حسنًا نحن أمام روايةٍ تضع بطليها الأساسيين أحمد هاشم نصار، طبيب نفسي، ويمنى رؤوف، الحالة التي يتابعها في إحدى المصحات النفسية الخاصة، في صراعٍ يتصاعد طوال الـ«50» صفحةً الأولى، لا سيما مع وجود تمهيدٍ شيقٍ جرت صياغته بلغةٍ جيدةٍ، وسبق بداية الفصول الأساسية لرواية «أتْمَا»، وهنا نقطةٌ مهمةٌ، ألاّ وهي كيفية إحكام السيطرة على القارئ «طوعًا لا كراهيةً» لالتهام صفحات العمل مستمتعًا بهذا الصراع الذي يتصاعد طوال الربع الأول من هذا العمل الأدبي بشخصياتِه القليلة المتماسكة المرسومة بدقةٍ.

رواية «أتْمَا» للكاتبة المصرية بسمة الخولي، تأخذنا في رحلةٍ نفسيةٍ بديعةٍ؛ فالبطل هنا طبيب يحاول الكشف عن أسرار ما يبدو في البداية أنها مريضةٌ نفسيةٌ تدعى يمنى رؤوف؛ لإتمام كتابة التقرير الذي يصفه بـ«اللعين» في إحدى صفحات الرواية للحصول على منحةٍ ما، وفي الوقت نفسه تضعه «يُمنى» في صراعٍ داخلي مع نفسه حين تسأله: هل تملك إرادة اتخاذ قرار «الانتحار»، لتجعله يدخل طواعيةً في معاناةٍ وصراعٍ نفسي مع تلك الحالة التي وصل إليها بمساعدة صديقه عقيد الشرطة «حمدي».

بسبب حالة الغموض التي يعانيها الطبيب النفسي مع هذه الحالة يتحرك أكثر ليكشف أسرار هذه المريضة، وبمساعدة صديقه يتسلل للمستشفى الخاص ليلًا، وبالفعل يحصل على الملف الخاص بها.

بحسب ما جاء في الملف، فإن يمنى رؤوف مصابة بــ«هوس اكتئابي حاد»، «شيزوفرينيا»، «نوبات عنف»، وأنها قاتلةٌ فضلًا عن أنها متهمةٌ بالشروع في قتل آخرين، وأنها سلمت نفسها للمصحة الخاصة، ولم تُقَد إليها جبرًا.

لم يكن الملف كافيًا للكشف عن هذه الشخصية، فالنصف الثاني من الرواية يحمل أسرارًا جديدةً وهي أنّ هذه الفتاة ليست مريضةً نفسيةً بالمعنى المتعارف عليه، ولكنها «تتألم» وتعاني من ضغوطٍ حياتيةٍ سواء من صديقتها أو أسرتها أو حتى حبيبها «أدهم»، حتى أصيبت بحالةٍ هي ليست مرضًا نفسيًا، ولكنه «أتْمَا»، التي جاء تعريفها في الرواية بأنها في الهندوسية القديمة تعني «النفس الداخلية» أو «الروح» التي تعد الكيان الحقيقي والأصلي للإنسان بعيدًا عن أي تأثيراتٍ خارجيةٍ أو أقنعةٍ مجتمعيةٍ، أي أنّ الطريقة الوحيدة للخلاص هي إيجاد الـ«أتْمَا».

فشخصية «يمنى» تسعى لإيذاء الآخرين للحصول على «الشذا» الذي يساعدها في مقاومة كوابيس الحياة؛ فتحاول إيذاء شقيقتها «أريج»، وتغرق القط، ولكنها في الوقت نفسه ليست مريضةً؛ ولكنها «كرهت ما رأته من البشر وما فعلوه بها، لذا تحاول الوصول إلى داخل نفسها للتخلص من الألم، هي حاولت البحث عن روحها، فضلًا عن سعيها لإيذاء الآخرين للحصول على ما تسميه الشذا لمقاومة الكوابيس»، كما جاء في الرواية.

بعد حادث يتعرض له الطبيب النفسي أحمد هاشم نصار، يفقد على إثره قدمه وكليته، يسعى لمعرفة حقيقة «يُمنى»؛ خاصة بعد أن يشعر أن هذا الحدث «مدبرٌ» وليس قضاءً وقدرًا، ثم يدخل في مواجهة مع حسن قدري، مدير المصحة النفسية، ويعرف منه أن «يمنى» حالةٌ استثنائيةٌ حين قدمت إلى المصحة قرر الاحتفاظ بها، ودراستها بدلًا من تسليمها للشرطة بعد قتلها حبيبًا لها يسمى «أدهم».

يصف مدير المصحة النفسية «يُمنى» بالحالة التي لا تتكرر، وأنها ليست مريضةً؛ لكنها في الحقيقة لديها عقل مرعب، وقدرة لا بأس بها على الإقناع، لكن «نصار» يخبره أنها توقفت عن الحكي، ولم تعد إليه إلا معه (أي أحمد هاشم نصار)، ولهذا تركها معه حتى تعود مرةً ثانيةً للثقة به، ولكنها لم تفعل، فحاول صدمها بقتل «الطبيب» في حادث السيارة.

يدخل البطل في عدة صداماتٍ طوال فصول الرواية المتعاقبة؛ فهو يندمج مع الحالة التي كان يتوقع أنها يعالجها ويتوحد معها؛ لدرجة أنه يقتل خطيبته «مريم»، ثم يعترف لصديقه رجل الشرطة أنه يحب «يمنى» فيتهمه صديقه بالجنون.

الحقيقة أنّ النهاية كانت صادمةً جدًا ولم أتقبلها نهائيًا؛ فكيف لهذا الطبيب أن يُقدم على قتل «يمنى» التي ظل يلهث طوال الرواية لعلاجها ومعرفة أسرارها بل ويسقط في حبها، ثم يتحول هو الآخر إلى مريضٍ.

الكاتبة بسمة الخولي تقول لـ«ساسة بوست» إنها مقتنعةٌ جدًا بهذه النهاية؛ وأن الرواية لم يكن لها سوى خاتمتين؛ الأولى: قتل البطلة يمنى رؤوف وإغلاق الدائرة، وهو ما حدث بالفعل في الرواية، أما الثانية: إبلاغ السلطات بما يدور داخل المصحة النفسية الخاصة الموجودة بها يمنى، الأمر الذي يجبرها على كتابة جزء ثانٍ للرواية.

تؤكد الكاتبة بسمة الخولي أن أي نهايةٍ ثانيةٍ لن تكون منطقيةً؛ بل ستكون مجرد «كليشيه زائد».

قدمت الروائية المصرية بسمة الخولي عملها الأدبي في «حبكةٍ جيدةٍ»؛ فعدد الشخصيات في الرواية قليلٌ، والأماكن التي دارت فيها الأحداث محدودةٌ جدًا، كما نجحت الكاتبة في تقديم وصفٍ نفسىٍ جيدٍ لبطلي العمل؛ الطبيب أحمد هاشم نصار، ويمنى رؤوف.

الطريقة التي اعتمدت عليها الكاتبة في سرد بعض فصول الرواية بطريقة «تفريغ التسجيلات» ربما كانت جديدةً وقت صدور الرواية في طبعتها الأولى عام 2014 عن الدار المصرية اللبنانية، ثم طبعة جديدة عن «دارك للنشر والتوزيع»؛ ثم قرأت عملًا أدبيًا استخدم هذه الطريقة هو «مسيرة فلان العلاني في برشلونة» للكاتب المصري محمد كسبر، والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية العام الماضي، وهي نتاجٌ ورشةٍ أشرف عليها الروائي المصري الشهير طارق إمام؛ لكن هذه الطريقة تبقى جيدةً.

نجحت الكاتبة في تقديم مناطق جماليةً في روايتها الجديدة «أتْمَا»؛ ويُحسب لها الوصف الدقيق للمستشفى أثناء تسلسل الطبيب النفسي أحمد هاشم نصار ليلًا؛ للحصول على ملف «يمنى»؛ لقد استنطقت الحوائط، فضلًا عن نجاحها في تقديم مقارنةٍ رائعةٍ بين البشر الذين يستعينون في أوقاتٍ كثيرةٍ بـ«أقنعةٍ للخداع»، وبين النباتات البعيدة كل البعد عن الخداع.

تقول الكاتبة: «على عكس البشر، للنباتات روح حرة، ليست كافة النباتات جميلة، رائحة الباذنجان ليست فاتنة كالياسمين أو القرنفل، حبات البطاطا ليست حلوة مبهجة كحبات الكرز، لكنها جميعًا لا تتخفى أو تتصنع، جل النباتات تنمو دون قناع، الينسون ينمو كينسون، الطحالب تنمو كطحالب، لا أكثر ولا أقل، ودون أو رغبة في التميز، لذا تملك أرواح النباتات شذًا حرًا لا نمتلكه نحن».

نجحت الكاتبة عند الحديث عن «توصيف الموت» في الصفحة 54، كانت الجمل قويةً متماسكةً معبرةً عندما تتساءل عن الموت: «لِم على التفكير في الموت؟ لم أخشاه؟ إن كانت الحياة تفتح الدائرة فالموت يغلقها، ليس زائرًا عليّ القلق بشأن ضيافته؛ بل هو المالك الأصلي، وسيأتي ليأخذ حقه إن طال الزمن أو اختزل، لم علي الخوف مما هو حتمي».

لكنها في الوقت نفسه قدمت أسبابًا «تقليديةً» لتفسير عمليات الانتحار في الغرب؛ خاصة عندما تقول: «إن الشباب ينتحرون في سويسرا بسبب الرفاهية الزائدة التي تجلب الملل، ثم ما يراه الدين الإسلامي بشأن تحريم الانتحار، ومصير الشخص الذي يقدم عليه بأنه سيكون بجوار الكافر».

الخلاصة أننا أمام روايةٍ نفسيةٍ لكاتبةٍ تخصصت أصلًا في إنتاج «أعمال الرعب»، لكنها قدمت نصًا جيدًا بعيدًا عن هذا المجال ألا وهو «أتْمَا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد