إن كل أداة تقاس فاعليتها بكيفية أدائها لغرضها وإن للغة ثلاثة أغراض:
1. التواصل والتفاهم والتخاطب.
2. التعبير عما في وجدان المرء.
3. أن تكون وعاء للمعرفة والحضارة.
و هي وظائف تقوم بها كل اللغات، إلا أن بعض اللغات تتفوق في قدرة استعمالها في هذه الأغراض. ولا شك بأن أفضل لغة بهذه المعايير هي اللغة العربية.
نَيل العربية هذه المكانة ليس محاباة أو عصبية، إنما أمر واقع وموضوعي. فالعربية نالت هذا المكان بخصائصها التي تتميز بها. وقد اخترت خصائص موجودة في العربية فقط أو في بعض اللغات فقط لأن التميّز لا يكون بالأمور المشتركة. الخصائص بشكل مختصر هي:
1. الوسع اللفظي.
2. الاشتقاق.
3. الإعراب.
4. الدلالة الصوتية.
5. التوكيد.
6. طرق النفي.

7. حروف العطف.

8. دلالة الحرف.

9. الاستقبال.

10. التصغير.
11. المبالغة.

12. المثنى وجمع الجمع.

13. صيغ الكلمة.

14. الحذف.

15. التذكير والتأنيث.

16. جمود الهيكل ومرونة الاستعمال.

17. الانتشار.

1 و2. الوسع اللفظي والاشتقاق

أما إذا ناولنا الأمر بنوع من التفصيل، فإننا نستطيع القول بأن أوسع لغة هي العربية ولا يحيط بكلها، إلا نبي كما قال الشافعي. يقال إن في العربية 000 000 1 مفردة غير متكررة إذا جُمعت مواد المعاجم. وبما أن العربية لغة اشتقاق، فإن عدد المفردات أكثر مما وجد في المعاجم.

 فمثلًا ذكرت الموسوعة العربية العالمية أن جذْر ع و د تتفرَّع منه المفردات: عادَ، وأعادَ، وعوَّدَ، وعاودَ، واعْتادَ، وتَعوَّدَ، واستعادَ، وعَوْد، وعُود، وعَوْدة، وعِيد، ومَعَاد، وعِيادَة، وعادة، ومُعاوَدَة، وإعادة، وتَعْوِيد، واعتِياد، وتَعَوُّد، واسْتِعَادَة، وعَادِيّ. وإذا ضُمّ المهمل فإن عدد المفردات ستفوق ستة آلاف ألف كما ذكر الزبيدي.

يعطي هذا الكم الهائل الفرصة للمتكلم لِأن يعبر بدقة عما يريد. فنعطي مثالا عن الرؤية والنظر. فهناك:
– رنا: أدام النظر إلى الشيء بسكون الطرف.
– رمق: نظر إلى الشيء من جانـب أذنـه.
– لمح: نظر إلى الشيء بعجلة.
– لاح: ظهر له شيء ثم خفي عليه.
– حدّج: رماه ببصره مع حده نظر.
– توضّح: نظر نظرة المسـتثبت.
– استشرف: نظر واضعًا يديه على حاجبيه.
– حدّق: فتح جميع عينيه لشدة النظر.
– نظر شزرًا: أعاره لحظ العــداوة.
– شخّص: فتح عينيه وجعل لا يطرف.

– أبصر:  لما يراه بحاسة الصبر تحديدًا

وهنالك أيضًا رأى وشاهد ونظر وحملق وبحلق واستشف وغيرها.

3. الإعراب

أحسب أن اللغة العربية اللغة المعربة الوحيدة في العالم. وتعطيها هذه الخاصية حرية ترتيب الكلمات داخل الجملة. فإن وظيفة الكلمة تحددها الحالة الإعرابية وليس ترتيبها في الجملة. ومن ذلك ما نجد في القرآن: فأوجس في نفسه خيفة موسى. وخارج القرآن يكون الترتيب في لغة أخرى فأوجس موسى خيفة في نفسه.

و ثمة فرق دلالي كبير بين التعبيرين. فالتعبير الأول أعطى الاهتمام للشعور ثم قدم الجار والمجرور مما يدل على أن موسى كتم الخيفة وأخّر الفاعل لأن السياق عنه وهو معلوم.
وأما التعبير الثاني فهو ركيك يقدم الفاعل المعلوم، ويأخر الجار والمجرور؛ مما قد يعطي الإنباع بأن الخيفة كانت موجودة أصلا في موسى. ومن هذا أمثال كثيرة لا يسعها هذا المقال. وأكتفي بهذا المثل لأدل على ما قد قلت، فأي عربي يعرف لهذه الجملة دلالتها الصحيحة بفضل الإعراب: كتابًا خالدًا أعطى محمد.

بهذه الحرية تستطيع أن تصيغ الجملة المكونة من 4 كلمات ب24 صيغة مختلفة! كل صيغة بحسب ما تريد أن تركز عليه وتعطيه الاهتمام.

4. الدلالة الصوتية

وللصوت دلالة أيضا فخذ مثال الهز والأز في قوله تعالى: تؤزهم أزًا. وقوله: وهزي إليك بجذع النخل، فلأن الهمزة أقوى من الهاء استعملها العرب في ما هو أشد في الهز والإثارة.
ومن ذلك نضحَ ونضخَ فالنضْح لتدفق الماء الضعيف والنضْخ للتدفق القوي.

وكذلك أيضًا رقرقة الماء وغرغرة الغليان وزقزقة العصافير وصرصرة الجنادب وقلقلة الشيء وتمتمة الكلام وخرخرة الهرة فالعربية لغة الصوت والصورة والخيال والتناسق.

5. التوكيد

في العربية أدوات للتوكيد على الكلام وهن حرف اللام وإنّ وإن وقد ولقد والنون والنون الثقيلة والتكرار.
قد ولقد تؤكدان الماضي ولقد أقوى من قد.
اللام وإن وإنّ تؤكد المضارع بهذا الترتيب في قوة التوكيد.
النون والنون الثقيلة تؤكدان المستقبل.
والتكرار عام كقولك إياك إياك أو هيهات هيهات.
بهذه الأدوات تستطيع أن تصيغ الجملة بعدة طرق فتقول:
1 محمد قادم.
2 لمحمد قادم.
3 إن محمد لقادم.
4 إنّ محمدًا قادم.
5 إنّ محمدًا لقادم.
ومع حرية ترتيب الكلمات تستطيع صياغة الجملة المكونة من 4  كلمات وإضافة التوكيدات ب24*5= 120 صيغة!

6. طرق النفي

يقابل أدوات التوكيد النفي فثمة عدة طرق للنفي أيضًا.
لا: هي عامة وتنفي المضارع وتأتي أحيانًا لنفي المستقبل.

لم: تنفي الماضي.

ما: تنفي الماضي وهي أقوى في نفييها من لم وتقابل لقد.
ما مِن: أقوى من ما المجردة لأنها تفيد الاستغراق فتنفي الجنس كله.
إن: تنفي الماضي وهي أقوى في النفي من ما. مثال قوله تعالى: وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون.
لما: تنفي المضارع وهي تقابل قد وتفيد بإمكان حصول ما نُفي في المستقبل.
لن: تنفي المستقبل وهي لا، أضيف لها نون التوكيد فهي أقوى من لا.

7. حروف العطف

في العربية عدة طرق للعطف. فهناك:
واو: وهي عامة.

إذا الفجائية ليست حرف عطف، ولكن تدل على الفجاءة في الحدث كقوله تعالى: ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون.

فاء التي تدل على الترتيب والتعقيب.
ثم التي تدل على الترتيب والتراخي.

بل تفيد الإضراب عما تقدمها والاهتمام بما بعدها.

8. دلالة الحرف

من أعجب اللطائف أن للحرف الواحد دلالة في اللغة. فبالنسبة للمتكلم البليغ فقد يحذف حرف ليبين شيئا ما. كقوله تعالى: تنزل الملائكة والروح فيها. و: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة. لأن الأولى في ليلة واحدة والثانية في كل وقت وحين.

أو قوله: فما اسطاعوا أن يظهروه وما استاطعوا له نقبًا. ولأن الظهور على السد أسهل من نقبه سهّل اللفظ بحذف التاء.

ومنها قوله: ألم يك نطفة. فحذفَ النون لأن النطفة إنسان غير مكتمل وقال: ألم تكن آياتي… لأن آيات الله تامة فذكر تكن بشكل تام.

9. الاستقبال

وفي القرآن والبلاغة يفرقون بين سوف التي هي آكد والسين التي تدل على القرب في المستقبل. وتستطيع أيضًا صياغة المستقبل كماضي لتدل على حتمية الوقوع فكأنه قد حدث ومنها قوله تعالى: ونُفخَ في الصور فصَعقَ من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. وقوله: وسِيقَ الذين كفروا إلى جهنم زمرًا.

ويستعمل اسم فاعل للاستقبال أيضًا كقولهم: هذا قاتلٌ أخي.

10. التصغير

تستطيع في العربية أن تصغّر الاسم بوزن فُعَيل وفعيعل وفعيعيل مما يعطيك القدرة في التفرقة بين المجرم والمُجَيرم والنجمة والنُجيمة وهكذا.

11. المبالغة

وتستطيع أن تبالغ في الشيء بأنماط معروفة.

أول درجة هي صياغة الاسم كفعل فتقول هو يعلم.

الثانية أن تصيغها كاسم فاعل فتقول هو عالم.
والثالثة تكون بصيغة فعيل وفعول فتقول هو عليم صبور.
والرابعة بصيغة فعّال فتقول هو علّام.
والخامسة بصيغة فعّالة فتقول هو علّامة.

وهناك أوزان أخرى كمِفعال مثل مقدام وفُعَلة كهُمزة.

والمبالغة في المصدر يكون بإضافة واو وتاء فمُلك يصبح مَلَكوت والجبر جبروت والرحمة رحموت والرهبة رهبوت.

12. المثنى وجمع الجمع

وفي العربية مثنى وجمع الجمع بالإضافة للمفرد والجمع فتقول يد يدان أيدي أيادي وزهرة زهرتان أزهار أزاهير.
وهناك جمع كثرة وجمع قلة كقوله تعالى: فإذا انسلخ الأشهر الحرم. وهن أربعة وقوله: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا.

13. صِيَغ الكلمة

هناك عدة طرق لصياغة الكلمة الواحدة. تطرقنا إلى الصيغة الفاعل كفعل أو اسم. وهناك أيضًا صيغتان للمفعول وهما مفعول وفعيل فتقول مثلًا محمود أو حميد ومجروح أو جريح.
مفعول قد تفيد الاستقبال كقول كعب: إنك يا بن أبي سلمى لمقتول. وفعيل يقال لما هو أعظم وأدوم كقوله: إنه حميد مجيد.

وهناك 3 صيغ للفعل وهم فَعَلَ وفعّل وأفعَل فتقول قتل أو قتّل وكسر أو كسّر وتقول علّّم أو أعلم ونجّى أو أنجى. وزن فعلَ عام وفعّلَ لما هو أقوى أو امتد في الزمن وأفعلَ لما حدث دون استغراق زمن.

14. الحذف

ويكون لعدة أغراض نذكر منها
التخفيف والإيجاز:
ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى. وتقدير الجواب: لكان هذا القرآن.
و قوله: أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون * يوسف أيها الصديق… والتقدير بين الآيتين: فأرسلوه فذهب إليه وقال له.
التفخيم:
مثل قوله تعالى: حتى إِذا جاءوها وفُتحت أبوابها، وحذف الجواب لعِظم ما يجدون في الجنة.
التحقير:
كقوله: صُم بُكم عُمي. فحذف المبتدأ لحقارة شأنهم.

15. التذكير والتأنيث

وقد يعتبرها القارئ العربي شيء طبيعي، ولكن في كثير من اللغات، ليس هناك وجود للتذكير والتأنيث. ويستطيع المتكلم البليغ أن يذكّر المؤنث المجازي أو العكس بحسب المعنى. يقول الدكتور فاضل السامرائي:

في جميع القرآن حيث أنّث العاقبة فهي الجنة وحيث ذكّر العاقبة فهي العذاب لم يتخلف موضع واحد في القرآن. والأمثلة قوله:
فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين.
فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار.

16. ثبات الهيكل ومرونة الاستعمال

للعربية هيكل ثابت وقوالب معروفة لا تتغيّر. فيستطيع القارئ الحديث قراءة الشعر الجاهلي من 1500 سنة ويفهم معناه. وبذلك يستطيع العربي التواصل مع الماضي والحاضر والمستقبل ونقل المعرفة والثقافة عبر الأجيال. وفي نفس الوقت فللعربية قدرة هائلة في اشتقاق الكلمات وتوليدها فتتحمل الاستعمال في جميع مجالات الحياة.

17. الانتشار

إن من جدوى اللغة إنتشارها والعربية يتكلم بها نصف مليار إنسان في شتى بقاع الأرض وهي أسرع اللغات نموًا!

ولا تجتمع هذه الخصائص، إلا في العربية. ومع هذا كله فلم استغرق كل خصائصها بالتأكيد، ولكن هذا ما توصلت إليه من علم والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد