لم يعرف الكثير من العراقيين الهجرة في سابق الأيام، بل كان الكثير من المهاجرين العرب يصلون الى العراق بحثاً عن عمل ومصدر رزق، وما زال العديد منهم في داخل العراق ويعيشون كأبناء البلد، ولكن ما يحدث في العراق من الأوضاع المأساوية كفيلهٌ أن تدلهم ليس على اوربا فقط ؛ بل تدلهم على طرق السماء وحتى درب التبانة .

 

يرى كثير من المحللين والمهتمين بأوضاع الشباب أن أسباب الهجرة كثيرة: فانعدام الأمن يعتبر السبب الرئيس لبعض المهاجرين، في حين الكثير منهم يبحث عن فرص عمل وحياة آمنه مستقرة بعيداً عن الوضع المتأزم وغياب الحقوق .

 

يقول الشاب علي لوكالة ” نينا”  وهو في منتصف العشرينات من عمره ولديه عمله الحر والذي يوفر له – حسب قوله – المال اللازم ليعيش عيشة هانئة مستقرة, الا انه يرغب بالهجرة في ظل الخشية من المستقبل والذي – حسب وجهة نظره – لايحمل للعراق وشعبه اي بوادر امل او تفاؤل بان القادم افضل.

 

ويقول علي : انا مستعد لدفع اي مبلغ من اجل الوصول الى عالم جديد .. عالم بلا كتل كونكريتية، وبلا سيطرات لا نعرف الحقيقية منها من الوهمية، عالم بلا ارهاب داعش وبلا ميليشيات سائبة .

 

ويشاركه الراي المواطن عصام عبد الرزاق والذي يبدو أن موعده مع الهجرة بات قريبا جداً بعد أن أنهى جميع متعلقاته؛ ولم يبق لديه الا تحديد موعد السفر الى اربيل ومنها الى تركيا لتبدأ بعدها رحلة البحث عن المكان الامن في ظل ظروف مجهولة العواقب . وقال ” لم يبق لدي في البلاد اي شيء ..انا خريج كلية الهندسة بتقدير جيد جدا لا املك الوسيلة المناسبة للحصول على وظيفة.، ا واسطة لدي ولا أنتمي لأي حزب أو جهة سياسية كانت او دينية .

 

 

لماذا هذا التوقيت بالذات ؟

نتساءل جميعاً لماذا هذا التوقيت بالذات تتزايد نسب الهجرة الى الخارج ؟ فالعراق مرّ بأيام عصيبة فهو قد شهد الحرب الطائفية 2006- 2008 ولم تكن نسب الهجرة ترتفع كارتفاعها الان.

 

برأيي أن السبب الحقيقي يكمن في طول المدة منذ سقوط النظام السابق ولم يتغير حال العراقيين،  فمنذ  عام 2003 الى الان هي مدة طويلة في عُمْر الدول وعُمْر التغيير العمراني والتغيير السياسي والأمني، وإذا لم يحدث هذا التغيير على النحو المطلوب فالنتائج ما نراه اليوم، الوصول الى مرحلة اليأس من الاصلاح ما دام هؤلاء السياسين في مناصبهم منذ (12) سنة .

 

الأمر الآخر المتعلق بالتوقيت هو دخول الانترنت بشكل واسع في العراق وتوفر خدمة الجيل الثالث التي مكنت الكثير من الشباب من التعرف على الهجرة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والمعلومات المتوفرة بكثرة عنها وعن وطرقها المحفوفة بالمخاطر، وعن السماسرة الذين يوصلون المهاجرين الى الدول التي يرغبونها.

 

وكذلك تواصل الشباب العراقي مع المهاجرين في أوربا، ومشاهدة مقاطع الفيديو التي يصوّرونها ويبثونها على الشبكة، وفي اغلبها تصور حياة الرفاهية المستقرة ، بل تعدى الامر الى العنصر النسوي الأوروبي والتصوير معهن في مدارس التعليم والحدائق العامة  بدون قيود مشروطة، وبعض الاحيان الحصول على القبلات التي تعتبر عند الكثير مغنماً.

 

وعندئذ يبدأ كثير من شباب الداخل العراقي مرحلة  البحث عن الفردوس الأوروبي وتكحيل العين بوطئ أرض المانيا التي تعتبر الوجهة الأولى للمهاجرين العراقيين  بضيافة ” العمة ميركل ” كما يحلو للعراقيين تسميتها بعد مواقفها الأخيرة من قضية اللاجئين .

 

عدد المهاجرين ومن اي المحافظات

المحافظات التي تحت سيطرة تنظيم الدولة ” داعش ” كان لها النصيب الأكبر من أعداد الشباب المهاجرين ثم تليها بغداد وكذلك المحافظات الجنوبية واقليم كردستان، وقد أقرّ وزير الهجرة والمهجرين جاسم محمد بهجرة أعداد كبيرة من الشباب إلى خارج العراق.

 

وعزا السبب إلى الوضع الأمني والاقتصادي، ولكن أعداد المهاجرين لم تعرف بالتحديد فقد قالت وزارة الهجرة: ” أنها  لا تملك احصائية رسمية عن عدد المهاجرين لأنهم يهاجرون بصورة غير شرعية ” إلا أن بيانا صدر من كتلة الوفاق الوطني التي يتزعمها رئيس الوزراء العراقي الأسبق اياد علّاوي قال فيه:

 

” ان الشهرين الماضيين شهدا مغادرة أكثر من 800 شاب من مناطق الاعظمية وحي الخضراء والسيدية والدورة وغيرها من مناطق بغداد بسبب ارتفاع وتيرة العنف الطائفي وتصاعد معدلات البطالة والتوسع في سياسات الاقصاء والتهميش والترويع والاعتقال والخوف من المجهول” .

 

ردود أفعال شعبية :

تباينت ردود أفعال المجتمع العراقي تجاه هذه الموجه العارمة من الهجرة، فالبعض يعتبرها حق مشروع للشباب العراقي خصوصاً في ظل الأوضاع المأساوية التي يشهدها البلد ، في حين اعتبرها البعض الآخر هروب من الواقع وترك البلد في حالة حرب مع التنظيم ” داعش” .

 

يقول شخص اسمه احمد البياتي في تعليقه عن الهجرة : فليذهب الشباب، الى متى يبقى الناس تحت مطرقة الفقر والفساد، اليوم الفرصة سانحة ربما في الايام القادمة لا يتحصلون على هكذا فرصة، ولم يتبق امل في العراق كل يوم نحو الأسوأ، فليذهبوا؛ لعلهم يحصلون على مستقبل أفضل، فالعراق لا عمل، لا  أمان، لا حقوق انسان، لا ثقافة، لا رفاهية، لا مستقبل، لا ضمان اجتماعي، فقط مهاترات: قالت السنةن وقالت الشيعة، ومسكين فلان، انفجرت به عبوة، وفلان خطفوه ويريدون 200 الف دولار … وهذه هي أخبارنا .

 

وهذا رأي كثير من الشباب العراقي فهو يرى ان الهجرة ضرورية لضمان مستقبل أفضل والحصول على فرصة معيشية وهروبا من الواقع الأليم .

 

وعلى العكس يرى كثير من الشباب ان الهجرة هي افراغ البلد من طاقاته الشبابية، محذرين من نظرية المؤامرة التي استصحبوها وطبقوها حتى على الهجرة.

 

ويقولون بان هذا مخطط غربي أمريكي لإفراغ البلد من شبابه الذين هم أساس بنائه وعماده، وأن اوروبا تعاني شيخوخه مجتمعيه فهي بحاجة الى بث دماء شابه في المجتمع؛ لذلك هي تشجع على الهجرة، داعين الشباب للبقاء في البلد والوقوف صفاً مع المتظاهرين لمحاربة الفساد.

 

وقد أطلق ناشطون حملة ” لن أهاجر ” التي دعوا الشباب الى عدم الهجرة والضغط على الحكومة لتنفيذ اصلاحات حقيقة . يقول الناشط في الحملة احمد صباح الموسوي لوكالة  “المعلومة” ان ” ظاهرة هجرة الشباب اضحت حالة مقلقة للعوائل العراقية وان الهجرة لا تعني الخلاص من الازمات التي نعاني منها , فبدلا من ان يفكر الشباب بالهجرة عليه الضغط على الحكومة لإجل تنفيذ اصلاحات وضرب الفاسدين”

 

وهكذا ينقسم الشباب بين مؤيد للهجرة والخلاص من العراق وبين معارض على أساس أن البلد في حالة حرب ويحتاج الى أبنائه.

الشباب العراقي في ضيافة العمة ميركل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد