ديباجة سخيفة لتفسير وضع أكثر سخفًا 

للموت حُرمة وقداسة، لذا نحتفي به كثيرًا ونجلّ الموتى أكثر من الأحياء، وربما نخلع عليهم من الصفات ما ليس موجودًا فيهم وهم أحياء، نرفعهم فوق الرؤوس، ونضعهم فوق قدرهم، ربما تعويضًا عن بؤس عاشوه، ومن الموتى من ينال مكانة كبيرة وشهرة أكبر.. كل ذلك أمر طبيعي، لكن ما لا يعقل أن نغبط الموتى على وفاتهم، وأن يتميّز بعض الأحياء غيظًا من شهرة لحقت بميت.

ودائمًا للصورة أبعاد أخرى، قد لا نراها رغم وضوحها أمامنا، فمن الفطنة أن يغوص المرء كل فترة ما بين السطور بحثًا عن المطمور من المعاني والدلالات. من الحصافة أن تنظر للحدث من زواياه جميعها، وألاّ تنساق وراء ما يُقدّم لك من رؤى معلّبة.

هزّ صديقي الحكيم رأسه على مضض، كأنما يستعجلني أن أنهي تلك الديباجة السخيفة، تجاهلت إيماءته، أكملت: لقد أمعنت النظر في وفاة كاتب شهير منذ أيام، فوجدت الأمر مشابهًا لحدث وقع في ثمانينات القرن العشرين، ظهور شركات توظيف الأموال، أو ما أطلق عليها حينها: (بالوعة الصرف الجهنمية) تلك التي أذابت الأطماع والمطامع: أطماع المودعين ومطامع الناهبين، كيانات وهمية ظهرت في وقت لم تكن الدولة مستعدة للتعامل مع طوفان من أموال العمالة المصرية بالخارج، فتركتها لمصيرها، فظهر الأفّاقون من كل صوب، وكان ما رأيناه وقتها ولا تزال بعض آثاره قائمة شاخصة بين ظهرانينا.

الحدث الثاني وقع منذ أيام قلائل، وفاة كاتب، أزعم أن بعض جيلي، إن لم يكن غالبيتهم، لم يسمعوا به أو لم يقرأوا له، تفوّق ميتًا على كثير من الأحياء؛ فقد اتشحت مواقع التواصل الاجتماعي بالسواد، امتد النحيب والعويل على الفقيد بطول (الميديا) وعرضها، لحن عزف عليه كثيرون وأجزم أن منهم من لم يقرأ للفقيد أو يعرف به، لكن هذا عهدنا، فاتقان العزف على اللحن السائد مهارة، والخروج عليها نشوز غير مقبول، أو غير مسموح به.

ما يعنينا من الحدث الثاني الدلالة أن الفقيد رحمه الله بأسلوبه، وبغض النظر عن جدواه أو مضمونه، جمع حوله قطاعات كبيرة، وخاصة من الشباب، ومن لفّ لفّهم، بهرهم بعوالمه التي يتحدث عنها أو يكتب، انتشر بينهم، راجت أفكاره وعباراته؛ فأصبحت خالدة بين ظهرانيهم، أضحت مأثورات نشروها بصفحاتهم، بينما الدولة بمؤسساتها الثقافية غافلة، كالزوج آخر من يعلم، أو ربما تعلم وغضّت الطرف.

وفاة الكاتب وضعت الجميع في مأزق؛ ذلك أن شهرته التي جابت الأفق، طافت بالبلاد، قد أحرجت الجميع، رموزًا ثقافية أو سياسية أو غيرها، فبحثوا عن دلالات تريحهم وتفسّر المشهد على هواهم، فتّشوا في الصدور ونقّبوا وخرجوا بما يريح العقل الغائب أن الراحل كان كذا أو كذا أو…

تجاهل هؤلاء – بعض الجهل نعمة لأصحابه – أن رجلًا كاتبًا مغمورًا من وجهة نظرهم كان يقرأ له الشباب، تحج إليه وفودهم مع كل مناسبة، يتتبعون أخباره ويستأنسون بأفكاره.

فإذا كان غياب الدولة في ثمانينات القرن العشرين قد أضاع ثروات طائلة، تمثلت في ثروات وتحويلات العمالة المصرية بالخارج، وبالأخص بمنطقة الخليج العربي، فقد كان هناك من ينتظرها؛ إذ ذهبت للنهّابين، كان يمكن توجيهها للتنمية، وكان بإمكانها أن تُحدث فارقًا في حياة المجتمع والناس، فإنها كانت بحالة إغماءة طويلة ومستمرة، حتى أطاحت وفاة كاتب باستقرارها الزائف، هزّت الدولة وأظهرت حقيقة ريادتها الثقافية، وأوضحت حقيقة من له اليد الطولى في التأثير على الشباب، جمعهم وراء أفكاره.. أظهرت أن العقد منفرط من بين أصابعها، وأن عملية تشكيل الوعي وصياغة عقول النشء تتم بعيدًا عنها. وأن ما تنفقه منذ عشرات السنين على الثقافة لا طائل من ورائه، وأن من يتصدّر المشهد من المثقفين لا علاقة لهم بالقوة الهادرة من الشباب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد