(1)

جميعنا عرف أنه سيخرج من محبسه “كالشعرة من العجين”- هذا إذا افترضنا أنه بالفعل كان في محبس- فهل كنتَ من السذاجة والغباء بأن تحلم بمحاكمة عادلة؟!

تُذكِرني يا عزيزي بالفتاة التي يحادثها شاب ما، ويشتري لها من الهدايا ما يثير الإعجاب، ولا يبخل عليها بالزهور، و”العزومات” في أفخم المطاعم والمقاهي، ومكالمات حتى الفجر، ثم عندما يقول لها “بحبك” تضع يدها على فمها وتتسع عيناها وترتفع دماؤها إلى “نفوخها”، ويتلعثم لسانها، وترتعش يداها، وبصعوبة بالغة تقول له: “إنتَ فاجئتني بالموضوع ده”!

العدالة كانت تحوم حوله على استحياء. ووقت أن أعلنت انسحابها، وضعنا أيدينا على أفواهنا، واتسعت أعيننا، وارتفعت دماؤنا، وتلعثمت ألسنتنا، وانتفضت أجسادنا، ثم قلنا: “لقد فاجأونا بالموضوع ده”!

في التاسع والعشرين من نوفمبر الماضي نطق القاضي فقال: “حكمت المحكمة حضوريًّا على محمد حسني السيد مبارك بعدم جواز نظر الدعوى الجنائية”.

ثورتكم غير جائزة يا سادة!

(2)

في نفس الشهر قررت هيئة الإذاعة المصرية منع أغاني حمزة نمرة بجميع الشبكات، فخرج نمرة بألبوم حقق نجاحًا ساحقًا، يعبر عن جيلنا وما يعانيه، فأغنية “اسمعني” التي يناشد جيل آبائنا فيه بأن يتركونا نسلك دروبنا بإرادتنا وحريتنا، ألا نكرر سيناريو الذل والمشي جنب الحيط, فحمزة خائف خوفنا جميعًا “لتطول علينا الشدة ديا”, ومع ذلك فـ” كله بيعدي”، الألبوم المليء بكثير من اليأس، وقليل من ضجيج الأمل، الأغنية التي عبّرت عنا جميعًا، نحن الجيل الذي بلغ العشرين وفي داخله “هموم سنين “.

هل تتخيل همًّا أكبر من هم صناعة “الأمل” وأنتَ تغني خارج وطنك عن وطنك؟!!

(3)

في التاسع عشر من شهر ديسمبر الماضي نشر صاحب برنامج “ألش خانة” على يوتيوب آخر حلقاته، ولسان حاله يقول: “أنا قرفت، أنا تعبت، مفيش فايدة”!

الشاب الذي أنفق الكثير من الوقت في البحث، والتنقيب، والتنقيح، والتجويد، ليخبرك بكل بساطة أن العسكر في تشيلي، والهند، وسوريا، قد بعثوا الخراب إلى البلاد، الشاب الذي انتهى به الأمر والجهد والتعب بـ “القهر والقرف”، ذلك القهر النفسي الذي يجري مجرى الدم في عروق معظم شباب جيلنا، المؤيد منهم والمعارض، الغني والفقير، المثقف والتافه، المتدين والفاجر، المسلم والمسيحي، البار والعاق، الوسيم والقبيح، الدكتور والمحاسب.

(4)

استمرارًا لسيناريو تكميم الأفواه أعلنت الجزيرة مباشر مصر غلق أبوابها في الثالث والعشرين من نفس الشهر، أَسكَتوا أصواتها الإعلامية من خلال منابرها، تلك القناة التي احتضنت العديد من الشباب الطموح.

وأوسعت المجال للهامات الإعلامية لتنشر شيئًا من خبرتها، ومع أن جميع مذيعيها خرجوا في مواقع التواصل الاجتماعي ليقولوا ألا تهنوا ولا تحزنوا فالحق صوته باقٍ، ولن نكف عن الصراخ به سواء كنا في الجزيرة أو غيرهاز

ولكن تلك الغصة الساكنة في القلب. فهؤلاء الذين عبّروا عنك، ودعموك، ودافعوا عن حقوقك، وصرخوا في وجه الظلم، أيمن عزام الذي كان أقرب إلى انفعالات الشاب العشريني منه إلى حرفية الإعلامي الوقور المتزن، فمن السهل جدًّا أن تشاهد دموعه، ومن الأسهل أن تغضب لغضبه.

وزين العابدين الذي لم يكن إلا موسوعة علمية مذهلة امتهنت الإعلام. لا يستطيع أحدهم أن يأخذ معه حق ولا باطل، محمد ماهر عقل بـ”لماضته” التي لا تتوقف، حسام يحيى وعمرو حسن القريبان جدًّا من كونهما زميلي مدرج في جامعة ما، هما قريبان جدًّا منك والأكثر تفهمًا لما تريد قوله، حياة اليماني المرأة التي ليس من مصلحتك أبدًا أن تعبث معها، أما سندريلا الجميلة سارة رأفت والتي حُمّل على عاتقها قراءة آخر موجز وإعلان آخر جملة “شكرًا جزيلاً لحسن متابعتكم”. كل ذلك اختفى!

بالتأكيد الثورة لم تختفِ، ولكن هؤلاء الذي حملوا هم نقلها إلى العالم، قد شتتوهم وفرقوهم وأبعدوهم عن منبرهم.

(5)

لم يبق في حيلتنا سوى السفر، الهروب، لعلنا نحظى بحياة أكرم، فمن الصعب أن نموت جميعًا، فلا مقبرة تتسع لهذا العدد، ولا سجون تستطيع جدرانها أسر كل هذه الأرواح، فأغلقوا في وجوهنا سبل الهروب، لنبق في وطن يكرهنا ويمنعنا من حبه.

أتذكر منذ أربعة أعوام زميل لي أتته فرصة جيدة للسفر والعمل، ولكنه لم يفعل، لأن “البلد بتتصلح” وفرصنا في النجاح والحياة الكريمة صارت أكبر، فهل سنترك وطننا الآن؟!

زميل آخر كان يعمل مذيعًا في إحدى القنوات من إحدى البلدان الخليجية، بعد الثورة حادثني: “أنا لازم أرجع دلوقتي، لو مرجعتش مصر دلوقتي مش هعرف أرجع خالص، مبقاش فيه مبرر للسفر!”، الآن هو يحلم بتأشيرة خروج بلا عودة!

لا تتخيل كم منشورات المنح الدراسية والهجرة إلى البلدان الأوروبية والآسيوية التي “تتكعبل” بها فأرتي كل يوم على مواقع التواصل الاجتماعي، جيلنا يُعافر للهروب، وهذا منتهى المخاطرة في المجهول، فأنت لا تدري ماذا ينتظرك هناك, ولا تدري هل ستخرج منها سالمًا معافًا أم لا!

(6)

أتابع بأمل يملأه الحياء فعاليات إحياء ذكرى الأندلس التي تدعو إليها الشابة الجميلة “منى حوا” منذ عدة سنوات، أتذكر منذ عامين حينما أحيا مجموعة من الشباب الفعالية في ميدان سفنكس بالمهندسين.

أتذكر ندوات د.راغب السرجاني في ذلك الوقت عن الأندلس، الندوات التي استقبلت باحثين أندلسيين، 1500 شاب حضر ندوة حاضرتها باحثة مغربية من أصل أندلسي، أقبلوا ليتعرفوا على هذا التاريخ المثير، يتشبثون بأمل ربما، أو مجرد معرفة وفضول.

الآن، أريد أن أقول لـ “منى” هلّا كففتِ عن الأمل؟! أي أذن الآن ستستمع إليكِ؟! من كان في سفنكس منذ عامين هو الآن في السجن أو القبر أو هرب إلى إسبانيا مقدمًا فروض الطاعة، لا تمثل له الأندلس والمجازر والتاريخ المفقود أي مشكلة.

(7)

في فيلم البؤساء 2012 يغني الطفل جفروتش ممهدًا لقيام الثورة الفرنسية الحمراء، قائلاً:

“كان هناك وقت قتلنا فيه الملك
حاولنا أن نغير العالم بسرعة
الآن لدينا ملك آخر
هو ليس أفضل من الأخير!
كان هناك أرض تحارب من أجل الحرية
الآن عندما نحارب.. فنحن نحارب من أجل الخبز”.

 

هل أنت منشغل الآن بطابور العيش، وتذكرة المترو التي ارتفع ثمنها، وسعر البنزين، وأجرة “الميكروباص”، وفاتورة الكهرباء، ودروس الأولاد؟

استمر، فضجيج الأمل داخلك ما يلبث أن يصمت.

عزيزي، خالتك “أمل” ماتت، فأحسن إلى ذكراها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد