بلد الآمال والمآسي والندامات

في السنة الدراسية الأخيرة لي في كلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر بالقاهرة، كان مدرس مادة الترجمة قد عاد مؤخرًا من دولة أستراليا بعد أن قضى فيها عدة سنوات، وجاءت عودته نظرًا إلى ظروف اجتماعية لم يفصح عنها آنذاك، ولكني عرفتها بعد ذلك بعشر حجج أو تزيد قليلًا.

كان إذا ابتدأ حديثه عن أستراليا لم يكن ينتهي منه إلا بانتهاء وقت المحاضرة؛ وذلك لشدة إقبالنا عليه وكثرة أسئلتنا له، فضلًا عن نبرة العاشق الولهان التي كنا نستشعرها في صوته وهو يتحدث، تمامًا كمن فقد حبيبة له على الرغم منه، فلا هو وصلها ولا هو سلاها.

ولأن العشق معدٍ، فقد عشقناها غيبًا كما عشقها عيانًا، لدرجة أنني حلمت مرارًا وتكرارًا بها، أرسم في مخيلتي وصفها كما سمعته منه، مضيفًا إليه ما أتمناه مما هو زائد على وصفه.

«جنة الله على الأرض»، كان هذا الوصف هو الأبرز بين بقية ما ذكره أستاذنا من أوصافها، حيث المساحات الخضراء الشاسعة، والحيوانات البرية النادرة، والأنهار الممتدة في طول البلاد وعرضها، فضلًا عن المحيط الذي يضمها بين جنباته.

حدَثنا عن النظام والتنظيم والنظافة ومراعاة الحقوق وحفظ الكرامة الإنسانية. حدَثنا عن أمور لم يكن لمثلنا أن يتخيلها فضلًا عن أن يعاينها. وباختصار، فقد هيج المشاعر وألهب الأحاسيس وأنكى الجراح وأثار مكامن الحرمان في نفوسنا حتى أصبحت أستراليا والحديث عنها شغلنا الشاغل، فاكهة المجالس وتحلية اللقاءات. ومن ذا الذي لا يصبو للعيش في جنة الدنيا آملا أن يجمع الله له الحسنيين، متاع الدنيا ونعيم الآخرة؟

وتحقق الحلم. نعم، تحقق حلمي بعد ذلك بعشر سنوات أو تزيد قليلًا، ووصلت إلى الجنة، إلى أستراليا الأمل، ووجدتها كما وصف أستاذنا وزيادة، جمال طبيعة أخَّاذ، جبال وتلال وأودية وشواطئ ومتنزهات يعجز اللسان عن بيان وصفها، نظام ونظافة تجعلك تخجل من ماضيك، تعدد ثقافي وديني وعرقي كبير يغنيك عن السفر إلى غيرها من بلاد الدنيا للتعرف إلى عاداتها الثقافية في المأكل والمشرب والملبس، واللغة والدين، والأعياد، والعادات والتقاليد، احترام وعدل وكرامة لا نعرفها إلا في قصص الأولين. إنها جنة بالفعل، وما الجنة غير ما ذكرت!

أنا هنا منذ أربع سنوات تقريبًا، وكغيري – في مثل هذا الموقف – فقد أصابتني حمى البداية وشَدة الغربال في الأشهر أو السنوات الأُوَل لقدومي، من الانبهار الذي يعمي ويصم، ومشاعر الهُيام الضاغطة التي تأتي في بدايات العشق، وحلم البقاء، وخوف الفوت، والقلق من احتمالية الحرمان والنكوص على العقب، إلى غيرها مما يختلج في نفس الإنسان وعقله عند التحولات الكبرى في حياته.

نعم، لقد كان القدوم إلى أستراليا من أكبر التحولات في مسيرة حياتي، كيف لا وأنا الذي وُلدت ونشأت في إحدى القرى المصرية التي تعمها فوضى العصبيات، فضلًا عن فوضى التنظيم والإدارة، إضافة الى الفوضى في إدارة الفوضى، وإذا بي وقد أصبحت أستمتع بكل هذا الجمال والنظام والنظافة والشعور– المفقود– بالإنسانية.

لقد كنت ألهج داعيًا «رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي». كانت هذه أستراليا الأمل، الأمل الذي من شدة الشوق إليه والتعلق به والتطلع لملامسته قد أخفى ألمًا بل آلامًا لم أدركها، ومآسي لم أسمع بها، وندامات تقشعر لها الجلود، قصص كثيرة وعبر متكررة ظهرت صفحتها بعد أن ذهبت السكرة وأتت الفكرة. ولعل هذه الفكرة هي التي أرغمت أستاذي على قطع حبل الوصال على الرغم من مرارة الإحساس، وحرقة الشعور، ووجد الشوق. عن هذه الآلام والمآسي والندامات التي تختفي وراء هالة الأحلام والآمال سيكون موضوع مقالي اللاحق إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد