تعرض مجتمعنا السوري، لنوبة افترس مستدامةٍ، ما زال يعاني عقابيلها المادية والمعنوية، بعد أن عممت عقمًا سياسيًا شاملًا فيه.

تمتد جذور هذه الحالة، إلى سبعينيات القرن الماضي، وعلى أعقاب الانقلابات المتتالية، التي كانت سمةً لتلك المرحلة المضطربة، فقد بدأت سوريا آنذاك بالتحول كليًّا نحو التسلط والاستبداد، وإلغاء كافة النظائر السياسية المحتملة من حياة السوريين، وتجميدها عند هذا الحد، فاقتصر تقديم الحياة العامة على فئة عسكرية وأمنية حاكمة، بشكلها التولتاري البغيض الذي عهدناه في سوريا وما زال.

ولما كان من المستحيل تثبيت حركية المجتمع السوري عند هذه اللحظة الفارقة، ظل تململ المجتمع موجودًا، وحدثت الكثير من الاندفاعات التي تنبئ باستحالة الاستمرار لهذه المنهجية القمعية، لكن النظام لا يستجيب، فوصل الحال لما هو عليه إلى اندلاع الانتفاضة في2011 وإعلان السوريين رسميًا شقّهم لعصا الطاعة اتجاه نظامٍ مستبدٍ وقمعي، يحاصر ويضطهد كل حرية فردية، أو عامة يمكن أن تهدد وجوده في الاستمرار.

وفي تحليل سريع لأدوار سياسية معارضة أخرى في المنطقة -يمكن القياس عليها- تبعًا للمواقف الدولية والإقليمية، فإنها تتبدى حيال الأنظمة المستبدة وبرامجها الجادة لتغيير الأنظمة المستبدة، تمثل ذلك في دعم العديد من حكومات المنفى التي تعلن عن نفسها.

فلماذا كان النظام السوري استثناء في المنطقة، ولماذا أصبح تغييره مثارًا للجدل؟ نستطيع القول في هذا الموضع بالذات: أن هناك التفافا وتهاونا في الموقف الدولي اتجاه مسألة التغيير في سوريا.

تناولت الكثير من الشخصيات والبيانات، والمواقف، والدراسات، والأبحاث تفنيدًا لهذه المعضلة، ليتبين لنا أن المسعى الدولي في دعم التغيير الديمقراطي في سوريا مؤجل إلى أجل غير مسمى، وهو إلى الآن مجرد لعبة يلعبها متسابقون بشقيهم الإقليمي، والدولي، وفقًا لمصالحهم المتداخلة، خاصة وأن سوريا تتمتع بموقع جيوسياسي، وجيو استراتيجي، لا يمكن التفريط فيه على رقعة الشرق الأوسط.

وما من وسيلة تحفظ إمكانية ترسيم المصالح الدولية أكثر من تدخلها في إدارة التوازن الحذر بين الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، وبين النظام باعتبارهما طرفا نزاع على الحكم في سوريا، بزعم تحقيق عدالة انتقالية وإرساء نظام ديمقراطي ودولة سورية عصرية وجديدة لم نتبين ملامحها بعد.

تذبذب دعم الائتلاف من مجموعة أصدقائه الدوليين، وتم الحفاظ على وجوده باعتباره نظيرًا معارضًا للنظام السوري، فلم تكن مواقف الدول الداعمة لتخلو من التلاعب بمصيره وفاعليته بين الآونة والأخرى، في أكثر من صيغة سياسية، لينتقل به الحال، إلى انفصاله عن الواقع السوري وتفاصيله الأمنية، والإدارية، والعسكرية ثم اختزاله في هيئة تفاوضية عليا، ثم لجنة دستورية، تقتسم الشراكة مع وفد تفاوضي للنظام، في محاولة بائسة ومشوهة، لإجراء تعديلات في النسخة الدستورية التي أعدتها لجنة النظام في 2012 برئاسة العنبري.

ظل المجتمع الدولي، كما هو معروف في كل مناسبة واستحقاق سياسي، يماطل في توجيهه لدفة السياسة السورية نحو التغيير الشامل للنظام، وساهم في توجيه انحرافات العملية السياسية، التي أفضت الى نتائج كارثية أقلها أن الائتلاف السوري بات حاملًا رئيسيًا لمسألة الحفاظ على استمرارية الفوضى السورية، ومسؤولا مباشرًا عن حالات العنف المفرط الذي يحول في كل مناسبة دون النفاذ إلى عملية الانتقال السياسي.

وحين يتم إشغال الائتلاف وجمهور المعارضة بمبادرات إقليمية ودولية، لا طائل منها سوى زجهما نحو مجاراة النظام، لإرضاء الرعاة الدوليين، على حساب استقلالية القرار السوري. لم نجد أن الائتلاف قد سجل أية مواقف واضحة، لإرغام الأطراف المتدخلة في الشأن السوري، على قبول خارطة طريق تفضي إلى انتقال سياسي. وعلى العكس من ذلك قد تدفع مقدمات تطويع للمعارضة إلى تأهيل النظام من قبل حلفائه، ومؤشرات ذلك تتجدد من وقت لآخر، عبر سياسات كسب الوقت أملا منه بتجاوز المعارضة وإسقاطها، أو إرغامها على صفقة ما، تخضعها لشروطه.

فالائتلاف والنظام في تفاوض مفتوح، ولا يخضعان لجدولٍ زمنيٍ في المفاوضات ويجري ذلك أمام أعين شعب سوري تعرفه الدساتير الجمهورية مجتمعة بأنه مصدر السلطات،

ذلك تقصير لا يمكن تجاوزه إلا باستقالة علنية تغسل عار الائتلاف ومؤسساته وتجدد لغير شخوصه، شروطًا جديدة في الأداء السياسي، وإلا فإنه يسوق بنفسه نحو التعنت وخيانة التضحيات التي قدمها السوريون لتحقيق مصلحة وطنية طال انتظارها من قبل السوريين.

ويحق لنا السؤال في هذا الصدد، ماذا يفعل الائتلاف؟ وماذا ينتظر في كواليس السياسة الدولية حين يستمر ضاربًا عرض الحائط بكل مناداة أو تصويب لدوره السياسي؟

وكما النظام السوري مستمر في ممارسة الاستبداد يستمر الائتلاف مستبدا بهذه الأدوار المهينة ليكون نظيرا لنظام أجرم وتفنن في قتل السوريين وتشريدهم.

ليس عيبا أن يلجأ الائتلاف السوري المعارض إلى التفاوض لكن العيب يكمن في أنه يصعِّب المهام أمام المعارضة والثورة، في مهمة تغيير نظام الاستبداد وحال دون ذلك موافقته وتجاوزه بيان جنيف والقرار الدولي 2254 واختزالاته لنصوصه الصريحة في ضرورة إجراء حل سياسي في سوريا يفضي إلى هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات.

لا أعتقد أن في نصوص القرار الدولي ما يلتبس على السوريين، الذين يحلمون بالحرية والكرامة، لكن الملتبس والواجب تفاديه، هو الأداء الرسمي للائتلاف في تمثيله مطالب السوريين الطامحين إلى الكرامة والحرية، وتناظره السياسي مع النظام حين يتحول من موقع الندية السياسية إلى الشريك والتماهي في تأجيل كافة الاستحقاقات السورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد