غالبًا ما تؤدي الحروب والنزاعات المسلحة والاحتلال العسكري إلى تدهور الخدمات الصحية، والتعليمية، والاقتصادية، والاجتماعية، وتعليق البرامج الإنمائية، وتهجير أعداد كبيرة من المدنيين، بالإضافة إلى الخسائر البشرية التي تمس الأبرياء.

رغم أنه قد لا تقل معاناة الرجال بسبب الحروب والنزاعات المسلحة عن معاناة النساء، لكن هذه الأخيرة تختلف من حيث النوعية والتأثير باختلاف دور ومسؤوليات النساء، وبثقافة المجتمع، ونظرته إلى المرأة.

حيث تشتد معاناة النساء في مثل تلك الظروف نتيجة تعرضهن إلى أشكال عديدة من العنف المباشر مثل الاغتصاب، والتهجير، والقتل، والاعتقال، بفعل الأعباء والمسؤوليات الإضافية الملقاة على عاتقهن كزوجات وأمهات.

وبسبب ما يسود من عدم المساواة بين الجنسين، تعاني المرأة أكثر من الرجل من آثار تلك النزاعات والحروب، وتزداد المشكلة تفاقمًا نتيجة عدم إيلاء قضايا المرأة ما تستحق من اهتمام في مرحلة ما بعد النزاع، على الرغم من أننا نتفق أن المرأة هي جزء عظيم من المجتمع، وليس كله، حيث يتركز الاهتمام في المرحلة التي تلي نهاية تلك النزاعات على قضايا يعتبرها القادة السياسيون أكثر إلحاحًا، كإعادة الإعمار والتعمير وإعادة توزيع السلطة، وإن كان هذا ضرورة في إعادة هيكلة الدول وبنائها، إلا أن هنالك قضايا وجب إيلاؤها اهتمامًا أسبق وأكثر من غيرها.

ذلك أن أكثر العناصر المتضررة خلال تلك الحروب والنزاعات هي الذات البشرية، وتحديدًا النساء، فهن أكثر عرضة للتأثر بمخلفات تلك المراحل البشعة، وبالقول إن النساء تبنين الرجال والأمم فمن الأولى أن يتم الاهتمام بتعليمهن وعلاجهن وتعزيز أدوارهن في المجتمعات.

من خلال وضع برامج تفيد النساء وتعمل على تحسين فعاليتهن في المجتمعات المتضررة، فبناء النساء هو بناء الأمم.

وفي هذا الصدد يقول مالك بن نبي:

وجب أن توضع المرأة هنا وهناك، حيث تؤدي دورها خادمة للحضارة، وملهمة لذوق الجمال، وروح الأخلاق، ذلك الدور الذي بعثها الله فيه أمًا وزوجة للرجل.

حيث سعى المفكر الجزائري إلى الدعوة والتأكيد على أهمية دور المرأة الحضاري في المجتمع، بعيدًا عن المقارنات الفارغة التي يقيمها أصحاب التفكير المحدود بين دور المرأة والرجل.

فباجتماعهما يكونان الفرد في المجتمع فالمرأة شق الفرد، كما أن الرجل شقه الآخر، وبيّن الرسول – صلى الله عليه وسلم – ذلك بقوله:

«النساء شقائق الرجال»، والله عز وجل خلقهما من نفس واحدة، قال تعالى:

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً».

يقول مالك بن نبي أيضًا: المرأة والرجل قطبا الإنسانية، ولا معنى لأحدهما بغير الآخر، فلئن كان الرجل قد أتى في مجال الفن بالمعجزات، فإن المرأة قد كونت نوابغ الرجال.

وقد ضم المؤتمران الدوليان الأخيران للصليب الأحمر والهلال الأحمر (1996 و1999) إشارات خاصة تتعلق بحماية النساء، حيث حث المؤتمر الدولي السادس والعشرون على سبيل المثال في قراره الصادر بعنوان حماية السكان المدنيين في فترات النزاع المسلح على اتخاذ تدابير قوية لإمداد النساء بالحماية والمساعدة التي يستحقونها بموجب القانون الوطني والقانون الدولي.

وتعهدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في المؤتمر السابع والعشرين ضمان تقييم احتياجات الحماية الخاصة والصحة، والمساعدة التي تحتاجها النساء والفتيات المتأثرات من النزاعات المسلحة تقييمًا مناسبًا في عملياتها، بهدف التخفيف من حالة الأزمة التي تعاني منها الفئات الأكثر عرضة للتأثر والتشديد في أنشطتها على الاحترام الذي ينبغي أن تحظى به النساء والفتيات… والعمل على النشر النشط للحظر المفروض على جميع أشكال العنف الجنسي لأطراف نزاع مسلح.

كما أن قضية تأثر النساء بالنزاعات المسلحة قد نوقشت مؤخرًا بين الحكومات أيضًا، سواء في سياق الاجتماعات التي ركزت بوجه خاص على النساء مثل المؤتمر العالمي الرابع للمرأة في بكين، ومؤتمر «بكين + 5» الذي انعقد في نيويورك شهر يونيو (حزيران) سنة 2000، أو في المنتديات التي كانت تتناول جداول أعمال أوسع نطاقًا، مثل الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وعلى الرغم من أن العالم تحرك نوعًا ما للاهتمام بقضايا النساء في هذه الحالات، إلا أنه وبسبب ما يسود من عدم منهجية وعقلانية وترتيب للأولويات الفكرية والمجتمعية في مواجهة مراحل بعد الحروب والأزمات، فالاهتمام بقضايا المرأة يبقى آخر اهتمامات الشعوب والحكومات، على الرغم من الدور العظيم والتغيير الإيجابي الذي ستلعبه المرأة في تحسين المجتمع، ورفع كفاءة أفراده، وتنمية مختلف المجالات، إذا ما تم الاهتمام بها، والحرص على إعطائها حقها كاملًا في التعليم والمشاركة الفعالة في مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية، وتلقين المجتمع وأفراده بأن النساء هن صانعات المجتمعات والمستقبل إلى جانب الرجال، وأن بناء امرأة هو بناء أُمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد