لقد خلق الله الإنسان حرًا، لا يدين لغير الله بالربوبية،ولا يقر لأحد سواه بالألوهية، وجعل قمة حريته في تمام عبوديته، وفي التحرر من كل قيد يحول بينه وبين الله أو يعوقه عن أداء رسالته التي خلق من أجلها، وفي البراء من كل قانون ينظم حياته يخالف شرعة ربه، فلا حلال إلا ما أحله الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله.

وجعل الله قمة سعادة الإنسان في التحرر من عبودية خلقه وإفراده وحده سبحانه  بالعبودية فقال عز من قائل: ضرب الله مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلمًا لرجل هل يستويان مثلًا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون.. وجعل السعي إلى ذلك  أشرف الجهاد وغاية الوجود فقال: وقاتلوهم حتي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. فجعل بذلك غاية الجهاد تحرير الإنسان من كل قوة تمنعه حقه في اختيار معبوده وامتلاكه كامل إرادته لتحديد وجهته في هذه الحياة. ولعل هذا هو ما فقهه الربعي بن عامر حين قال لأحد جبابرة الأرض عندما سأله من أنتم وماذا تريدون؟ فأجابه  الربعي: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن جور الأديان إل عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلي سعة الدنيا والآخرة.

بل إن الله أمر الإنسان ان يتحرر من أسر العوارض، فلا تأسره شهوة، ولا تستعبده رغبة، فقال صلى الله عليه وسلم: تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وان لم يعط لم يرض. وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من كل جواذب الأرض التي تكبل الإنسان وتعطل مسيره الي الله، فكان من دعائه: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.

ثم جعل  الله سعي الإنسان لامتلاك حريته في التعبير  من أعظم أنواع الجهاد الذي إن فقد حياته فيه كان من سادة الشهداء فقال صلى الله عليه وسلم: سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله.. وجعل تحرير الإنسان من الرق من أعظم القربات التي يمحو الله بها الخطايا ويرفع بها  الدرجات، وجعل الاعتداء على حريات الآخرين من الخطايا التي لا يقرها الدين، ولا تتقبلها الفطر السوية، فهذا عمر يوبخ أحد ولاته عندما جار ابنه على أحد  رعاياه  قائلًا: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟

ومع تثمين الإسلام لقيمة الحرية إلا أنه ضبطها بميزان الشرع، والذي ينهي حرية الفرد عند بداية حرية الآخرين،فلا ضرر ولا ضرار، ولذا فهي حرية مسؤولة لا يهمل المسلم فيها حق المجتمع وهو يمارس حقه في الحرية كما قال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ, فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا, وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا, فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِن الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ, فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا, فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا, وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا» (رواه البخاري).

 فالحرية إذًا قيمة تهفو لها كل النفوس بما فطرت عليه، فطرة الله التي فطر الناس عليها، وحق لا يستجدي ولا يتفضل به أحد على أحد، بل هو حق أصيل لكل إنسان، على كل مسلم أن يجاهد  ليثبته لنفسه ولمجتمعه ولأمته، بل ولكل نسمة على وجه البسيطه، إذ لا معنى لحياة الإنسان إن سلبت منه حريته، ولا قيمة لوجوده إن لم يجاهد في سبيلها، ومن جميل ما قيل في ذلك قول الشاعر الكبير أحمد مطر:

إن الحرية أن تحيا عبدًا لله بكلية
وفق القرآن ووفق الشرع ووفق السنن النبوية
لا حسب قوانين طغاة أو تشريعات أرضية
وضعت كي تحمي ظلامًا وتعيد القيم الوثنية
الحرية نبت ينمو بدماء حرة وزكية
تؤخذ قسرًا تبني صرحًا يرعى بجهاد وحمية
يعلو بسهام ورماح ورجال عشقوا الحرية
اسمع ما أملي يا ولدي وارويه لكل البشرية
إن تغفل عن سيفك يوما فانس موضوع الحرية
فغيابك عن يوم لقاء هو نصر للطاغوتية..

لن يجمع في قلب أبدًا إيمان مع جبن طوية..

اردت من هذا الإسهاب أن أبرز لك أيها القاريء ماذا تعنيه قيمة الحرية بالنسبة للمسلم وكيف عظمها الإسلام وأعلى من شأنها وقدم طلبها علي غيرها من القيم، إذ إنها المناخ الذي تنمو فيه القيم الأخرى، فلا قيام لمجتمع ينشد السيادة والريادة والرقي والتقدم بدون مساحة من الحرية يقوم فيها المجتمع نفسه بنفسه، فيروده أكفأ أبنائه، ويستفيد أعظم إفادة من مقدراته، ويطهر نفسه بنفسه من كل من يعرقل مسيره نحو ما يحقق رقيه وتقدمه، ولعلك الآن تدرك لم يحول المستبدون بين الشعوب وحريتها، إذ إن في ذلك زوال عروشهم وتبديد ملكهم.

ولقد كان الكاتب جمال خاشوقجي واحدًا ممن آمنوا بالحرية، وواحدًا من أولئك الذين تفاءلوا بالربيع العربي، ودعموه وأيدوه، وأملوا فيه حلمًا يتحقق بان تحصل شعوب بلادهم المقهورة علي كامل إرادتها في تقرير مصيرها، وساءه كثيرًا كما ساء غيره تلك الانتكاسة التي منيت بها ثورات الربيع العربي وانقلاب المستبدين عليها، وإهدارهم لإرادة الأمة، وممارساتهم الفاجرة ضد كل من شارك في صنعها أو دعمها أفرادًا كانوا أو جماعات أو دولًا، فنادي كغيره من الأحرار بوجوب احترام إرادة الشعوب، وندد بالممارسات التي ترتكبها هذه الأنظمة في حق معارضيهم، ونادي بحرية التعبير، وإنها هي السبيل الوحيد لاستقرار البلاد ونهضة الأمة، فكان واحدًا ممن طالتهم يد الأنظمة المستبدة الفاجرة والتي تري في مثله من يهدد عروشهم ويقوض بنيانهم، فانتقموا منه على نحو ما سمعنا وبهذه الطريقة البشعة المروعة والتي تعبر عن مدى حقدهم وضيقهم بكل خاشقجي يؤمن بالحرية ويجاهد في سبيلها.

 وكم في بلادنا من خاشقجي، وكم من خاشقجي ناله ما نال الشهيد بإذن الله عليه رحمة الله، رأيناهم في ميادين الصمود في رابعة والنهضة وسوريا واليمن وليبيا وتونس وفلسطين، ورأيناهم يملؤون سجون الظالمين، وينتشرون في ربوع الأرض مهجرين فارين بدينهم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، ومن العجب العجاب أن ينتفض العالم الكاذب لاغتيال واحد عندما وجدوا في ذلك سبيلًا لمزيد من ابتزاز حكام مأجورين كل همهم أن يحافظوا علي بقائهم حتى ولو باعوا أوطانهم وشعوبهم، بينما يغض الطرف عن قتل الآلاف من أمثال الأستاذ جمال خاشقجي والذين لم يكن لهم ذنب إلا أنهم طالبوا بحريتهم واستقلال إرادتهم وحقهم في تقرير مصيرهم، فمصالح هؤلاء المجرمين  في أن يفني أمثال أولئك، وامتلاك الأحرار لحريتهم هي السيف الذي سيطيح برقاب هؤلاء المستبدين، ولذا فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يمكنوهم من ذلك.
ورغم كل هذا السواد الحالك الذي يحيط بالأمة في هذه الحقبة من تاريخها، فكل الأحرار علي يقين أن عروش الظالمين إلى زوال، ومصيرهم إلى الهلاك، وأن الفجر آت لا محالة، وأن ساعة بزوغه قد اقتربت، وان نصر الله قريب، يرونه بعيدًا، ويراه الأحرار قريبًا، وما ذلك على الله بعزيز. فاللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد