قررت أعلى هيئة قضائية في النمسا الجمعة الموافق ١ يوليو ٢٠١٦ إلغاء نتيجة انتخابات الرئاسة في البلاد، وأمرت بإعادتها وقد استندت المحكمة في حكمها لوجود مخالفات في عملية الفرز رأت بوجوب تصحيحها، ومضمون هذه المخالفات أن بعض المراكز الانتخابية قامت بفرز أصوات المقترعين بالبريد قبل الموعد المحدد في الدليل أو اللائحة الانتخابية وكان مرشح اليمين الخاسر قد تقدم بطعن قانوني أمام المحكمة العليا النمساوية.

وقد علق على هذا القرار كبير قضاة المحكمة الدستورية غيرهارت هولزينغر أن القرار جاء «يعزز الثقة في قوانيننا وديمقراطيتنا».

وكانت الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية قد أجريت بتاريخ ٢٢ – ٥- ٢٠١٦ في ظل حالة انقسام حادة داخل المجتمع واستقطاب عميق عاشه المجتمع النمساوي حول مجموعة من القضايا المصيرية التي طرحها المرشحان لكرسي الرئاسة، برز هذا الانقسام بوضوح من خلال الفارق البسيط للنتيجة العامة بين المرشحين، وهو استقطاب كان عنوانه الأبرز المهاجرين وخاصة المسلمين وأمن الهوية الأوروبية عامة وقيم المجتمع النمساوي خاصة والحفاظ على تقاليد الدولة الوطنية ومحاربة الفساد وضرورة التصدي لكل هذه الاختلالات حفاظ على الهوية ومستقبل أوروبا.

قرار المحكمة العليا إعادة الانتخابات في جميع النمسا، والذي ستحدد موعده وزارة الداخلية لاحقا سيذهب بعده النمساويون إلى صناديق الاقتراع هذه المرة متأثرين بدخول عامل جديد سيكون مؤثرا بلا شك في قرار اختيارهم وفي نتائج الانتخابات بشكل عام وهذا العامل متمثل في الاستفتاء البريطاني الذي أفضت نتيجته إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والذي احتفى به مرشح الحزب اليميني في النمسا هوفر مع بقية أحزاب وقادة اليمين فى أوروبا حيث أن نتائج الاستفتاء البريطاني حدث عالمي ليس بالأمر الهين وآثاره تتعدى بريطانيا وحدها وسيؤثر على أوروبا كلها وهو ما سيطرح علينا تساؤلات مهمة وعملية متعلقة بمدى تأثيره على نتائج جولة الإعادة وكيف يستأثر به الناخب النمساوي؟ وهل ستفتح الباب واسعا لأحزاب اليميين في أوروبا لبدء عهد جديد تحت حكم اليمين المتطرف الذي من المحتمل أن يفوز في هولند وفرنسا وإيطاليا؟ وهذا يقتضي مراقبة معرفة كيف ينظر الشارع النمساوي لنتيجة الاستفتاء حتى يمكن التنبؤ بالتأثير السلبي أو الإيجابي؟ وما هي القضايا التي سيسهم الاستفتاء البريطاني في التأثير عليها سلبا أو إيجابا حتى يمكن للناخب النمساوي اتخاذ القرار؟ وهل يمكن اعتبار انتخابات الإعادة بمثابة استفتاء مبكر لحظوظ اليمين لو فاز في انتخابات الرئاسة وقرر إقالة الحكومة والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة وإجراء استفتاء على بقاء أو انسحاب النمسا من الاتحاد الأوروبي؟

باعتقادي لا يمكن الجزم في الوقت الحاضر بإجابة محددة بشأن نتائج الانتخابات الرئاسية النمساوية في ظل التغييرات الجديده خاصة مع انعدام مؤشرات رقمية يمكن الاعتماد عليها، إضافة إلى عدم إثارة هذا الموضوع في الحملات الانتخابية للمرشحين في الجولتين السابقتين وإن كان الناخب النمساوي متأثرًا بما يدور في أوروبا ويدرك تماما توجه واختيار كل مرشح من المرشحين المتنافسين.

إلا أنه ما يمكن التأكيد علية أن الاستفتاء البريطاني سيكون حاضرا بقوة في وعي الناخب النمساوي، ومؤثر في قضايا مهمة متعلقة بعلاقة النمسا بالاتحاد الأوروبي خاصة الناخبين المهاجرين من شرق أوروبا وخارجها الذي حتما سيكونون متأثرين ومؤثرين خاصة وأنهم المتأثرون سلبا من نتيجة الاستفتاء البريطاني، خاصة بعد أن تعرض المهاجرون من أصول أجنبية وشرق أوروبية لحملة ضغط وتشوية من قبل اليمين المتطرف في بريطانيا، وهي فئات مؤثرة بلا شك ونسبة كبيرة صوتت لصالح مرشح اليمين نوربرت هوفر، إضافة إلى فئة الشباب الذي يرغب في البقاء في أوروبا ويستفيد من الامتيازات الخاصة بالتنقل والعمل والتعليم وغيرها وكلها مؤشرات قد لا تكون لصالح مرشح اليمين نوربرت هوفر إذا أحسن إدارتها بصورة حسنة وقد تغير فارق النتيجة بصورة حقيقية، ناهيك عن المخاوف مما سببه الاستفتاء البريطاني الذي قاده اليمين المتطرف إلى مخاطر تهدد سيادة بريطانيا واستقلالها كانفصال اسكتلندا وأيرلندا والكساد الاقتصادي البريطاني وغيرها من القضايا التي ستكون حاضرة بقوة ومع ذلك فإن نسبة التأثير تظل غير واضحة في ظل استقطاب عميق وحاد في مجتمع ترك يواجه أزمة اللاجئين بصورة مقلقة لأمن هويته وعاداته الاجتماعية ووضعه الاقتصادي.

أخيرا باعتقادي ستكون انتخابات الرئاسة النمساوية المعادة بقرار المحكمة العليا النمساوية مؤشرًا مهمًا حول مستقبل الاتحاد الأوروبي ككيان سياسي ولمستقبل أوروبا ككتلة اقتصادية موحدة في المستقبل القريب ولمستقبل اليمين في ظل المؤشرات القوية على تحقيقه نتائج انتخابية مؤثرة في ظل تفاعلات سياسية واجتماعية عميقة تشهدها القارة، مع تزايد القلق الأمني واستفحال فساد النخب السياسية الذي شكل استفتاء بريطانيا أحد تجلياته الكبرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد