صديقي..

لا تخجل مني واشكُ لي همَّك، فأنا من طينتِك وأشعر بما تشعر، وأرجو ما ترجوه، وسنتحدث عمَّا بداخلنا، ونبحث سويًّا عن مخرج لهذا الهم الذي طالما آلمنا. وقبل أن أتحدثَ إليك، أطلب منك أنْ تُغمضَ عينَيْك، وتقرأ بقلبك هذه الآيات: «وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25)» [يوسف: 23-25].

وتخيل أنَّك مكانَ يوسفَ – عليه السلام – ونادتك تلك المرأة بجمالها وسلطانها! فأنت هنا بين خيارين لا ثالث لهما: إمَّا نَعِمْتَ بجمالها ونفوذها وأشبعتَ رغبتك، أو صبرتَ واستعصمتَ بربك، وهذا ما فعله العفيف المعصوم – عليه السلام -، بل فضَّل أن يُسجنَ عن الوقوع في الذنب.

والآن، هيَّا نفرق بين خلوتين: خلوةٍ تُهلكك دِينًا وصحةً، وأخرى تُحييكَ قلبًا وعقلًا.

الخلوة المُهْلِكة

كم من مرةٍ كنتَ وحيدًا، وآنسك الشيطان في تلك الوحدة، ووسوس إلى صدرك؛ فذكرتَ هذا بسوءٍ، أو نظرتَ إلى تلك وأطلقت النظر، أو تذكرتَ ذات الرداء المُشفِّ المُحددِ لمفاتنها، أو بلا تفكير شاهدتَ صورةً ما أو أكثر من ذلك؛ فلبَّيتَ مقصِدَ الشيطانِ وسقطتَ! ولم تلبث بُرهةً وندمت!

لا تحزن! لأن الفرصة أمامك كي تعودَ وتفيقَ من غفلتك، فما هي إلا غفلةٌ ستمر كمرور السحاب، وبيدك ألا تسمح لها بالعودة من جديد، ولكي تضعَ لها الحدود، وتُشيدَ أمامها السدود؛ عليك بتلك الخلوة الماحية المطهِّرة.

الخلوة المُطَهِّرة

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن الصادق الأمين – صلى الله عليه وسلّم – قال: «سبعةٌ يُظلهم الله بظله يوم لا ظلَّ إلا ظلّه، ومنهم: … ورجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه…». هذه هي الخلوة التي سترفع من همتك، وتُعلي من قدرك عند ربك، وتغسل قلبك، اجلس مع ربك واشكُ له ما بداخلك، استغفره لذنبك، هو وحده من سيغير حالك، ويبدلها من أسفل القاع إلى أعلى القمة.

اُترُك الحياةَ بجميلها وسيئها، وحلوها ومرها، واختر لنفسك سويعاتٍ تتلو فيها القرآن وتتدبر، وتذكر ربَّك وتُنَاجي، عاهد الله على عملٍ خالصٍ لوجه لا يعلمه سواه، ادعُه بالثبات والعون على ترك المعصية. وأنصحك نصيحةَ صديقٍ وَفيٍّ: لا تستسلم لذنوب الخلوات ففيها لك وللجميع ضياع وهلاك، وفي الوقت نفسه لا تيأس من رحمة الله إن عُدتَ وأذنبت، ولا تؤخر التوبة لفترة بعد الذنب، فربما يأتي أجلك وأنت متكاسل عنها وخائف ألَّا تُقبل.

وأنتِ أيضًا يا أختاه.

لا تسمحي لنفسكِ أن تكوني فتنةً لصاحبِ قلبٍ مريضٍ، أعماه الشيطان وأغرقه في الذنوب، فبلباسك الفَضفاض، وحجابِك المتزن، وطاعتك لربك؛ تضعين سُورًا بينكِ وبين أولئك المُحاطين بالشياطين. ولا تظني أنَّ الرداء الضيق، والكلام الرقيق مع الزملاء، والتعامل بصدق نية مع الجميع خير، بل شر لكنك لا تعلمين، فأنا أعلم أن داخلك صافٍ، لكنك لا تعرفين الصادق من الكاذب، وما أكثر الممثلين هذه الأيام؛ فاحذري.

وأختم حديثي معك بحكاية المؤذِّن المُذنب:

كان لأحد الخلفاء مؤذنٌ يؤذن له وقتَ كلِّ صلاة في قصره، وحينما مرت جاريةُ الخليفةِ بهذا المؤذِّن؛ نظر إليها وأطلق النظر، فأبلغتْ الخليفةَ بذلك. كاد الخليفة أن يقتله من شدة غيرته على دينه، لكنَّه تمهل وقال للجاربة: «تجملي وتطيبي واذهبي إليه، وقولي له إنّ  في قلبي لك أكثر مما في قلبك لي، وإن أردتَ مكّنتُكَ من نفسي ما تريد، والخليفة غافل الآن، فإن لم تفعل فلن أرجعَ إليك أبدًا»؛ فردَّ ردًّا عجيبًا! رفع رأسه إلى السماء وقال: «يا جليلُ أين سترك الجميل، يا جليلُ أين سترك الجميل؟!»؛ ثم نظر إليها وقال: «اذهبي ولا ترجعي أبدًا، فعسى أن نلتقي بين يدي الله يوم القيامة». [القصة مأخوذة عن الشيخ/ مشاري الخراز].

أتعلم يا صديقي كيف كان جزاؤه؟ أمرَ الخليفةُ  بأن تُوهب هذه الجارية له، وفوقها خمسون ألف درهمٍ ينفقها عليها، كان هذا جزاءه في الدنيا بعدما تاب وعاد، واستحضر عظمة ربه، فما بالك بجزائه في الآخرة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تنبيه, دين, وعي
عرض التعليقات
تحميل المزيد