إن الحياة لا تجري مقاديرها بما يواكب ما نخطط له دائمًا، فنضطر أحيانًا إلى تغيير الكثير من أهدافنا، والتأقلم مع الواقع الجديد، خاصة نحن الذين نعاني من أزمات الحروب والتهجير والاغتراب والتضييق، وبالأخص معاشر الشباب من الذكور والإناث، الذين اصطدمت أهدافهم ومشروعاتهم وخططهم بجدار عالٍ من الظروف القاهرة.

فما الحل؟!

هل الحل أن نستسلم للتأقلم، ونؤمن بالهزيمة، ونغير وجهة أفكارنا وأحلامنا؟ أم الحل أن نتعلق بأحلامنا الماضية، ونتشبث بها، ونبحث بحثًا دؤوبًا عن سبل إحيائها؟

هذا السؤال الذي امتشقت القلم اليوم لأكتب عنه، لأقول ببساطة: لا تترك هدفك، لا تربط تحقيق أهدافك بالظروف، تعلّق بالقشة ولا تغرق. لسنا أنبياء ليجري الله على أيدينا المعجزات والخوارق، ولكن في الوقت ذاته فإن الرب الذي أجرى هذه المعجزات حي باقٍ قيوم إلى الأبد، فلا تفقد الأمل.

فلنقرأ سويةً هذه الآية من القرآن الكريم، والتي نرددها دائمًا وندفّئ أفئدتنا بسماعها، ونرطّب ألسنتنا بسماعها، فلا مانع هذه المرة أن نحلّق بأرواحنا في فضاءات تدبرها، قال الله تعالى: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ» (البقرة: 286).

نقرؤها كثيرًا ونفهمها من وجه واحد، أن الله لا يشقّ علينا، فيميل الناس إلى اليسر، وما ليس فيه مشقة، مع أنني أفهم الآية أن الله ما وضعنا فيما نحن عليه إلا لعلمه أننا قادرون على اجتيازه، فهو من خلق أنفسنا ويعلم مدى صبرها وقدرة تحملها، ودعانا للصبر كثيرًا، وبشر الصابرين منا، وأمرنا بأن نكون أولي عزم وقوة وثبات، ومدح رسول الله المؤمن القوي وفضّله على المؤمن الضعيف.

كل هذه الدلائل تشير إلى أننا قادرون على اجتياز ما يمر بنا وأنفسنا مهيّأة للتصدي للظروف القاهرة، بل إن أهل الخير والصلاح من الرسل والأنبياء ومن معهم يزلزلون، وتضيق بهم الدنيا؛ ليمتحن الله ثباتهم، وكذلك أنت وأنا وكلنا، ممتحنون في ثباتنا وقدرتنا على التحمل مع التوكل على الله، فلا تهن ولا تستسلم ولا يرين الله منك في امتحانه لك إلا الثبات الثبات.

هل يستسلم الغريق للماء؟ ويتأقلم مع ثيابه المبلولة ويرضى أن تذبل همته وتفتر فيسقط غريقًا؟

بالطبع لا يقبل وسيقاوم حتى آخر نفس، سيتعلق بالقشة وما دون القشة، سيتعلق بقطرات الماء على سطح البحر الذي أغرقه، سيمدّ يده للهواء يمسك جزيئاته، ولا يستسلم للغرق، وإن مات يموت مقاومًا باحثًا عن الحياة، ساعيًا للتغلب على ما حوله، ولا يموت ذليلًا ضعيفًا هينًا.

إن كان هذا حال الغريق، والذي يعلم أن الموت محيط به، فلماذا تستسلم أنت والحياة تحيط بك من كل جانب؟!

تركنا بلادنا، لكننا لم نترك أهدافنا، ولن نتركها بإذن الله، وفارقنا أوطاننا، لكننا لم نفارق طموحاتنا التي عاشت معنا، وكبرت معنا، وكبرنا معها.

إن الموت ليس مفارقة الروح الجسد، فهذه نزعة واحدة ثم ترتاح، ولكن الموت في أن تفارق الآمال روحك، في أن تستقر الخيبة في أفكارك، وتهيمن الهزيمة على أركانك، الموت أن تبكي أحلامك بكاء الطفل العاجز كل ليلة، وأن تغمض عينك للنوم وليس في قلبك صارخ يصرخ قم لتحقيق ما تريده وتطمح إليه، قم لكسر القيود ونيل المنى.

الموت ليس ما يفرّق بينك وبين الحياة، بل الموت ما يُفسد عليك حياتك ويجعلك تتمنى فراقها. قم من صباحك لتحقيق حلمك وقل: الله معي، وهو عند حسن ظني به، وأنا كذلك عند حسن ظنه بي، ولن أخذل ربي ولن أستسلم.

إن الله يحبك قويًّا فلا تريه ضعفًا منك عند الشدائد، ويحبك جسورًا شجاعًا فلا تبق في قلبك حذرًا من الحياة ما دمت تثق بخالقها ومدبرها، إن الله يحبك رقيقًا في مناجاته، عزيزًا في مناجاة غيره، فكن كما يحبك الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد