الصّرف التّعسّفي في الجامعة الأميركيّة في بيروت

لطالما عُرِفَ لبنان بأنّه منارة الشّرق ومدرسة بلاد الشّام، ولم تسقط هذه التّسمية عليه سهوًا، بل أتت نتيجة تقديمات تربويّة تعليميّة ساهمت على مدى عصور في النّهوض بالمنطقة وتخريج أدمغة بشرية تركت بصماتها الأبديّة ورسمت نقاطًا مفصليّة في تاريخ البشر، ولم تقف مساهمات العقول تلك عند حدود العالم العربيّ أو منطقة الشّرق الأوسط، لا بل أنّها تخطّتها لتتحوّل إلى ركنٍ أبديٍّ لدى القطاع التّعليمي الغربيّ والأدب العالميّ، قبل أن تنال شخصيّات لبنانيّة صفة «الأيقونة» عن وجه حق، إذ لا يجوز، ولا يمكِن أصلًا، تصوّر العالم خاليًا من كتابات جبران، أو رافضًا أطروحات حسن كامل الصّباح، أو عاجزًا عن إنقاذ مريض سبق لمايكل دبغي أن ساعد أمثاله بوضعه أسس عمليات القلب المفتوح.

الأكيد أنّ لبنان لم يبخل يومًا مع العالم بأجمعه من حيث التّربية والتّعليم، ولم يسعَ أبناء بلاد الأرز أبدًا إلى احتكار ما اكتسبوه من معلومات قيّمة كانت فيما بعد الحجر الأساس في انطلاق عمليّة تحسين الوضع المعيشيّ العالميّ، والدّليل الأكبر أنّ ما من أكاديميٍّ من أصول لبنانيّة إلّا ما استعان بالمنابر الدّوليّة لإنارة جمهوره ومشاركة العدد الأكبر من النّاس ما أتقنه من مهارات في قاعات المؤسّسات التّربويّة اللّبنانيّة من جامعات ومدارس وإرساليّات.

ويعود تاريخ لبنان التّربويّ إلى أيّام الاحتلال العثمانيّ للبلاد الّذي لم يقدِّم شيئًا طوال 400 عام من المكوث على أراضيه، فسارعت عندها البطريركيّة، الكيان الوحيد الّذي كان يتمتع باستقلال عن السّلطنة، إلى الدّعوة لإنشاء المدارس، وكانت أوّل مدرسة في بشرّي عام 1624 الّتي عادت الرّهبانيّة لتنقلها إلى وادي قنّوبين بعد 46 عاما. انتشرت المدارس بعدها على امتداد الوطن في مناطق مثل بسكنتا ودير القمر في أواسط القرن الثامن عشر، وكان تمويلها يتمّ عن طريق الوقفيّات. عاد القطاع التربويّ ليشهد ازدهارًا في عهد الأمير بشير الثّاني؛ وسمحت السّلطنة للطّوائف بإنشاء مدارسها الخّاصّة بها. ورافق التّنظيم التّربوي حينها خطط البعض لإنشاء جامعات أمريكيّة، حيث افتتح المبشر الدّكتور الأمريكيّ دانيال بليس الكلية البروتستانيّة السّوريّة في 3 ديسمبر (كانون الأوّل) من العام 1866. وكان لافتتاح الكلية أثرًا كبيرًا على دور لبنان الثّقافيّ في المنطقة، ففرضت واقعًا ليبيراليًّا جديدًا في عالم الدّراسة لطالما مؤسسها نادى بها. وتُعرَف اليوم هذه الجامعة بالجامعة الأمريكيّة في بيروت، وهي تُعَدُّ من أفضل الجامعات في العالم حيث لا تتخطى رتبتها الـ400 في العالم، إلّا أنّها كسائر المؤسّسات اللّبنانيّة، ترزح اليوم تحت عبء اقتصاديّ ضخم ناتج عن انهيار الليرة اللبنانيّة.

ولا يختلف اثنان أنّه لا يمكن أن يقضي الوضع الاقتصادي، ولو مهما ساء، على أعرق جامعات البلاد، باعتبارها جزءًا لا يتجزّأ من تاريخ لبنان الحديث، فتعايشت مع أصعب ظروفه وناضلت للمضيّ قُدُمًا رغم الأزمات لتنقل رسالتها السّامية. إلّا أن القرار الأخير لرئيس الجامعة ما عاد يمثّل المبادئ الأمريكيّة الّتي سعت الـAUB لنشرها سابقًا، مقررًا صرف 850 من الموظّفين العاملين في مستشفى الجامعة ليشكّل بذلك سابقة خطيرة في ظلّ أصعب أزمة اقتصاديّة في تاريخ البلاد. قد يعتبر البعض أنّ الصّرف الجماعيّ للموظّفين مبرّر لما فيه من مصلحة عليا للمؤسّسة، إلّا أنّ ذلك لا يصحّ في هذه الحالة لاعتبارات عدّة.

سبق وانتفعت الجامعة من أكثر من 8000 طالب وطالبة في كلّ عام، تتخطّى أقساط البعض منهم مبلغ 40 ألف دولار خلال السّنة الجامعيّة، وهو رقم قياسيّ مقارنة بجامعات الـ«Ivy League» الّتي تتراوح أقساطها بين 50 و60 ألف دولار أمريكيّ دون احتساب الحسومات والمساعدات الماليّة المحتملة، وهي جامعات بالكاد تستقبل 5% من مجموع طلبات الانتساب، مشدّدة على ضرورة نيل علامات مرتفعة في امتحانات الـSAT بحيث لا تقلّ العلامة عن 1500 بشكل عام، في حين عمدت «الأمريكية في بيروت» على استقبال 70% من أصحاب طلبات التّسجيل فيها. وهنا يبرز جشع أفضل المؤسسات التربويّة في لبنان الّتي من المفترض أن تحافظ على مستولى التّعليم على حساب صافي الأرباح وليس العكس.

وإذا كانت الجامعة قد استقبلت هذا العدد الهائل من الطلاب غير المؤهّلين لدخول نظيراتها من الجامعات العملاقة، باعتبار أنّها جامعة صغيرة، إلّا أنّ هذا لا يُبرِّرُ حصر استلام الأقساط بالعملة الصّعبة للطلاب الأجانب وأبناء المغتربين، في حين تضع الجامعة على هواها سعر صرف للدولار يُطبَّقُ على باقي الطلاب اللّبنانيّين، ضاربة عرض الحائط المرسوم الوزاريّ الأخير الذي يمنع الجامعات استيفاء الرّسوم بسعر صرف مغاير للسعر الرّسمي الّذي يمكث عند 1515 ليرة للدولار الواحد. ولا يمكن إنكار المبالغ الماليّة الضّخمة الّتي كدّستها المؤسّسة على مدى سنوات من الاستقرار النقديّ، ولا التّبرّعات التي كانت ولا تزال تستلمها من جهات متعدّدة، منها بالدّولار وآخرها مبلغ 10 ملايين دولارا من السّفارة الأميركية في بيروت، فضلًا عن تصنيفها مؤسسة تربويّة لا تبغي الرّبح وبالتّالي إعفاءها من بعض الرّسوم والضّرائب.

ورغم كلّ ما ذُكر أصرّ فضلو خوري، رئيس الجامعة، على صرف 850 من موظّفي المستشفى الجامعيّ. ويقول البعض أنّ راتب خوري وحده يفوق مجموع رواتب المصروفين، إلّا أنّه ليس هناك من أرقام رسميّة حول راتب الرّئيس والموظّفين، لكنّنا قد نأخذ فكرة عن معدّل أجورهم إذا ما نظرنا في دعوة رئيس الحكومة الدّكتور حسّان دياب ضدّ إدارة الجامعة، حيث يطالب الأخير بمبلغ مليون دولار لقاء خدمات 5 سنوات إضافية، فتكون النّتيجة حوالي 200 ألف دولار لأحد نوّاب الرّئيس عن كلّ عام. المفاجأة تكمن في أنّ خوري لم يأخذ أيّ مبادرة لتخفيض رواتب الكادر الإداريّ، ولا لتحويل جزء من مجموع الأموال الّتي خزّنتها إدارته لدفع المستحقّات، إنّما دفع بـ850 عائلة نحو المجهول، وهي عائلات تتقاضى راتبها من خوري بالليرة في حين يمتنع خوري عن «لبننة» فرع محاسبته.

المحزن اليوم أنّ ما من جامعة وطنيّة حتّى السّاعة استغنت عن خدمات العاملين فيها باستثناء الأقوى في هذا المجال، بينما تسعى منافسي الأمريكيّة في بيروت إلى الحفاظ على مستوياتها التّعليميّة دون إلحاق الضّرر بأساتذتها وأيّ من تلامذتها، ما يدعونا إلى السّؤال عمّا إذا كانت صفة «غير ربحيّة» لا تزال تصلح للـAUB، وإذا ما استمرّت في ذبح الطلاب السّاعين إلى شهاداتهم العليا في أصعب أوقاتهم، فعندها يجدر بها نزع شعارها عن بوّابتها الأماميّة: «أن تكون لهم حياة وأن تكونَ حياةّ أفضل».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد