الاختلاف دائمًا كان يفسد للود قضية في العالم العربي والإسلامي، بعكس ما نردد دومًا بنفي ذلك، بل ويمتد أيضًا للتشكيك في عقيدة الشخص ودرجة إيمانه، وهي الصفة التي توارثها عدد لا بأس به من الشعوب العربية كمورث جيني لا يشعر البعض بخلله، في حين نجح آخرون في الشفاء والتخلص منه، فما كانت فتوى الشيخ السعودي صالح المغامسي مؤخرًا وردود الفعل على ذلك إلا نموذجًا ظاهرًا يضاف إلى محصلة النماذج اليومية في حياتنا على ثبوت نظرية الاختلاف، حيث أفتى بعدم تحريم الموسيقى في مجملها، وبالرغم من أن تلك الفتوى طُرحت من قبل في الكثير من المجتمعات الإسلامية، بل ومُسّلم بها في العديد منها، إلا أنها أثارت جدلًا واسعًا وقادت حملة هجوم ضده في المجتمع السعودي، الذي اعتاد ولمئات السنوات على التعامل بالتحريم مع كافة أشكال الموسيقى، باتفاق أغلب الأئمة والفقهاء هناك؛ ونتيجة لخروج المغامسي عن السائد والمألوف كان التعرض لذلك النقد اللاذع من العامة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والذي تعدى النقد ليغدو اتهامًا بالتقليل من الإيمان والتشكيك في العقيدة، حيث وبالرغم من التكنولوجيا والتطور في عصرنا لم يمنع ذلك أن تكون الردود من أشخاص لم يقرأ أيًّا منهم كتابًا أو حتى بذل جهدًا في التبحر في العلم والمعلومات قبل الرد وإطلاق الأحكام، وإنما كان ذلك نابعًا من سنوات الاعتياد التي تُرسخ في الشخص مع الوقت رد فعل عدائي لأي محاولة تغيير، وهو ما يجعلنا نشهد ما حدث مع ذلك الشيخ يتكرر كثيرًا مع غيره في العالم العربي، حتى وإن كان خارج نطاق الدين، وعلى الرغم من شدة وقوة ردود الأفعال اليوم إلا أنها تعد أخف وطأة مما كان يحمله التاريخ لأمثاله قديمًا ممن خرجوا عن السائد واختلفوا مع المجتمع.

فلم يكن من تلك القضية رغم بساطتها سوى أنها أعادت إلى أذهاننا وذكرتنا بالأسلوب الأكثر اتباعًا على مدار العصور الإسلامية في مواجهة الحداثة والأفكار المختلفة عن طريق التكفير والاتهام بالإلحاد والزندقة، حيث كان ذلك الأسلوب والنهج مقترنًا بأغلب الحقب الإسلامية والبلدان العربية، فلا تكاد تخلو حقبة من اتهام لعالِم أو فقيه أو شاعر بالكفر لفض الناس من حوله، والذي عادة ما كانت تتلخص أسبابه إما في خروج العالِم عن الآراء المتفق عليها لفقهاء الدولة وأئمتها، أو الاختلاف قولًا أو فعلًا عن العادات والأعراف السائدة في المجتمع لعقود، والتي اعتادها الناس ونسبوها للدين، وبالتالي أصبح من يحاول تغييرها في مواجهة مباشرة مع الدين، وليس العقل حتى وإن كان على صواب وهم على خطأ، أو الخروج من إطار الفكر والاعتقاد إلى حيز التنفيذ، والمطالبة بما كان سابق للعصر آنذاك وغير مألوف، رغم عدم خروجه عن الدين وتطبيقه بعد ذلك عبر العصور اللاحقة.

ولاعتماد تهم التكفير تلك على أسس ضعيفة وأسباب واهية، كان من الطبيعي أن نشهد مع تعاقب الأجيال وانتشار نظريات أولئك العلماء وأفكارهم وعلومهم أن يأبى التاريخ إلا أن يخلدهم؛ ليثبت للعالم صدقهم وكذب المدعين، وانتصار العلم ولو بعد حين في مواجهة الجهل، ليصبحوا اليوم مرجعًا في علومهم، ومؤسسين لحضارتنا وقدوة تُدرس ويُحتذى بها، وأسماؤهم محط فخر للمسلمين والعرب جميعًا، والذين كان أبرزهم ابن رشد الذي كان ظاهرة علمية متعددة التخصصات، فهو فقيه مالكي وقاضِ وطبيب وفيلسوف، وكان يبرع في جميعها على حد سواء، وقد تعرض للنفي من قرطبة، وأحرقت جميع كتبه ومُنع الناس حتى من تداول أفكاره، وكان ذلك في عهد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور، بعد أن قام الفقهاء بالوشاية به لدى الخليفة، واتهامه بالكفر والإلحاد لاهتمامه بالفلسفة التي يراها لا تتعارض مع الدين، في الوقت الذي كان يشيعون بين الناس كفر الفلاسفة وهرطقة الفلسفة، بالإضافة إلى تأليف ابن رشد مجموعة من الكتب الذي انتقد فيها فقهاء عصره وأفكارهم؛ مما ساهم في زيادة حدة العداوة بينهم، وقد بكى بكاءً شديدًا بعد حرق كتبه حيث نُقل عنه قوله: «لا أبكي على حرق الكتب ولكن أبكي على ما وصلت إليه أمة الإسلام» -وهو الذي لا يختلف كثيرًا عن حالنا اليوم- وكان ذلك في الوقت الذي احتفى الغرب بشروحه لأعمال أرسطو التي قيل عنها أنها أفضل شروح عُرفت في تاريخ الفلسفة.

وأبو يوسف بن يعقوب الكندي الذي كان فيلسوفًا ورياضيًّا وفيزيائيًّا وموسيقيًّا، كما يعتبر أول واضع لسلم الموسيقى العربي، وكانت طريقته العقلانية في تفسير الدين والقرآن وأحكامه سببًا في كراهية الأصوليين والمتشددين له، حيث كان يقدم العقل على النقل، ويعتبر أن النص الديني يخاطب العقلانيين بمعانٍ باطنية عميقة، بينما يخاطب النقلانيين «من يفضلون النقل» بمعانٍ ظاهرية تتماشى مع فكرهم السطحي؛ وكان نتيجة لأفكاره تلك أن يُصدر الخليفة المتوكل أمرًا بمصادرة مكتبته وجلده خمسين جلدة أمام العامة، الذين أيدوا ذلك بتهمة الزندقة ليُصاب بعدها باكتئاب ويعتزل الناس حتى وفاته.

وابن سينا الطبيب والفيلسوف الذي عرف باسم الشيخ الرئيس، وسماه الغرب أمير الأطباء وأبا الطب الحديث في العصور الوسطى، وهو ذاته الذي يطلق اسمه على المدارس والجامعات في الدول العربية، التي ما زال العديد من فقهائها مُقرين بكفره، وكعادة ذلك العصر مع الفلاسفة فقد استغل أعداؤه بعض أفكاره ودبروا له مكيدة لدى الحاكم ليتم اتهامه بالكفر والإلحاد ويأمر بسجنه وتعذيبه، وكان دائمًا ما يرد على ذلك قائلًا: «إيماني بالله لا يتزعزع ولو كنت كافرًا فليس ثمة مسلم حقيقي على سطح الأرض».

أما أحدثهم عهدًا فكان عميد الأدب العربي طه حسين الذي لا يكاد اسمه يخفى على أحد في العالم العربي كأديب وكاتب قلما يجود الزمان بمثله، ولكن ذلك الرأي لم يكن الجميع في عصره على اتفاق معه، حيث كان له الكثير من المعارضين على مدار حياته، وكان أبرز أعماله التي تضرر من جرائها واتُهم في إيمانه وعقيدته وتم فصله من الجامعة كرئيس لكلية الأداب هو كتاب «في الشعر الجاهلي» الذي صدر عام 1926، وتعرض فيه للغة العربية وآدابها بأسلوب نقدي جريء اختلف عن الأساليب القديمة المتوارثة في النقد، وبالتالي كانت نتيجة لاختلافه أن قاد معارضيه حملة ضده، والذين كان أبرزهم شيخ الأزهر محمد الخضر حسين ومصطفى صادق الرافعي.

وتبقى قائمة العلماء الذين لاحقتهم تلك التهمة طويلة، حيث امتدت لتضم تقريبًا أغلب العلماء المسلمين مثل: الفارابي، وجابر بن حيان، والحسن بن الهيثم، والرازي، والخوارزمي، والطبري، والجاحظ، والحلاج، وعمر بن الخيام، وابن تيمية، والبخاري، وحتى أبي حنيفة النعمان، للدرجة التي جعلت البعض على اعتقاد بأن وراء كل رمز من رموز العلم كان هناك تهمة بالتكفير، والجدير بالذكر أن مفهوم الإلحاد كان يختلف آنذاك عن مفهومه الدارج في عصرنا الحالي، حيث كان يكفي لأن يُتهم الشخص بالإلحاد أن يُنكر البعث أو أحد الأنبياء، أو أن يخرج عن الآراء العامة للفقهاء حتى وإن كان موحدًا مؤمنًا ومصدقًا بالله، وهو الذي يختلف عن مفهومه اليوم، والذي يعني إنكار الخالق عز وجل جملةً وتفصيلًا، ولكن ومع التغير الملحوظ في المفهوم عبر العصور، إلا أن ذلك لم يغير من آثار تلك التهمة على المتهم وتبعاتها على حياته من تشويه لتاريخه، وطمس لإبداعاته، والتصاق التهمة باسمه لسنوات بعد وفاته، حتى وإن تمت تبرئته منها، ليبقى وعلى سبيل المثال فئة كالمتشددين والأصوليين في كل عصر محتفظين بآراء أسلافهم عنهم في الوقت الذي كانت أفكارهم وعلومهم تجوب العالم ليؤسس عليها الغرب، ونحن بالتبعية ما وصلنا إليه اليوم من تطور في مجالات الكيمياء والفيزياء والفلك والرياضيات والطب والفلسفة والشعر.

وإذا كان أولئك العلماء قد أنصفهم التاريخ ورسخ صورتهم الصحيحة في أذهان العامة بعد ذلك، إلا أن هناك آخرين وبالرغم من أثرهم البالغ في مجالاتهم، وبصمتهم على ما وصلنا إليه اليوم نتيجة محاولاتهم يومًا ما في إدخال الحداثة والتطور على مجتمعاتهم، والسير عكس تيار السائد والعرف مؤمنين بحق اختلافهم، ما زال التشكيك في عقيدتهم وأفكارهم هي الصفة الغالبة، والهالة التي تحيط أسمائهم لدى الكثيرين، وخاصة المتشددين ومحدودي العلم وأولئك الذين أسلموا عقولهم لأفكار غيرهم منساقين وراءها دون إعمال للعقل، ولعل سبب انحسار الآراء المحايدة عنهم لعدم تناول أفكارهم بعين الإنصاف إلا من قبل القلائل فقط، ونسب كثير من الأقوال المغلوطة والتفسير الخاطئ لهم، وكان منهم وإن كثروا:

عباس بن فرناس والذي يعرف لكل مطلع ومحايد على أنه أول من حاول الطيران، ويعرف لكل متشدد على أنه كافر ومنجم، ويعرف لكل ذي فكر سطحي على أنه مجنون ومثار للسخرية، ولكنه في الحقيقة كان يبرع في الفلك والرياضيات والفلسفة والشعر والموسيقى، وله العديد من الاختراعات منها قلم الحبر والساعة المائية التي أطلق عليها اسم ميقاتة، كما يعود له الفضل في صناعة الزجاج من الأحجار، ولعل أشهر ما عُرف عنه كانت محاولته للطيران، والتي نُقلت أيضًا للغالبية العظمى بصورة مغلوطة، حيث جعلوا منه شخصًا ساذجًا أراد الطيران، فركّب الريش على ذراعيه وسقط ومات، لتتلخص تجربته في تساؤل هل مات منتحرًا أم لا؟! ولكنه وعلى عكس ما يهيأ للكثيرين كان عبقريًّا، حيث أتم محاولاته المتكررة للطيران بعد دراسة استمرت 25 عامًا اعتمدت على الرياضيات والميكانيكا، ولم يمت جراء تلك المحاولات كما أشيع عنه، بل حوكم بعد ذلك بتهمة التغيير في خلق الله، واتهم بالكفر، ولكن سرعان ما تبين بطلان تلك التهمة والمبالغة فيها، لتبقى تهمة الجنون والسخرية منه تلاحقه لمئات السنوات، متناسين بذلك جل إنجازاته، وما كان مؤخرًا من تكريم له ما هو إلا محاولة لمحو الصورة الخاطئة عنه، ودرء تهمة الجنون لتبرئة الذمة.

أما قاسم أمين الذي لم يكن عالمًا وإنما جمعته بهم صفة الاتهام بالكفر والتشكيك بالعقيدة ودعوة الاختلاف والخروج عن السائد، حيث اقترن اسمه حتى يومنا هذا بدعوته إلى الانحلال الأخلاقي، وإفساد المجتمع، وتغريب المرأة العربية، وهو الذي كان نتيجة لمطالبته بتحرير المرأة من خلال حرية الحجاب، والذي كان يُقصد به آنذاك غطاء الوجه وليس الحجاب في مجمله، وحق تعليم الفتيات حيث كانت أغلب الفتيات لا يتم تعليمها في المدارس تفاديًا لخروجها المتكرر من المنزل، وإنما كانت بعض الفئات فقط تتلقى التعليم في بيوتهن حتى مرحلة معينة، كما طالب بحق المرأة في الخروج للعمل والاختلاط بالمجتمع، في الوقت الذي كان دور المرأة محصورًا بالمنزل، بالإضافة إلى مطالبته بتقييد وضبط تعدد الزوجات والطلاق لما كان يقع على المرأة من ظلم إزاء ذلك، وخاصةً أن المجتمع كان يميل إلى الذكورية ويسيطر عليه الرجل، ولذلك لم يكن من ندائاته تلك إلا أن اتُهم بالكفر والفجور ومحاولة تقليد الغرب، بل والتحيز للاحتلال رغم أن محاولاته تلك لم تكن إلا لتحرير المرأة من قيود لم تكن من صنع الإسلام، وإنما من نسج العادات والتقاليد المتوارثة حتى تصبغت مع الوقت بصبغة الدين، ومصير من يحاول تغييرها معروفًا وكان هو مثالًا لذلك، وعلى الرغم من أن أغلب مطالبه تحققت بالفعل في السنوات اللاحقة، بل وتخطتها أيضًا نتيجة لتطور المجتمع والانفتاح، ولم تعد مطلبًا بل حقًّا يحميه القانون، إلا أننا ننفذ أفكاره اليوم ثم ننتقده ونكيل له الاتهامات بمجرد ذكر اسمه، وهو ما يشاركه آخرون فيه كهدى شعراوي، ودرية شفيق، وجمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده.

وهو ما يصل بنا في النهاية إلى أننا وفي عصرنا الحالي لا نعاني فقط من الآثار المتبقية للنظرية التكفيرية عبر التاريخ، بل ما زلنا نعاني من وجود النظرية ذاتها بيننا، والتي تعتبر أسلوبًا ونهجًا للكثير من العقول العربية والإسلامية، وبالتالي تبدل موقعها من مرتبة التهمة إلى مرتبة الصفة؛ مما جعلها أكثر شيوعًا فلم تعد تقتصر على عالم أو مفكر بل على كل شخص يتجرأ ويختلف عن المجتمع، فأصبح الكل أهلًا لها، والكل معرض لها، وهو الأمر الذي جعل البعض يتذوق مرارة ما زرع وينطلق مناديًا بتقنين حكم التكفير وإبراز مساوئه على المجتمع، ومع ذلك ستبقى تلك التهم ما بقي التشدد في الدين، فهو المحرك الأول لها الذي يصم الآذان، ويعمي الأبصار عن إمكانية تعدد الاختلافات في إطار الصواب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد