الكُفر لغةً: هو الإنكار والجحود. كفر بكذا، أي: تبرأ منه. وكُفر النعمة، وبالنعمة، أي: جحدها. فالكُفر في العربية هو إنكار الشيء وجحده، وبهذا المعنى هو ضد الشكر.

والكَفْر بالفتح تغطية الشيء وستره، بالرغم من وجوده، ومنها جاءت كلمة «cover» بالإنجليزية. وتُسمى القرية كَفْرًا، والفلّاح كافرًا؛ لأنه يغطي البذر بالتراب، وكذا الليل شديد الظُلمة كافر؛ لأنه يستر بظلمته. وكل شيء غطّى شيئًا فقد كَفَرَه.

وأما الكُفر بالله؛ وهو إنكاره وجحده تعالى، فضده الإيمان، لكن المشكلة تنبع لدى أهل الشرائع السماوية الثلاث من أن أصحاب كل شريعة يخلطون بين جحد وجود الله تعالى، وهو الكفر العام المطلق، وبين الكفر بشريعة أخرى غير شريعتهم، متجاهلين أن الكافر الحقيقي هو من لا يؤمن بالله فقط، وليس من لا يؤمن بالله على شريعتنا.

فيكون أهل الكتاب بهذا المنظور

  • لا يدخلون في عموم من يُطلق عليهم لفظ الكافرين، بالرغم من نسبة أفعال مُكفِّرة إليهم تبعًا لشريعة الإسلام.
  • تترتب لهم أحكام خاصة بهم تختلف عن أحكام الكافرين.

لكن، بالرغم من اتفاق جموع المسلمين على أن لأهل الكتاب أحكامًا خاصة بهم في شريعة الإسلام، إلا أن الغالبية العظمى تُطلق عموم لفظ الكُفر عليهم، جهلًا أو تعصبًا، وتعترض بالضرورة على كل من يدّعي أن أهل الكتاب، وإن كانوا كافرين بشريعتنا، فهم ليسوا كافرين بالله، بالرغم من إقرار أغلب هؤلاء المتعصبين أن الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله.

أسباب الاعتراض

تتلخص أهم الأسباب التي يطلقها من يرى أن أهل الكتاب كافرون بالله، وليس فقط بشريعة الإسلام في:

-تعريفهم الكُفر تعريفًا سلبيًا فقط؛ فالكفر هو عكس الإيمان، وليس مرادفًا للإنكار أو الجحود.

– ما الكفر إلا اعتقاد وقول وعمل، كما أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، بالتالي فأي فعل كُفري مخالف للإسلام منسوب إليهم، مثل الإيمان أن الله ثالث ثلاثة، أو أن المسيح هو الإله المتجسد، هو طعن في إيمانهم بالله؛ فيدخلون في عموم الكافرين.

– الله نفسه هو من أقر أنهم يتوجهون لغيره بالعبادة.

– إلهنا وإلههم وإله الكفار وإله كل الكائنات واحد. هذا لا يدل على أنهم ليسوا كافرين كفرًا عامًا.

– إن الدين عند الله الإسلام، الذي هو دين الأنبياء جميعًا، وليس دين محمد – صلى الله عليه وسلم – فقط.

– أهل الكتاب ينكرون أن محمدًا رسول الله وينكرون القرآن، فهم ‏كفار بلا خلاف.

– ما فائدة الدعوة إلى التوحيد، إذا كان معدد الآلهة مؤمنًا بالله؟

-القرآن آياته واضحات لا تحتمل التأويل، وإخراج المعاني عن سياقها، وآيات القرآن تتحدث عن كفر أهل الكتاب.

وتحديدًا يمكن القول أن موطن الخلاف يدور حول (إطلاق عموم لفظ الكُفر في حقهم) أم (نسبة الكُفر إلى فعل بعضهم المخالف لشريعتنا).

الرد على المحتجين بعمومية كُفر أهل الكتاب

مبدئيًا، فالمسألة لفظية، تترتب عليها أحكام خاصة بها، والإشكالية الكبرى حول الألفاظ، وليس الأحكام. ولأنها كذلك ينبغي بداية توضيح بديهية تغيب عن هؤلاء المكفِّرين، المتصرفين في ألفاظ القرآن وفق فهومهم، والذين – للمفارقة – يظنون أن مخالفيهم هم المتأولون! وتلك البديهية تتعلق بتوقيفية ألفاظ القرآن، وتوقيفية الأسماء والصفات عامة.

توقيفية الألفاظ القرآنية

من يريد أن يفهم آيات القرآن فهمًا صحيحًا عليه الالتزام بقواعد اللغة، والقواعد الأصولية.

في اللغة: الأسماء والصفات توقيفية، وهذا حتى فيما يخص الأفراد، فما بالنا بألفاظ القرآن؛ بمعنى أن اسمي (منى)، فليس من حق أحد أن يناديني (آمال) أو (أماني) ويتفذلك بأن الاسمين يكادان يكونان مرادفين لاسمي، وحتى لو كان شخصًا أجنبيًا ليس من حقه مثلًا أن يناديني (hopes) أو (wishes). ونعلم كيف ترجم اليهود اسم سيدنا محمد لإخفاء وجوده في التوراة في النسخات المتداولة.

وكما أن الأسماء توقيفية، فكذلك الصفات توقيفية، فإن سبَّ أحدهم صاحبه فقال: هو (كذا)، فليس من حقك أن تشهد عند القاضي وتُبدِّل الوصف الذي قاله لصاحبه، فتقول: إنه قال لصاحبه: (كذاهون)، اللهم إلا إن كنت خالطًا عفا الله عنك.

القرآن الكريم حُفظ بسبب توقيفية ألفاظه، ولو كان الأمر متروكًا للبشر؛ لغيّروا وبدّلوا الألفاظ، ولوصل إلينا في النهاية بشكل يختلف تمامًا عن الأصل، لكنه – وإن كان قد حُفظ لفظيًا – فهذا لم يمنع كثيرين من التصرف عند الشروح واستخلاص الأحكام، فالمشكلة أننا نكثر التصرف في ألفاظ القرآن وفقًا لفهومنا، ولا نراعي ضرورة الالتزام والكف عن الفذلكة.

كمثال: من أين أتى اسم (الضار) في أسماء الله الحسنى؟ وهل الله سبحانه وتعالى عندما يخبرنا أن بيده النفع والضر يحق لي أن أشتق من الفعل اسمًا فأسميه بما لم يُسم به نفسه؟!

وكمثال آخر لعدم التوقيف اللفظي في مراعاة القرائن اللفظية: جميع الآيات والأحاديث التي ذكرت الاسم الخاص بإبداعه تعالى جاءت على النحو (بديع السموات والأرض)، ولكننا بفهومنا وفذلكتنا المعتادة قمنا بتحريف الاسم وعرّفنا البديع بألف ولام التعريف، وحذفنا القرينة التي استخدمها الله تعالى (السموات والأرض)، فصار الاسم (البديع)!

هل نصّت آيات القرآن على إطلاق عموم الكفر على أهل الكتاب؟

عودة إلى موضوع تكفير أهل الكتاب، ليتضح أن مشكلة كل من يُكفرهم كُفرًا عامًا انطلاقًا من كفرهم بعقيدة وشريعة الإسلام، إضافة لضعف ذائقته للغة العربية، هي مشكلة أصولية، وهي تعميم ما لا يُعمم، بل قام الدليل على تخصيصه.

وتطبيقًا لقواعد اللغة والأصول، أقول إنه لم تأت آية في شأنهم تُطلق عموم لفظ الكُفر عليهم. ومن يخرج الآيات عن سياقها هو من يُصرِّف ألفاظها كما يحلو له.

وبمراجعة أشهر الآيات القرآنية التي يُستدل بها على عموم كُفرهم نجد أيًا منها لا يُستفاد منه تعميم.

مثال: آيتا المائدة الشهيرتان: آية ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ‏‏﴾‏ [المائدة: 72].‏ والتي تليها ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏‏﴾ [المائدة: 73].

في الآيتين نجد الحق سبحانه وتعالى قد عبّر باستخدام لفظ (كفر) وهو فعل، وليس اسمًا، وهناك قرينة مصاحبة للوصف بذلك الكُفر لا يجوز فصله عنها، ولكننا لم نر بأسًا من اشتقاق اسم من الفعل، ثم إطلاقه كوصف مطلق في حقهم مع حذف القرينة!

فالنص القرآني واضح، وهو نسبة أفعال مكفرة (أقوال تشي باعتقاد باطل) إلى فئة منهم، كأن يعتقد أن الله ثالث ثلاثة قاصدًا تثليث الألوهية. ولم يُفِد النص القرآني إطلاق لفظ الكافرين عليهم، كما أن اسم الموصول (الذين) دلالة على التخصيص، ثم هل ختام الآية بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏‏﴾ دالة على جواز إطلاق تعميم الكفر على جملتهم، أم أنه تخصيص من كفر بهذا القول والاعتقاد بهذا المصير، وتأكيد منه سبحانه على أن منهم مؤمنون؟

فمن أين فهمت يا من تريد إطلاق عموم الكُفر من الآية أنهم بهذا أصبحوا كفارًا كفرًا عامًا بالله؟، أنت تريد أن تستخلص حكمًا بإطلاق لفظ في حقهم لم يستخدمه القرآن معهم من الأساس.

وكذلك قوله تعالى عن أهل الكتاب، وتحديدًا النصارى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ‏‏﴾ [المائدة: 66] دلالة واضحة على أن منهم مقتصدون في الاعتقاد في المسيح عليه السلام ولا يعتقدون ألوهيته.

آية أخرى يستدل بها المُصرِّون على إطلاق عموم لفظ الكفر على أهل الكتاب، وهي: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ‏‏﴾ [التوبة: 30]

اختُلِف في تفسيرها، ما بين أن المقصود أن النصارى يُضاهون قول اليهود، أو أن أهل الكتاب جميعهم – يهودًا ونصارى – يُحاكون عبّاد الأوثان الذين قالوا: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20)‏‏ [النجم: 19-20]، وهو التفسير الأدق.

لكن ربما لم يلتفت المستشهد بهذه الآية أن الله تعالى في هذه الآية، وكسابقاتها من آيات المائدة، أولًا يتحدث عن فعل: قول، ولم يُطلق وصفًا أو اسمًا، ثم إنه تعالى قال: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾، ولم يقل: من قبلهم، وهو اللفظ الأدق في نفي نسبتهم إلى الكفر العام، ولو قال: الذين كفروا من قبلهم، لاحتملت تفسيرين أحدهما أنهم كافرون كفرًا عامًا كهؤلاء الذين من قبلهم؛ يعني عبّاد الأوثان.

آية أخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا‏‏﴾ [البينة: 6] نلاحظ أولًا أن الآية قد فصلت ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ‏‏﴾ عن ﴿الْمُشْرِكِينَ‏‏﴾، بالرغم من كونها تتحدث عن مصير مشترك للفئتين، وهذا دال على عدم صحة إطلاق لفظ المشركين حتى على الذين صرّحوا باعتقاد كُفري من أهل الكتاب، ثم إن وجود اسم الموصول الذين ومِن التبعيضية يجعل الآية مخصصة لا يجوز التعميم منها على سائر أهل الكتاب.

فإن سأل سائل، ماذا نسمي من ينكر نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وينكر أن القرآن كلام الله؟

نقول: هو عندنا كافر بشريعة محمد، كافر بالإسلام، ولكنه ليس كافرًا بالله، ولسنا ملزمين بالتفتيش عن جوهر اعتقاده، بل على العكس نحن مأمورون بترك جداله ما لم يُجادلنا.

والآية الكريمة ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ‏‏﴾ [آل عمران: 19] توضحها وتجليها آية أخرى، وهي ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا‏‏﴾ [المائدة: 48].

قال الطبري في تفسيره: فمعنى الكلام: لكل قوم منكم جعلنا طريقًا إلى الحق يؤمُّه، وسبيلًا واضحًا يعمل به. ثم اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ‏‏﴾؛ فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الملل المختلفة، أي: أن الله جعل لكل مِلّةٍ شريعة ومنهاجًا.

ثم نقل الطبري عن قتادة قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا‏‏﴾ يقول: سبيلًا وسُنّة. والسُنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاءً، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل. وفي رواية أخرى عن قتادة قوله: الدينُ واحد، والشريعةُ مختلفة.

وفي صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين، ورد حديث اللبنة (3534) و (3535)، وهو دال على أن الدين واحد، وأن الله ختم بالمصطفى المرسلين، وأكمل به شرائع الدين.

(3535) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: إن مَثلي ومَثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلّا وُضِعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين.

فهو دين واحد، ولكن المسلم مع ذلك يعتقد أنه هو من يسلك الصراط المستقيم، وأن أصحاب الشرائع السماوية الأخرى قد ضلّوا، وبالمثل هم يعتقدون، لكننا جميعًا في النهاية نعبد إلهًا واحد، والله يفصل بيننا جميعًا يوم القيامة.

أمثلة ليتضح المقام:

وربما كان المقام بحاجة للتمثيل لمزيد من التوضيح طالما أن الإشكالية بالأساس لفظية:

– عبارة (من يثلث الله كافر) عبارة صحيحة وفقًا للشريعة الإسلامية.

-عبارة (تثليث الله كفر) عبارة صحيحة، بل هي أصح من سابقتها؛ كونها توقفت لفظيًا على استخدام الفعل، وليس إطلاق الاسم حتى مع التخصيص كما في العبارة السابقة عليها.
– ولكن عبارة (المسيحي كافر) عبارة غير صحيحة، وإلحاق لفهمك بنص القرآن، وإطلاق تعميم فيما ليس في حقه العموم، وعدم التزام بتوقيفية الألفاظ.

منهج تعامل المسلم مع أهل الكتاب وفقًا للهدي القرآني والهدي النبوي:

بالعودة إلى الكتاب والسُنة نجد أن الاصطلاح الذي لفتنا الله تعالى مرارًا إلى ضرورة مخاطبتهم به هو: يا أهل الكتاب، فآيات القرآن عند خطابهم تقول: يا أهل الكتاب. لم يُخاطبوا مرة بـأيها الكافرون، أو أيها المشركون. فاحترموا يا مسلمون توقيفية ألفاظ القرآن، ولا تستبدلوا بألفاظ الله فهومكم.‏

إن منهج المسلم في التعامل مع أهل الكتاب تحدده الآية الكريمة التي تقول ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏‏﴾ [العنكبوت: 46]

فهي دالة أنهم مع ضلالهم عن الصراط المستقيم – كما نعتقد – إلا أن الله ‏- تعالى، جل وعلا – يعتبرهم يتوجهون إليه بالعبادة. وليس لنا خيار أن نقرر – بعد تقرير الله – إن كان الله ‏إلههم أم إلههم غيره.‏

وإضافة إلى الأمر الإلهي لنا بالإقرار بأن إلهنا وإلههم واحد، وأن نُركز على ما يجمعنا بهم، ففي الآية نهي عن الجدل في خلافنا العقائدي، بينما نجد من يخالف هذا، ويكثر الجدل معهم والمبادرة بالحديث عن التثليث وغيره إثارة للفتن، وهو مخالفة واضحة للأمر الإلهي عمّا ينبغي أن يكون بيننا من وئام كأهل شرائع سماوية يتوجهون بالعبادة نحو خالق واحد.

ما لا يعرفه كثير من المسلمين أن كثيرًا من اليهود والمسيحيين الغربيين، وربما كلهم، يشيرون إلى الله تعالى بأنه رب المسلمين؛ فهم يرفضون أن إلهنا هو إلههم، ولا يعني اعتقاد أهل الكتاب بكفر المسلم كفرًا مطلقًا بربهم، وأن إله المسلمين ليس إلههم أن يبادلهم المسلم التكفير المطلق، كما أن من يكثر الجدل منا يتسافه سفهًا لا يقل عن سفه هؤلاء.

كذلك فإن الآية الكريمة لا تتحدث عن الربوبية حتى يخرج أحد باستنتاج أن الله لا يعتبرهم مؤلهين له، وهو تعالى من أخبرنا في الآية أنه يعتبرهم مع ضلالهم ووفقًا لنياتهم يتوجهون إليه بالعبادة مثلنا، وطلب إلينا الإقرار بهذا ﴿وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ‏‏﴾، إلا إن كان هناك من يعتقد أن الله يطلب إلينا الإقرار بكذب!

ومن يقول أن الإلحاد بالرب لا ينفي كونه ربًا لكل الخلائق، فهو رب الملحد ورب من قال بأنه ثالث ثلاثة، يخلط الربوبية بالألوهية.

‏فإن قال قائل: ما فائدة الدعوة إلى التوحيد إن كان معدد الآلهة مؤمنًا بالله؟ ‏أقول له: نحن لا نتناقش في صحة شريعتهم، بل نحن نتحدث عن مستوى ومدلول الكفر المنسوب إليهم وفقًا لشريعتنا، ولكن هناك من يُصرون على خلط الأمور.

ما يترتب على عدم إطلاقية الكفر في أهل الكتاب

ولأجل أن أهل الكتاب، ليسوا في المطلق كافرين، فإنه لا تجري عليهم أحكام الكافرين، ولهم أحكام خاصة بهم، ومن أهمها أن المسلم يمكن أن يتزوج مسيحية أو يهودية، ولو كانت كافرة الكفر المطلق الذي يصر البعض على إطلاق لفظه عليها لما صحّ له أن يتزوجها.

ولو سأل سائل: طالما لم يُشر إليهم القرآن الكريم بالكافرين، وخصّهم بمصطلح أهل الكتاب، فمن أين فهمنا أن حرية العقيدة مكفولة لهم، والتي يُستدل عليها بآيات سورة (الكافرون)؟

أقول: الاستدلال قياسي، فإن كانت حرية العقيدة مكفولة لمن كفر بالله، وليس لنا شأن به وحسابه على الله، فحرية العقيدة من باب أولى مكفولة لمن إلهنا وإلههم واحد ونحن له مسلمون، مع اختلاف الشرعة والمنهاج.

هدانا الله وإياكم سواء السبيل.

دمتم بود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد