المواطن اليمني بين انتهاك السلطات وجشع الصرافين

في وضع مأساوي يمر به اليمن اقتصاديًا وإنسانيًا واجتماعيًا، إذ يواجه اليمن نقصًا حادًا في السلع الأساسية ومنها المياه والكهرباء والدواء والوقود، وتُظهِر التقديرات أن أكثر من 21.1 مليون شخص في حاجة إلى الغذاء والملجأ والرعاية الصحية ومياه الشرب، نصفهم أطفال وأكثر من 10% مشرَّدون داخليًا، وفضلًا عن ذلك ازدادت معدلات الفقر وسوء التغذية بين أكثر فئات السكان ضعفًا وحرمانًا بسبب الارتفاع الحاد لأسعار المواد الغذائية وفقدان الوظائف وقلة فرص العمل، كل هذه العوامل سهّلت الوضع الحالي اليوم، حيث يعيش 8.4 مليون يمني على حافة المجاعة و22 مليون بحاجة ماسة إلى الدعم الإنساني، فيما وصفته الأمم المتحدة بأكبر كارثة إنسانية في العالم.

وحسب إحصائيات أن 80% من اليمنيين يُعتبرون الآن فقراء، ويشتمل هؤلاء على أكثر من 15 مليونًا لا تتوفر لهم سبل الوصول إلى المنشآت الصحية والحصول على الرعاية الطبية، ومع فرار الناس من ديارهم وعدم وجود مُخيَّمات رسمية، يقيم المُشرَّدون في مدارس، وهو ما يعوق العملية التعليمية لنحو 13 ألف طالب، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 537 ألف طفل معرضون لخطر الإصابة بنقص حاد للتغذية، وتتفاقم هذه التحديات من جراء ارتفاع الأسعار التي قلَّصت بالفعل إمكانية الحصول على الغذاء والماء المأمون والخدمات العامة الأساسية وفرص العمل وكسب الرزق.

سلطات منتهكة

في ظل استمرار سلطات الانقلاب وهيمنتها على مقدرات المواطن، ومنعه من أبسط حقوقه، وفي ذات الوقت لم تقف عند هذا الحد، ولكنها تجاوزت إلى أبعد من ذلك ففي الوقت الذي يُتوقع منها أن تقوم بردم الهوة بينها وبين المواطن المغلوب على أمره، والمحتاج المسلوب حقه، والضعيف الذي فقد الأمل تعمل جاهدة على التغوّل المستمر، والإضرار المتعمد، والانهاك المفرط من خلال إجراءات قاتلة، ومعاملات قمعية، وتسلّط على كافة منافذ الحياة، وأسباب العيش.

لقد صُودر حق المواطن اليمني منذ العام 2014 بعدما اغتصبت السلطة، وتم الاستيلاء على موارد الدولة، والبنك المركزي بصنعاء وعلى إثر ذلك قُطعت مرتبات الموظفين في السلك المدني والعسكري وعلى رأسهم المعلم الذي يُعتبر اللبنة الأساسية لأي نهضة، وحجر الزاوية لأي تقدم، فكان هذا بمثابة الصاعقة التي أردت الموظف أرضًا، ولم يستطيع أن يفوق من كبوته، أو يقلع من الصفعة المدوية التي عجز أن يفيق بعدها.

استغلال همجي

في ظل هذا الواقع المؤلم، والوضع المزرى للمواطن تمادت سلطات الأمر الواقع في إجراءاتها، وزادت في غيّها فلم تكتف بقطع الأرزاق والأقوات الضرورية، بل قامت بسلخ المواطن مما تبقى لديه من مدخرات مالية من خلال قرار سحب العملات الجديدة التي يتعامل بها المواطن بكثافة، وأصبحت رائجة في مناطق الانقلابين حتى صار عرضها أكثر من العملة القديمة، وهذا ما جعل سلطات الأمر الواقع تقوم بسحب العملة حفاظًا على سمعتها وقد قررت في العام 2017 بقطع التعامل بالعملة الجديدة التابعة للشرعية، ومعاقبة من ظهر تعامله بذلك، وبالرغم من القرار السابق إلا إنها غضت الطرف، وتركت مساحة للمواطن كون رصيدها لا زال يغطي مصروفاتها على الجبهات والمشرفين المنضويين تحت لوائها، لذلك لم تسارع من قبل بسحب العملة أو منعها من وهلة بدء التعامل معها، بالرغم من القرار السابق لها حتى أحست بالخطر واستنفدت ما لديها من مخزون مالي، ومنهوبات حكومية، وجبايات من التجار وأصحاب العقارات، سواء كانوا صغارًا أو كبارًا، عزمت على إحياء القرار وسارعت في سحب مدخرات الناس لرفد جبهاتها، ودعم مقاتيلها، والإيفاء بمصروفاتها ومشاريع المشرفين والمتنفذين في سلطات الأمر الواقع.

إن هذه الإجراءات قد أفضت إلى كوارث اقتصادية، وإنسانية، واجتماعية وأخلاقية؛ ففي الوقت الذي تدّعي أنها مسيرة قرآنية، ونهجها ديني، وطريقتها محمدية فإنها تشرعن للمواطن ورغمًا عنه التعامل بما يخالف الشرع، وينتهك أحكام الشريعة الغراء فقد أباحت التعامل بالربا من خلال مبادلة عملة من نفس جنسها وصفًا وعينًا مع أخذ فارق فمثلًا يعطي المواطن المسكين ألف ريال يمني من العملة الجديدة فيبدلها له المصرف بـ800 ريال عملة قديمة بنفس الريال اليمني وهذا عين الربا، والتعامل به صار رسميًا بل مبارك فعله، ومجبر المواطن التعامل به، والتسنن بسنة آل البيت المخالفين للنصوص، والمتجاوزين للحدود.

واقتصاديًا فقد انعكست تداعياته السلبية على أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية التي ارتفعت بشكل قياسي، بالإضافة إلى اضطراب حركة البيع والشراء، بما جعل الآلاف من الناس عاجزين عن تأمين الاحتياجات الأساسية من الأغذية والأدوية بسبب عدم امتلاكهم عملة من الفئات القديمة.

صرافون جشعون

يعتبر الصرافون أيضًا شركاء في هذه المعاناة، ولهم نصيب الأسد من هذه الظروف التي تسحق المواطن، وتدهسه دون أدنى ضمير، أو شعور إنساني، ولا شك أن الصرافون لديهم فروع في كل أنحاء الجمهورية، أو لديهم شبكات تقوم بالتنسيق فيما بينها لابتزاز المواطنين في مناطق الشرعية، أو مناطق سلطات الأمر الواقع، فقد تلجأ الشركات المصرفية لدى سلطات الأمر الواقع للبحث عن فئات نقدية قديمة من مناطق الشرعية لتغطية المالية والمصرفية الشحيحة لديها بدفع نسبة ربحية ربوية زائدة على ما توفر من تلك الفئات بفارق عال عن قيمتها الأصلية، ويجري تعويضها من معاملات المواطنين، ومن خلال التنسيق فإنها تعمل على استجلاب الفئات القديمة من مناطق سيطرة الشرعية، وتعويضها من الفئات الجديدة بتحويلها وإرسالها إلى مناطق الشرعية مع فارق ربحي تصل ما بين 20 ألف إلى 30 ألف للمليون ريال وربما أكثر.

كما ارتفعت عمولات التحويل خصوصًا من مناطق الشرعية إلى مناطق سلطات الأمر الواقع، أو العكس وبشكل مهول من خلال استغلال المواطن ورفع عمولات التحويل بشكل جنوني حتى وصلت مضاعفات العمولات إلى 300% مقارنة بسعرها قبل هذه الإجراءات التعسفية، ويعزي الصرافون هذا الارتفاع إلى أسباب منها فارق صرف العملات الأجنبية بين صنعاء وعدن، بالرغم من أن أغلب التحويلات والتعاملات تتم بالريال اليمني، فمثلًا وصلت أسعار تحويلات مليون ريال يمني إلى 70 ألف ريال أو أكثر من ذلك وهذه الإجراءات وللأسف أصبحت شرعًا وقانونًا لدى الصرافين في مناطق الشرعية ومناطق الانقلاب.

شرعية عاجزة

إن هذه الكوارث التي انصبت على المواطن ولا زالت في تزايد يومًا بعد يوم بفعل سلطات الانقلاب لا تعفى منها الشرعية المريضة التي عجزت عن تحرير البلاد أولًا، وعدم قدرتها على التحكم بالسياسة النقدية في البلاد من خلال البنك المركزي اليمني الذي ظل تحت تصرف الحوثيين حتى نفد الاحتياطي من النقد، وبالرغم من نقلها البنك إلى عدن، إلا أنها هشة في القرارات والسياسات المتعلقة بالعملة والصرف، والإيفاء باحتياجات السوق من النقد، كما أنها أثبتت عجزها عن فرض رقابة حقيقية على المصارف كحد أدنى، ووضع حد لاستنزاف المواطن، والاستمرار في نهشه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد