المغرب العربي التي تطل على سوائط الأطلنطي الذي يمتد بطول القارة السمراء ليقدم مشاهد جمالية لا تقوى العين على تفويتها، وهو ما اعتمد عليه مخرج الفيلم كوسيلة أولى لجذب المشاهدين لعمله البسيط المليء بالأسرار والكنوز كما هو المحيط.

علاقات متشابكة  

    أط1

يستهل المشاهد الفيلم بمشهد احتوائي للمحيط يبتلع معه المشاهد إلى غير رجعة، فلا يستطيع بعد هذا المشهد العدول عن المشاهدة، رغم بطء الإيقاع المبرر، ويقدم الفيلم بمشاهده العلاقة المتشابكة بين فتاح والمحيط التي تخلق من خلال مشاعر متنوعة من فتاح تجاه المحيط، الذي تربى به وأحبه ولم يعد يخشاه، حتى ينزلق في مأزق كبير يمكن أن يودي بحياته، وذلك بسبب المحيط أيضًا.

وكما هو حال تباين مشاعر فتاح مع المحيط، تتباين مشاعره أيضًا بين النساء اللاتي في حياته، فبداية من مشاعره تجاه رحمة الفتاة المغربية البسيطة التي تحبه إلى ألكسندرا التي تتفجر معها مشاعره وروحه، وتغلبه روح المغامرة في ترك ما هو قريب حتى يبحث عن ألكسندرا التي تعود إلى بلادها بعد انتهاء فترة سياحتها في المغرب، وذلك إنقاذًا لروحه التي تتنفس الصعداء شوقًا للقائها.

 

المغامرة

أط2

تمتاز روح فتاح بالمغامرة الكبيرة التي تأهله لامتهان الرياضة الشاطئية وحبه للمحيط بما يحويه من مخاطر، وتأتي روحه المغامرة على قدر مثابرته، محاولًا استغلال روح المغامرة للوصول إلى الحب، لا سيما مع افتقاده لمعنى الحياة في بلاده التي يبدو مستقبله بها غير واضح المعالم.

 

المناجاة

أط

تعتبر المناجاة من أكثر الأشياء المؤثرة بل والتي يقوم عليها الفيلم، حيث حديث فتاح مع حاله ومع المحيط، الذي يقتطعه مشاهد متنوعة له مع عائلته التي هجرها ليبحث عن حبه الغائب في السائحة الهولندية، التي يقرر أن يقطع مسافة تقارب 300 كيلو متر حتى يلتقي بها من جديد، وذلك على متن لوح شراعي لركوب الأمواج، يكون هو ونيسه وسبيله لعبور تلك المسافة الكبيرة.

سيناريو الفيلم الذي كتبه كل من عبد الله سميح وجان ويليم فان إيوبجك يتلاءم مع روح المحيط التي تتوازى مع الحب، فتأتي مواقع المشاهد آيات في الجمال، لا سيما في المشاهد التي ترتكز في بنائها على المحيط، فتظهر معها مدى ضآلة فتاح وسط مياه المحيط الشاسع، وتغذي المشاهد الروح المشتاقة إلى البحر، حتى يشعر المشاهد بالاتصاق معها وأنه يشتم بالفعل رائحة المحيط البعيد، لتكن مدة الفيلم التي تجوز الساعة ونصف جرعة مميزة من المشاهد رائعة التكوين للرمال والمياه، وكل ما يميز الشاطئ بمعالمه الخلابة.

رغم هذا تأتي المشاهد بسيطة غير متكلفة، وهو ما يتوازى مع ميزانية الفيلم البسيطة، على اعتبار أن الفيلم مستقل وإنتاجه بسيط، إلا أنه يضرب نموذجًا رائعًا لاقتناء المشاهد.

أغلب ممثلي العمل هم شخصيات بسيطة بل ومثلت للمرة الأولى، حتى أن مخرج العمل يشارك في أداء أحد الأدوار، مع هذا لا يأخذ المشاهد الشخصيات على محمل الجد، لتركيزه مع شخصية فتاح المتصدرة قصة الفيلم ومساره، والتي أداها الرياضي فتاح لامارا، الذي نال أكثر من مرة جائزة السباق الوطني للألواح الشراعية، فجسد علاقة الحب التي يكنها للمحيط بصورة بسيطة تعتمد على الطبيعية والتلقائية في الأداء.

يعتبر تصوير الفيلم أحد أهم الدعائم التي يقوم عليها فيلم “أطلنطي”؛ حيث إن التصوير يوضح أعماق المحيط وأسراره، وهذا ما قدمه “Jasper Wolf” من خلال كاميرته، وتتقاسم الموسيقى أيضًا هذه الأهمية مع التصوير، حيث اعتمدت الموسيقى على جانب من الموسيقى الكلاسيكية المغربية إلى جانب النغمات التي تخلقها حركة الأمواج، لتقدم فيلمًا هادئًا.

 

إيقاع

أط5

رغم براعة المونتاج لـ”Mona Bräuer” في نقل المشاهد إلا أن إيقاع الفيلم كان مترهلًا بعض الشيء، لا سيما في المنتصف، ورغم ملاءمة هذا مع حالة المحيط والهدوء التي ينقلها الفيلم، إلا أنه خلق لحظات ملل للمشاهد.

كما جاءت البداية بالنسبة للمشاهد مرتبكة بعض الشيء لانتقال الفيلم من مشهد مصور في الحاضر لفتاح في المحيط إلى مشهد قديم يقدم حياته قبل أن يقع في الحب.

مع هذا امتاز السرد بالإبداع حيث وازى بين حاضر فتاح في المحيط ورحلته للوصول إلى الحب، وتوضيح حياته الماضية وملامحها وما دفعه إلى خوض تجربته المغامرة في أعماق البحار، ليقدم الفيلم (كولاج) مميزًا متقن الصنع.

يخلق الفيلم عالمًا مختلفًا يمتاز بالعمق والبساطة برع من خلاله المخرج أن يقدم وجهًا جديدًا للمغرب، معتمدًا على سياحة التزلج على الأمواج التي تشتهر على شواطئها، لهذا يعتبر الفيلم سياحة مميزة، لا سيما للمواطن الأوروبي، إذ أن الفيلم إنتاج مشترك ما بين هولندا وألمانيا وبلجيكا والمغرب، وهو ما أهله بجدارة للتمثيل في بعض من المهرجانات العالمية وحصوله على بعض من الجوائز.

رغم انتهاء الفيلم بنهاية مفتوحة لا نعرف معها مصير فتاح الذي خدعه المحيط وأغراه وسقط في غياهبه دون ماء أو منقذ، يظل التساؤل قائمًا “هل كانت رحلة فتاح للعثور على حبيبته، أم على ذاته الضائعة؟”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد