ثمة غريزة قائمة بالنفس الإنسانية تنبت معه منذ الصغر وتكبر وتتقوى معه مع مرور الزمن، ألا وهي الرغبة الشديدة في التشبث بالرأي والاعتقاد بصحته تمام الصحة، والدفاع عنه ضد أي منتقد، والتي تصل أحيانًا إلى الرغبة في إنهاء حياة الطرف المنتقد، والتي إن أردنا اختصارها لم نستطع إلا أن نقل إنها التعصب.

يعتقد البعض أن التعصب سمة قائمة بدين معين، أو مذهب معين، أو عرق محدد أو طائفة خاصة.

لكن إذا نظرنا إلى التاريخ بصفة عامة، وإلى تاريخ الأفكار بصفة خاصة سنجد أن التعصب قائم بالجنس البشري عامة.

إن هو إلا رجس مقيت من أرجاس العقل، مثله كمثل أرجاس النفس والجسد، والتي لا يستطيع أي ممارٍ أو مجادل أن يلصقها بدين أو مذهب أو جنس.

ومنشأ التعصب دائمًا للمتتبع وللناظر نابع من الجهل.

جهل بالطبيعة البشرية القاصرة عن إدراك كنهها، العاجز عن بلوغ الحقيقة بله عن امتلاكها.

جهل بدخليات الرأي أو الفكر المتعصب له، بحيث إنك إن سألت الشخص  المتعصب عن الأسس المنطقية والعقلية للفكر أو الرأي الذي تعصب له، ستجده أجهل من دابة، أو على أقل تقدير ستجده مجرد ببغاء يردد ما ورثه عن آبائه الأولين، والذين بطبيعة الحال قد يكونوا ساذجين جهلاء تسرب إليهم هذا الرأي أو الفكر نتيجة حتمية لتخلفهم عن الحضارة والمدنية.

وهذا يقودونا إلى سمة أخرى أو قانون آخر من قوانين التعصب، ألا وهو الغرور.

ثمة غرور خفي في المتعصبين يظهر في اعتقادهم الراسخ لا في صحة الرأي أو الفكر المتعصب له، بل في يقينيته وصوابه الحتمي والبديهي في نظرهم.

فإذا اعتمدنا على السمة الأولى، ألا وهي الجهل، في تحليل هذه السمة نستطيع أن نقول إن منشأ سمة الغرور في المتعصبين هو الاعتقاد الراسخ في قدسية من سلف من الآباء و الأجداد على اعتبار أن معظم الأفكار والآراء التي اشتهرت بالتعصب الفج لها هي آراء متوارثه عن أجيال سالفه وغابره.

أما الآراء والأفكار غير المتوراثة، فاعتمادًا أيضًا على سمة الجهل نستطيع أن نقول إن الجاهل عندما يرى من هو أقدر منه على تنميق الأراء وتزويق الأفكار، ويتملكه الإعجاب بها يصبح مغرورًا متباهيًا بأنه أصبح متبنيًا لهذا الرأي والفكر الذي طرحه له معسولو الألسنة وسحرة العقول.

السمة الأخرى من سمات التعصب، والتي يمكن أن نتكلم عنها، هي الرغبة في التوحد والتسلط.

ثمة استثناءات نادرة لآلاف المذابح والمجازر والاضطهادات التي مرت على أزمنة التاريخ، والتي يمكن أن نقول إنها حدثت من غير التعصب.

إذا راعينا في أذهاننا ما تكلمنا عنه من سمات التعصب من جهل وغرور، وما تستتبعه من الاعتقاد الجازم والراسخ بصحة ويقينية الرأي والفكر المتعصب له، تتولد رغبة التوحد والانفراد.

وتتردد أقوال في عقول المتعصبين تلقائيًّا، أو يزودها ويزيدها اشتعالًا من في أسفل درجات الجهل والبهيمية.

«لا ينبغي أن يوجد بشر يعتقدون غير اعتقادنا»

«وإذا وجدوا فهم ليسوا أفضل منا»

«وإذا كنا ذوي سلطة واقتدار فلا يستحقون عيشًا أفضل منا»

«ولو بعد كل ذلك صمدوا فلا ينبغي أن تمنح لهم الحياة»

وتزداد رغبة التوحد والتسلط شراسة وشراهة، إذا وجد من ينتقد ويرفض ويعاند تلك الأفكار المتعصب لها، ولكن ليس بسلاح التعصب نفسه، ولكن بسلاح العقل والمنطق، والفكر بالسلاح الذي شرف الله بني آدم على سائر المخلوقات به، وهو سلاح العلم.

تتهاوى عنده قلاع التعصب المشوهة المشيدة من رمال، والقائمة أيضًا على رمال.

عندها تزداد شراسة وشراهة الرغبة في التوحد والتسلط كما قلنا، ويزداد وجه التعصب قبحًا ومقتًا، وتصبح الرغبة في إنهاء حياة الطرف المقابل هي الحل الأخير، أو هي النشوة العظمى لآخر رشفة من كأس التعصب العفنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التعصب, سمات
عرض التعليقات
تحميل المزيد