كان هذا هو العنوان الذي اخترته تعبيرًا وتوصيفًا للحياة في بلد الآمال والمآسي والندامات (أستراليا)، وذلك في الجزء الأول من مقالي هذا، وقد أشرت في المقال السابق إلى الأمل من باب البدء بالذي هو خير، وهأنذا أفي بوعدي في استكمال وإكمال الصورة للقارىء العزيز ببيان جوانب الألم المخفية في زوايا الأمل وانعطافاته، وما يكمن في مادة ستاره المزركش من فتوق وثقوب لا يدركها البعيد الغريب لغلبة الألوان، في الوقت الذي يشعر فيه من بقربها بلسعة البرد القارس المتسرب من فتحاتها، وتحرش الهوام الضارة، والحشرات القاتلة الزاحفة عبر قنواتها ونوافذها.

أستراليا بلد جميل بلا شك، بل لا أجانب الصواب إن قلت إن كل البلاد جميلة، حتى القفار، والمجاهل، والأدغال، وغيرها مما يستوحش، فخالقها هو الجميل الذي يحب الجمال سبحانه، حتى إذا حل البشر انقسمت بهم البلاد إلى جمال أوقبح، وصلاح أو فساد، وشروق أو غروب، وهذه سنن جارية وفق مراد الله وحسب تقديره وتماشيًا مع مشيئته سبحانه.

وأستراليا على ما فيها من مقومات الجمال وبواعث الآمال لا تخلو من مصادر للألم بكل مراحله من الخفيف مرورًا بالمتوسط ووصولًا للشديد غير المحتمل. وكذلك هي طرق العلاج يختلف تأثيرها بحسب نوع الألم، فبعضها يفيد والأغلب منها – فيما أرى – ضئيل الفائدة وربما لا فائدة فيه، وربما أضر حيث يرجى النفع. إن وجود هذا النقص في الصورة التي يٌظن كمالها لمن مظاهر الحكمة الإلهية التي قضت أن الدنيا دار بلاء واختبار، وأن الحياة لا يمكن أن تكتمل فيها سعادة ولا راحة، وإلا كانت هي والجنة سواء.

ولقد نظمت حديثي عن تلك النقائص حسب شدتها على النفوس – فيما أعتقد – وحسب حجم سلبياتها الضارة على عموم المجتمع العربي والمسلم بشكل خاص، وقد أتى تنظيري هذا بناء على وقائع عايشتها وقصص سمعتها وتأملات تتبعتها لا أقصد بها تعميمًا، فالتعميم عمى كما يقولون، ولكني أجزم أنها ظاهرة لا تنكرها عين، إلا من رمد، ولا يرفضها عقل، إلا من قصور ولا يصعب على نفس استساغتها إلا من خبث طوية.

كما أنني أنبه على أنني لم أقصد بطرحي هذا نقدًا لنظام دولة، ولا تحريضًا على مخالفة القانون، فالدولة لهم والقانون من صناعتهم، ونحن ضيوف أتينا على شرط المضيف، إلا أنني أؤكد على أننا نحن المسلمين عناوين على ديننا أينما كنا وحيثما صرنا، وأن تسليمنا لشرط الشارط – فيما يخص موضوعنا – لا يمنعنا من العمل بخلافه، لاسيما أن الشارط في هذا الباب لم يعد العمل بضده، أو عدم العمل به من قبيل المخالفة القانونية. ولسوف يتضح المقصود من كلامي هذا من عرضي للموضوع.

أعظم هذه الآلام وأفتكها، التفكك الأسري الذي تزكي ناره القوانين الغربية التي تقلب القوانين الإلهية الضد بالضد. فالله يقول «الرجال قوامون على النساء…» والقوانين تقول لا قوامة لأحد على أحد، ثم تبالغ في شططها فتمنح القوامة للمرأة من طرف خفي.

والله يقول «وللرجال عليهن درجة… الآية» وهم يقسمون الناس حسب الحقوق إلى درجات يأتي الرجل آخرًا في قائمتها بعد الولد والمرأة والـ… أجل الله أقداركم.

وحين يقع الشقاق – وكثيرًا ما يقع – قد يصبح استدعاء حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها من مسببات الاعتقال والدخول في دوائر مغلقة وشديدة التعقيد محكومة بمنظومة قانونية تعزز الخلاف وتطيل أمده، إلا أن يختار أحدهما أن يفارق وهو القرار الصعب السهل الذي يجمع المتناقضات من الربح والخسارة والفرح والحزن، وكيف لا والقانون يعطي المرأة المطلقة ذات الولد 80% من كل ما يملكه الزوج حتى ولو كان زوجًا صالحًا يرغبها ويسعى لإسعادها. ومن شأن هذا الحال أن يتسبب في ضغط نفسي رهيب يجعل الرجل من زوجته على وجل وخوف وعدم ثقة، فهي – إن أرادت – تستطيع تدميره في لحظة عدم رضا، أو تهور، أو استجابة لوسوسة شيطان من الإنس أو الجن يعدها ويمنيها وما يعدها إلا غرورًا.

وضع مقلوب مخالف للسنة الإلهية في تنظيم العلاقة الزوجية أدى إلى حالة من التوجس والترقب وعدم الثقة والذي يؤدي بدوره إلى تدجين الرجال وتشريس النساء – إلا من رحم الله – وما يتبع ذلك من الآثار السلبية على الأولاد، بل والمجتمع كله الذي يعيش لأجل ذلك حالة انفصام حادة بين ما يجب وما هو واقع. ولأضرب لذلك أمثلة من واقع عملي كمرشد ومصلح ديني واجتماعي:

يشكو أحدهم من زوجه أنها لا تهتم بصنع طعامه ولا بترتيب بيته وإصلاح شئونه لا لمرض أو انشغال، وإنما لكونها ليست خادمته وعليه أن يتولى هذه الأمور بنفسه، إلا أن تقوم بها هي تفضلًا. ويقول: إنها تخرج وتدخل دون أن تستئذنه، وإن كانت في بعض الأحيان تعلمه وتبرر ذلك بأنها غير مطالبة بأخذ إذن لخروجها ويكفي إعلامه – إن شاءت – بمكان ذهابها فهي حرة عاقلة بالغة عاملة. ليس الكل يفعل ذلك بالطبع، لكن فعلها هذا مبرر ومقبول قانونًا، وإن أرغمها على غيره، فالويل له ثم الويل له.

قال لي أحدهم بالنص: من أراد أن يحيا كرجل فلا يأتي لهذا البلد. والقائل أب لستة من الولد، لا يستطيع اصطحابهم لبلده الأم؛ لأن زوجه لم ترض بعد، ولن يتمكن من إخراجهم، إلا أن توافق وتقر ذلك خطيًا. أرأيت!

أتاني أحدهم يشكو لي زوجه وتغير أخلاقها عما كانت عليه قبل في بلدهما، ثم أصر أن أصحبه إلى سيارته فوجدته قد أخلاها من المقاعد الخلفية متخذًا هذا المكان مخدعًا يأوي إليه لينام بعد أن يرهقه طول الترحال نهارًا من مكان لمكان، لأن زوجته استصدرت أمرًا من الشرطة يمنعه من مجرد الاقتراب من البيت أو الاتصال بها أو بأحد أولاده أو حتى توسيط أي شخص للإصلاح. كان هذه حاله لـ10 أيام يوم أن لقيني، واستمر لفترة طويلة بعد ذلك، إلى أن عطفت عليه وأسقطت هذا الإجراء، وما كان ليسقط لو أرادته دهرًا.

ثم يأتى الألم المصاحب للألم الأول والمفارق له حيث يتعلق بجانب من جوانب الأسرة بل أهم جوانبها وأغلى ثمارها.. الأولاد.

تتعدد شكل الآلام التي تأتي من جهة الأولاد في كل بلاد الدنيا، فمن خوف عليهم من الانحراف أو ضياع مستقبلهم. إلا أن الأمر في هذه البلاد أشد خطرًا وأضل سبيلًا.

فالولد إذا بلغ مبلغ الفتوة يصبح حرًا في كل ما يفعل وليس لأحد عليه سلطة منع مما يرغب حتى لو كان ما يرغبه يتنافى مع الدين والخلق الحميد. فالولد حر في الدخول والخروج، وليس لأبويه منعه، وأنه فعلًا يحق له إبلاغ الشرطة، وربما قضت الشرطة بحبس الوالد وفي بعض الأحيان يُؤخذ الولد من والديه ويُوفر له مكان آخر للعيش بعيدًا عنهما، وله أن يطلب عدم الاتصال بهما كيفما أراد. والبنت في هذا كالولد تمامًا بتمام.

وللولد والبنت الحق في إقامة علاقة جنسية مع من أرادا سواء من جنسهما – الشذوذ – أو من الجنس الآخر، وهو حق مكفول بالقانون ولا يمكن لأحد منعهما منه – إن أرادا – ومن يعترض فالسجن في انتظاره.

كما أن للولد والبنت الحق في نبذ دينهما والتدين بغيره أو عدم التدين – الإلحاد – وليس لأحد أن يضيق عليهما ولو بمجرد النصح – طالما رفضاه – ومخالفة ذلك يؤدي للسجن.

ضرب الأبوين لأولادهما جريمة – حتى لمجرد التأديب – وللولد الحق في أن يزج بأبويه في السجن – إن أراد – إن هما أقدما على ضربه أو نهره على خطأ ارتكبه أو محرمًا انتهكه.

وهذه صورة أخرى من صور الخوف والوجل والضغط النفسي التي تعيشه كل أسرة، سيما الأسر المسلمة التي يقضي دينها وثقافتها بغير هذا.

وسأضرب لكل بند ذكرته مثلًا من الواقع.

شكا لي أحدهم من ابنته المراهقة أنها رغبت في الانضمام لنشاط سباحة في مدرستها مصرة على لبس المايوه – الذي يغطي 10 % من جسدها – كزميلاتها، فرفض الوالد كونه مسلمًا عربيًا يغار على ابنته، وصارت بينهما مشادة، فاعتدى الرجل المتعصب على ابنته ضربًا، ولما ذهبت ابنته في اليوم التالي للمدرسة أعلمت صديقاتها بالأمر، والذين أعلموا بدورهما المدرسة فاستدعت المدرسة الشرطة لبيت الرجل لاعتقاله، ولما قاوم الاعتقال وهو يصرخ – إنها ابنتي – تحامل عليه الرجال فتسببوا في كسر في عموده الفقري، وجلس على إثر ذلك في البيت مدة طويلة بلا عمل، وصارت ابنته إلى ما أرادت رغما عنه!

وقد عرفت رجلًا مذ وطأت قدمي أرض هذا البلد، وهو رجل يبدو كرجال شنوءة صلبًا، لا تشك في شدة شكيمته وصلابة رأيه ورجولة مواقفه. ثم إنه أسر إلي أن ابنته صممت أن تعمل في وظيفة خلاف ما يرغب، وتركت البيت بعد خلافها معه، وسكنت في بيت آخر، وقد رآها ذات يوم تستضيف زملاءها وزميلاتها في هذه المنزل ليبيتوا ليلهم مع بعضهم البعض، وقد تكرر هذا لمرات، ولم يجرؤ هذا الرجل أن يعترض، فضلًا عن أن يتدخل لإصلاح ما فسد.

وأتتني امراة مسلمة غير عربية ودموعها تنهمر على خديها في وقت متأخر من الليل لتشكو لي أن ولدها الوحيد اعترف لها بأنه شاذ، ثم ترك المنزل ليعيش مع رفيقه في منزلهم الخاص في سبات ونبات، وقطعًا لن يخلفوا لا بنين ولا بنات، وما فعلاه هو حق مكفول بالقانون، والاعتراض عليه، أو الانتقاص منه، جريمة تستوجب الحبس.

ما ذكرته هو غيض من فيض، وهي مواقف شاهدتها – ولا زلت – وعايشتها – ولم أزل – متكررة منتشرة كخلايا السرطان الذي خلف نماذج مشوهة من الأسر الإسلامية المفككة المنفصمة والمنفصلة عن مادة بنائها الأصلية.

ألم كبير يعيشه من يريد لنفسه وزوجه وولده أن يكونوا عبيدًا لله ملتزمين بقوانينه وأحكامه في حياتهم، وألا ينجرفوا مع التيارات العنيفة التي تنسف البناء الأسري بخلق حالة من عدم الثقة بين أفرادها وهواجس الخوف التي يستشعرونها تجاه بعضهم البعض. وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد