لا شك أن الحفاظ على المزاج العام للدولة، وأن تظل متماسكة ليس فيها مشكلات داخلية أمر مهم جدًّا، وأنا مع عدم إثارة القلاقل بين المسلمين وغيرهم في الدولة بأي شكل في هذه الفترة بالذات، لأسباب كثيرة. لكن إذا أثيرت قضية عقدية كالتي أثيرت هذه الأيام في مصر فينبغي معالجتها بحكمة دون تنازل عن الثوابت.

وهنا أؤكد عدة أمور:

1- الأول أن القضايا العقدية في الدول المسلمة (الضعيفة والمستهدفة) وهو حال دولنا جميعها ينبغي تناولها بحكمة وروية بعيدًا عن وسائل الإعلام التي يسيطر عليها العلمانيون اليوم، أو محبوهم، والمتأثرون بهم حتى لا يتم استغلالها وتسويقها بالمفاهيم التي نعلمها، خاصة في ظل انتشار التيارات المتطرفة التي تسببت في هذه الورطات التي تحيط بنا.

2- يسيطر اليوم على وسائل الإعلام مجموعة من الذين يخوضون حربًا بالوكالة عن العلمانيين والليبراليين، إذا لم يكونوا هم أصلًا منهم؛ فلذا وجب على الدعاة والمفكرين أن يختاروا جيدًا من يظهرون معهم، أو على الأقل عليهم أن يتعاملوا بحذر شديد لعدم استغلالهم.

3- لقد درسنا في الأزهر أن الدين عند الله الإسلام، وأن غير المسلم (كافر)، وأن الكافر إما محارب أو غير محارب (معاهد أو مستأمن أو ذمي).

فأما النوع الأول فكونه محاربًا يوجب علينا محاربته؛ دفاعًا عن أنفسنا وديننا وأهلينا، وأما النوع الثاني فيجب بره والإحسان إليه، ويحرم إيذاؤه «من آذى ذميًّا فقد آذاني». هذه الصورة هي التي يجب تسويقها إذا حدث اضطراب كالذي حدث؛ ولا يكون العلاج بالتبرؤ من عقيدة قد تغضب الآخرين؛ ذلك أن تشكيك عوام المسلمين في دينهم شر كبير، ومصيبة عظمى في الدين.

وفي تعريف دار الإفتاء المصرية للكفر في مقال لها عن التكفير وضوابطه، تنقل الدار تعريف الإمام السبكي – رحمه الله- فتقول: وقال الإمام السبكي في الفتاوى: «التكفير حكم شرعي سببه جحد الربوبية أو الوحدانية أو الرسالة أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر، وإن لم يكن جحدًا».

فجحد الرسالة كفر وهذا ينطبق على غير المسلمين ولا شك؛ وقد أوردت هنا ذلك لأن بعض الناس قد فهم أن الأزهر يقول إنه لا يصح إطلاق كلمة كافر على غير المسلم، وإن كنت أرى أن الأمر كان يحتاج إلى بيان بطريقة أحكم وأوضح في نفس الوقت، مع التماس العذر أيضًا بسبب حالة الاستهداف التي يمر بها الأزهر هذه الأيام.

وفي رد دار الإفتاء المصرية على فتوى تعزية غير المسلم تقول: وقال ابن عابدين الحنفي: «وفي كتب الشافعية: ويعزي المسلم بالكافر: أعظم الله أجرك وصبرك، والكافر بالمسلم: غفر الله لميتك وأحسن عزاءك». (رد المحتار 2/ 242، ط. دار الفكر)
والشاهد أن إطلاق كلمة (كافر) على غير المسلم ووصفه بذلك أمر عقدي معلوم لدى الأزهر، لكنه لا يمنع من البر والإحسان والتعايش، خاصة في البلد الواحد. فغير المسلم كافر يحرم إيذاؤه ما لم يكن محاربًا، ونسأل الله له الهداية.

كتبت هذه الكلمات ردًّا على الذين يتسرعون في الأحكام، ولو كانوا في موطن القيادة ورأوا ما عساه أن يحدث في (هوجة) كهذه لاختاروا من الكلمات ألينها، ومن المواقف أحكمها حتى لا تنجر البلدان إلى خراب، وأختم بتأكيد رفض الحلول التي من شأنها التعرض للثوابت، لكن اللين والحكمة يفيان بالمطلوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رأي عام, فكر, مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد