عن ذكريات باسمة لا تدعنا حتى في أشد اللحظات ظُلمة، وتكرار المحاولة للنجاة.

أورد مات هيغ في بداية كتابه «أسباب للبقاء حيًا» أنه كان محاطًا بمنظر بديع للغاية، من البحر والشواطئ البيضاء والفيلا ذات الورود، ومع كل هذا الجمال، فقد كانت الفكرة الملحّة الوحيدة في عقله أنه يريد أن يموت، الآن.

الاكتئاب غادر، له طبيعة شديدة الغدر والخيانة. نجلس محاطين بأصدقائنا نضحك ونأكل، ثم تأتي الفكرة فجأة، في ثانية واحدة: لا أستحق كل هذا الجمال، يجب أن أموت الآن. نشاهد فيلمًا ننتظره على أحرّ من الجمر منذ عامين تقريبًا، وفي عزّ الانشغال بأحداثه وما سيحدث لأبطاله، تطلّ الفكرة برأسها بغتة: لا أستطيع الاحتمال، حياتي تعسة جدًا، لا بدّ أن أموت الآن. نجلس في عيد ميلاد أحد أصدقائنا متأنقين، نستمتع بوقتنا حقًا، وفي ثانية واحدة: لا يمكنني أن أسبب لهم كل ذلك الألم، الشعور بالذنب ساحق، لا أستحق أن أعيش، هم سعداء من دوني.

تمامًا كالعملة عندما تقلبها بين أصابعك: ملك ولّا كتابة؟ ولا تعرف أيهما يعني اعتدال مزاجك، والآخر يعني بحثك عن أعلى طابق يضمن لك خلاصًا سريعًا، وليس حياة طويلة مضنية بشلل رباعي ونظرات الرثاء واللوم.

الاكتئاب غادر ومفعم بالخيانة.. ولا نريده

هل تظنون أننا نحب هذا؟ نجلس بانتظار أن تنقلب العملة؟ هل تعتقدون أن حياة خالية تمامًا من المعنى أو الهدف، ومليئة بإحباطات وإخفاقات مستمرة، تعجبنا؟ نحن نحاول، بقوة، التغلّب عليه أو التعايش معه ومحاولة تناسيه. زيارات لأطباء نفسيين، أدوية وعلاجات جديدة، سفريات، ضحك مع أصدقاء، شراء ملابس جديدة، محاولة قراءة كتب مفيدة، البحث عن الحب، المحاولة، المحاولة، الكثير جدًا منها. هل تظنون أن حالنا هذه تعجبنا؟

حسبت قريبًا كم أنفق على أدويتي وزياراتي للأطباء، وهالني المبلغ. نسيت طبعًا أنني أجريت الحسبة نفسها من قبل وأنني أعرف الرقم، نسيت لأن ذاكرتي مليئة بفجوات متسعة مثل إسفنجة منهكة ومشبّعة بماء آسن. فكّرت أنني لا أستحق كل هذا، وأن أمي تنفق عليّ من مالها الخاص، ولا يبدو أي تحسّن قريبًا، فأغلب أمراضي مزمن وهذه الفاتورة ستتفاقم مع زيادة التعويم والتضخم. أريد أن أتخلص من حياتي حالًا، لأني لا أستطيع العمل أو الكسب، وهذا المبلغ كبير جدًا.

ثم هدأت قليلًا. صوت في داخل عقلي راح يتساءل « تعتقدين أنها تفضّل دفع ذلك المال للطبيب والأدوية على أن تدفعه للحانوتي ومكان للدفن؟ لا تتحدثي بلسانها، اسأليها إن كانت ضجرة مما تفعله أم لا».

الضباب يحتلّ كل أجزاء عقلي

أحاول العمل فلا أستطيع، ولا أعرف بالضبط ما يعيقني عنه. الاتهام بالتكاسل و«العلوقية» جاهز تمامًا وأقرب مما أتصوّر، ولم أعد أصدّق نفسي حينما أقول إنني لا أستطيع التركيز، أو أن تشتت ذهني يعيقني عن الفهم، أو أنني أنسى كثيرًا جدًّا. أتذكر أنني في إحدى السنوات صحت في نفسي «يكفي هذا!» وجلست إلى مكتبي، وأغلقت الهاتف والكمبيوتر والباب، ثم أخذت أنفاسًا عميقة وأحضرت ورقة وقلمًا، وأخذت أحصي كم صديقة لي وفي أي بلد تسكن، وما اسم أطفالها بالضبط. جميع صديقاتي في مرحلة ما أنجبن بنات، وعسير عليّ تذكّر أسمائهن جميعًا. لماذا لم يطلقن عليهن «مارية» كلهن ونخلص ونستريح بقا؟ في الورقة رسمت دوائر وخطوطًا وكتبت الأسماء والبلدان ووصلتها بعضها ببعض، ثم التقطت نَفَسي ونهضت لأفتح المروحة. عندما عدت للمكتب، لم أفهم ما المكتوب على الورقة، ولا لماذا هي محاطة بكل تلك الدوائر. كرمشتها بعنف وتخلصت منها، لأنني شعرت أنها شاهدة على عاري: لا أستطيع التذكر.

الذرّات التي تجذب انتباهنا.. التركيز في المساحات الدقيقة

مع الوقت، طوّرت عادة غريبة بعض الشيء.

لا يمكنني التركيز أغلب الوقت فيما يقوله مَن أمامي، لو طال حديثه أسرح ولا أعود أسمعه إلا لِمامًا، وبدلًا عن ذلك أنتبه بقوة لتفاصيل في غاية الصغر: اختلاجة جفن أو انكسار في النظرة، تأتأة بسيطة، تغيّر في نبرة الصوت، حركة متوترة من الأصابع في محاولة لاستجماع الكلام، نظرة ملل عابرة، هزّ الساق مع محاولة التظاهر بالهدوء، إخفاء رعشة اليدين أسفل الطاولة، طريقة ثني الأصابع للإمساك بفنجان القهوة، التعامل مع الهاتف المحمول لكل واحد من أصدقائي: هل هو عصبي أم عادي أم يتظاهر بأنه كذلك؟ حركة بسيطة في ركن الفم، نظرة ميّتة تحجبها ابتسامة عريضة زائفة، شدّ في عضلات الرقبة، ارتكان الذراع براحة تامة على جانب الكرسي إلى جواري.. وهكذا.

صارت لديّ ذاكرة خاصة بالأحداث، مختلفة عمّا يتذكره الآخرون. صرت أعرف عدد الشعرات البيضاء في رؤوس أصدقائي ومكانها لدى كلٍ منهم، أعرف بالضبط اسم الأغنية التي تجعل نظرة صديق قديم لي أكثر حنانًا، وأفهم من طريقة فرد صديق ثالث لأصابعه، أو ثنيها، نوع مزاجه بالضبط، حتى لو تظاهر أنه بخير جدًّا ولا شيء يفتّ في عضده.

أتذكّر أول مرة رأيت فيها أقرب أصدقائي يضحك، بصوت. نعرف بعضنا منذ سنين طويلة، ولم أره مرة واحدة يبتسم حتى. أذكر ما كان يحكي لي وقتها، وأين وقف من الشارع، وكيف كان ضوء المصابيح يأتي من ورائه، وعيناه تلمعان بقوة: يكمل حكايته ويضحك. أذكر أنني أول مرة ساعتها أعرف أن لديه غمازتين. طبعًا، ولأن هذه حكايتي أنا، استغرقني الأمر عامين ونصفًا كي أقول له «على فكرة إنت بقيت بتضحك» وهو يجرّب نوعًا جديدًا من الآيس كريم. صمت للحظة ثم قال «ماشي»، وواصل التهام كوبه.

حكاية النعناع وما يفعله في ثنايا الروح

أتذكّر أول مرة ذهبت فيها لفندق «نضيف جدًّا» في الإسكندرية. كانت أختي مسافرة لحضور شيء ما تابع لعملها، وقد حجزوا لهم جميعًا في فندق فاخر على البحر، ولمّا كانت الغرفة بسريرين دعتني للسفر معها ووافقت. عندما وصلنا، كنت مبتهجة جدًّا أنني سأرى البحر أخيرًا، كما أنني خططت لزيارة «كل المتاحف» والتمشية بطول الكورنيش وعرضه ورؤية الأصدقاء.. إلخ، في يومين فقط. تركوا أمتعتنا في ساحة الاستقبال المزدحمة، وأتت موظفة يظهر من ملابسها وطريقتها في التعامل أن رتبتها كبيرة، هي من اصطحبتنا للغرفة.

عندما دخلنا وأطلعتنا على كل شيء بها، وألقت دعابة متعلقة بالشرفة أنا متأكدة أنها كررتها مئات المرات من قبل، ترددت لثانية قبل أن تنصرف. أخرجت من جيبي نقودًا كنت قد أعددتها لهذه اللحظة كما رأيت في الأفلام، ولمّا كنت محرجة جدًّا لأن «رتبتها كبيرة» فقد سألتها «ينفع يا أفندم؟ أصل أنا أول مرة آجي فندق زي ده»، وبدأ عرقي في الانهمار، فضحكت ببساطة وقالت «آه ينفع، شكرًا لذوقك»، وأخذت النقود وانصرفت وهي مبتسمة.

كنت قبل هذه الرحلة مباشرة قد اكتشفت «باستيليا النعناع» من كورونا، وهي شيء هلامي أخضر مغطّى بالسكر ويُحدث انفجارات سعيدة جدًا داخل الفم تجعلك مبسوطًا طوال اليوم، هذا طبعًا قبل أن اكتشف أن هذه الانفجارات تسبب لي نوبات ليست سعيدة أبدًا، من الصداع النصفي، وأتوقف عن تناولها. وقتها كان لديّ في حقيبتي مخزون علبة كاملة، أخرج منه كل يوم ثلاثة أكياس أو أربعة، وأنزل للتمشية وأعطي كل مَن أقابلهم من موظفي الفندق منها «تاخد باستيليا بالنعناع؟ دي حلوة أوي وبتفرقع في البق!» ويأخذونها مبتهجين. في نهاية الرحلة شعرت بأنني عبيطة جدًا ولا بدّ أنهم يسخرون في سرّهم من تلك النزيلة البلهاء التي توزّع النعناع. اكتأبت للخاطر.

عندما حضّرنا أمتعتنا للانصراف لم يأتِ أحد لإنزالها. كنت أنا وأختي قد تشاجرنا من اللحظة التي ركبنا فيها السيارة في القاهرة متجهتين لمحطة القطار، ولم نتبادل كلمة واحدة طوال الرحلة. أنزلت هي حقيبتها لصالة الاستقبال لإنهاء الأوراق، ورحت أنا أطوف في الشوارع المحيطة بالفندق بحثًا عن أي محلات فاتحة في تلك الساعة المبكّرة؛ لأشتري أي شيء يصلح كهدية لصديقي الذي حادثته في الليلة السابقة وقال إنه لا يحب الأصداف ولا القواقع التي أعشقها واشتريت كثيرًا منها. لم أجد أي شيء رجالي حولي، ثم انتبهت لنصبة سجائر في مدخل عمارة محامين، قديمة جدًا وعمّو الذي يبيع السجائر أقدم منها. توّجهت له بتردد وسألته عن نوع يفضّله صديقي هذا، وأخبرني بأنه لم يعد يجده في القاهرة. أخرج لي البائع علبة، ثم اخترت ولّاعة لها لون “لايق” مع لون الشريط المزيّن لها، وتجاهلت نظرة البائع وحاسبت وانصرفت. عندما أعطيتها لصديقي لاحقًا، وضعت معها كيس باستيليا بالنعناع، وتلقّاها ضاحكًا بقوة، وشاكرًا. في د الرحلة نفسها، قابلت أخيرًا أ. علاء خالد، في جلسة شديدة اللطف والجمال، ولم أكن أحمل له أي هدية ساعتها غير كيس باستيليا، أعطيته له وأنا خجول جدًّا منه، لكنه أخذه وهو يبتسم، ومنحني ديوانًا جديدًا له «لسه نازل المطبعة طازة.».

أخذت حقائبي وتوجّهت خارج الغرفة، وجدت عاملة تنظيف الغرف، عمرها أصغر مني ومظهرها نظيف جدًا وأنيق. ترددت قليلًا ثم أخرجت من جيبي نقودًا، وتوجّهت إليها وقلت لها «الغرفة كانت نضيفة جدًّا، تسلم إيدك»، فأخذتها مبتهجة وابتسمت لي، ثم لوّحت بيدها «مع السلامة» عندما ركبتُ المصعد. بعدها بعام تقريبًا قرأت مقالًا إنجليزيًّا يحثّ نزلاء الفنادق على منح البقشيش لعاملات تنظيف الغرف، وابتسمت لنفسي.

حيرة

لا أعرف ما الذي أفعله، ولا كيف سأمضي بعد ذلك أو أصرّف أموري. لا أملك عملًا ثابتًا ولا أستطيع الاحتفاظ بعمل، والضباب داخل عقلي لا يشجّعني على أي شيء، ولا أتذكّر الأشياء بطريقة صحيحة أو أجد رابطًا بين ما أتذكّره وأقوله وما يحدث حولي، ومصروفي مهدد بالانقطاع حالًا. لكن كل ما آمله أنني تركت انطباعًا طيّبًا لدى عدد من الناس، لأنني أعتقد أن هذا ما سيشفع لي. وأنا مرهقة جدًا وتعسة ومخّي وارم، لكن يمكنني مواصلة المحاولة، لأنني لا أريد الجلوس بانتظار قلب العملة ثم إساءة استخدام سكين المطبخ.

أما آن لهذه الأيام الثقيلة أن تنتهي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد