لا يمكننا في عصرنا الحالي الحديث عن لفظ «الإبادة الجماعية» دون الحديث عن محرقة اليهود في بولندا بمعسكر أوشفيتز التي تعد من أبشع الجرائم التي ارتكبت في حق الإنسانية. سارع المجتمع الدولي بعد انتهاء حربهم -لا حربنا- العالمية الثانية في إدانة العدوان الشرس على الهوية اليهودية الأوروبية، ودعا من كانوا يبيتون نوايا خبيثة لطرد اليهود من ديارهم الأوروبية والاستيلاء على أموالهم إلى التهجير الجماعي لليهود إلى فلسطين المحتلة ليبدأ المشروع الغربي الاستيطاني الممول بريطانيًّا والذي يعود إلى ما قبل الهولوكوست، إذ أن الأيديولوجية الصهيونية ولدت من رحم كتابات الصحفي النمساوي اليهودي تيودور هرتزل الذي يعد الأب الروحي للكيان الصهيوني وبطلا قوميًا في دولة الاحتلال بالرغم من كرهه لليهود وكتاباته المسيئة عنهم والتي تتضمن لومًا صريحًا لهم على ما كانوا يتعرضون له من اضطهاد. كان يشير إلى «أشكالهم القبيحة وأنوفهم الكبيرة والملتوية» على حد قوله ويدعوهم لاعتناق المسيحية إن هم أرادوا العيش بسلام.

اليوم نرى أن معاناة اليهود وألمهم لم يمر مرور الكرام، ولم يتم تجاهله ولا التساهل مع من يتجرأون على إنكار المأساة والألم اليهودي وهو الأمر الذي يرد للناجين من المعسكرات النازية اعتبارهم والعدالة التي يستحقها كل الناجين من كارثة كالهولوكوست. الحق يقال إنني بعد تمعني في دراسة تاريخ الاضطهاد النازي لليهود انتابني الكثير من الفضول لمعرفة كيف ينظر سكان القارة الأوروبية لهاته الكارثة الإنسانية التي حدثت في مجالهم الجغرافي، وتبين لي أن المأساة اليهودية بلا شك قد خلفت أثرًا عميقًا في المجتمع الأوروبي. هنا بدأت الأمور تتضح لي من زاوية سياسية بعد أن كان كامل انتباهي مُنْصَبًّا على الجانب الإنساني والأخلاقي، وبدأت أتذكر كل الإبادات الجماعية التي مرت على وجه البسيطة من شعب الروهينغيا إلى الشعب التاميل. هناك شعوب عاشت أكثر من قرن من الاضطهاد والتنكيل وما زالت إلى يومنا هذا تعاني في صمت دولي صاخب يصرخ معلنًا عن ازدواجية المعايير والنفاق السياسي المتجذر في أيديولوجية التفوق الأبيض ومركزية أوروبية مستفحلة في عالمنا هذا.

كثيرا ما ينم عن مقارنة الإبادة النازية لليهود بغيرها من الإبادات والمآسي انتقاد لاذع واستنكار قوي من طرف المتعاطفين مع الأيديولوجية الصهيونية بالرغم مما بين كل هاته الأحداث من صلة وثيقة، فالإبادة الجماعية لمجموعة إثنية أو دينية معينة تبدأ بقوانين جزرية تهدف لحصر الحريات الفردية لهاته المجموعات وتجعل هويتهم مطاردة ومنبوذة اجتماعيًا إلى أن يحدث اختلال في ميزان القوى ويصبح للمُضْطَهِدِينَ صلاحيات أكثر وقوة أكبر تخول لهم إسقاط خططهم السادية والعنيفة على أرض الواقع.

من الصعب أن نتجاهل «مذبحة دير ياسين» ونحن في صدد الحديث عن الإبادات الجماعية و«جرائم الحرب» كما يحب تسميتها من يرون أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين لا يعدو أن يكون حربًا في حين أنه عدوان غربي على سيادة شعب على أرضه ووطنه. لم يتوقع الفلسطينييون وهم يشهدون تهجير مئات القرى وإخلاء البيوت من أصحابها للمستوطنين أن تكون قرية دير ياسين هدفًا للمليشيات اليهودية وقد تسببت المجزرة في نشر حالة من الذعر بين الشعب الفلسطيني ودفعت الكثيرين منهم إلى إخلاء بيوتهم بعد أن ركبوا زوارق الموت دون وجهة محددة، بعضهم كان متأكدًا من عودته القريبة إلى الديار وبعضهم الآخر بات يرى أن العودة لن تتحقق إلا بنار السلاح بعد أن شهدوا على أبشع المجازر التي ارتكبها أحفاد الناجين من المحرقة والمعسكرات النازية. مذبحة دير ياسين، محرقة غزة، مجزرة صبرا وشاتيلا، مذبحة الحرم الإبراهيمي، مجزرة جنين وغيرها من عمليات الإبادة التي كان ضحيتها الشعب الفلسطيني تثير غضب وحنق سياسيي الغرب المتحضر حينما توضع جنبًا إلى جنب مع الهولوكوست وتقارن مع جرائم النازيين. ذلك لأن جدية الموضوع، خطورته، واستعجاله لدى مجتمع براغماتي كالمجتمع الأوروبي يحددها الانتماء العرقي والإثني لكل من الضحية والمجرم. هكذا تمت تبرئة للجيش الإسرائيلي من ارتكاب جرائم حرب في كل مرة، وظل الألم الفلسطيني -عكس نظيره اليهودي- قيد التجاهل والحرمان المطلق من اعتراف دولي. ما زاد الطين بلة في خضم الأشهر الأخيرة هو الإقرار الدولي بحق الشعب الأوكراني في حمل السلاح لمحاربة الروس والدعم اللامشروط الذي قدمه ليبراليو الغرب لحلفاء دولهم الذي يتناقض مبدأيا مع الشجب الشرس للمقاومة المسلحة التي تهدف لتفكيك الكيان الصهيوني كونه مستعمرة غربية بنيت على أرض الشعب الفلسطيني الذي يحق له مقاومة الاحتلال بأي وسيلة هي الأكثر نجاعة.

بغض النظر عن القانون الدولي الذي يشرع المقاومة بكل أشكالها (بما في ذلك المقاومة المسلحة) فإن من البديهي أن ترى الشعوب المحتلة وحلفاؤها من مناهضي الإمبريالية المقاومة المسلحة التزامًا وواجبا أخلاقيًا لا مجال للتخلي عنه. وإن كانت المقارنات المنطقية بين إبادة النازيين لليهود وإبادة الصهاينة للشعب الفلسطيني على أرضه مصدرًا لاستياء الليبراليين المهووسين بالصوابية السياسية، فإن استجابة المفكرين لمتطلباتهم الواهية الواضح سخفها أمام الواقع المعاش للشعب الفلسطيني هو ما يحول دون فهم جميع حلفائنا لحجم آلة البروباجاندا التي تحاول جاهدة الاستيلاء على الرواية الإعلامية لصالح الكيان الصهيوني والإمبريالية الغربية. إن هاته المقارنات المحرمة التي نجازف بمناصبنا في الأوساط الأكاديمية لأجلها هي مقارنات ليست في محلها ومهينة بالنسبة لهم لا لشيء إلا لأنها تتحدى تماسك أيديولوجيتهم الباطلة وتسلط الأضواء على التناقض الصارخ بين ما يزعمون وما يمارسون.

بين إدانة أوروبية صارمة لكل أشكال التمييز التي تستهدف الهوية اليهودية واتهامات غربية باطلة بالإرهاب لشعوب دول الجنوب التي ما زالت واقعة تحت طائل الاحتلال، تبقى الحقيقة المطلقة الوحيدة التي ينبغي التشبث بها هي كون المقاومة المسلحة حقًا مشروعًا تتمتع به كل الشعوب المحتلة سواءً تقبلت المؤسسات الحقوقية التي ترفض الخروج عن إطار ليبرالي متمحور حول حقوق الإنسان في تناولها لقضايا الاحتلال أم رفضت الاعتراف بهذا الحق الذي لا يُنْتَزَع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد