الكثير من السياسيين المتلهفين على السلطة يجدون أن اجتذاب الفاسدين إلى صفوفهم من أكثر الأمور يُسرًا؛ فالقادة يُريدون البقاء في السلطة، ومن ثَمّ عليهم اتخاذ ما يلزم لتحقيق ذلك، فلا يتورع القادة المستبدون عن أعمال الكبت والقمع، بل قتل منافسيهم أيضًا، سواء تم ذلك على المستوى الواقعي أو المتخيل.

ومما لا شك فيه أن من يُمانع في القيام بأعمال وحشية، وينشر الوعي المضاد لذلك الفساد، لن يُكتب له البقاء طويلًا – في منظورهم – وإن لم يدفع هؤلاء القادة الأموال لمؤيديهم من أجل ارتكاب الأعمال المروّعة، فمن المؤكد أن يقوم آخرون بشراء هؤلاء المؤيدين، ويكافئونهم بالثروات والمناصب؛ نظير ارتكاب تلك الأعمال البشعة إنسانيًا.

وحين نبحث في صفحات التاريخ، نجد العديد من تلك النماذج التي استوعبت ذلك؛ فقد طبّق «جنكيزخان» تلك المبادئ، فكان إذا أتى مدينة رفضت الاستسلام له على الفور، قام بقتل جميع قاطنيها، ثم يتأكد أن الأخبار قد وصلت إلى المدينة التالية، وبهذا الأسلوب لم يجد أن عليه في المجمل قتل أعداد كبيرة من سكان المدن؛ إذ توصلوا إلى أن من الأفضل لهم الاستسلام، وتسليمه ثرواتهم، وأن يمر المغول من خلال مدنهم، ويتركوا الناجين يدبرون أمورهم.

وفي انجلترا، نجد أن «هنري الخامس» كان يتمتع بصيت أكبر وأفضل من جنكيز خان – في رأي بعض المؤرخين – إلّا أنه لم يكن أقل نزوعًا للضراوة والوحشية، كما جاء على لسانه في رواية «شكسبير» التي تحمل اسمه؛ حينما تحدث أثناء حصاره لمدينة «هالفيلر» الفرنسية متوعدًا أهلها بالويلات؛ إن لم يستسلم حاكم المدينة، وفصّل ذلك الحديث، الذي يطرب له مشاهدو المسرح الإنجليزي، وبالشائعات التي تقشعر لها الأبدان، والتي سيلحقها بأهل المدينة إن لم تستسلم، لكن من حُسن حظهم أن استسلم حاكم المدينة لدى سماعه لما قاله هنري!

تاريخيًا، ظل أقوى القادة في العالم حكامًا استبداديين، يدينون ببقائهم في السلطة لائتلاف صغير العدد، كما يتمتع أكثرهم نجاحًا، بوجود وسائل آمنة؛ للاستيلاء على العائدات الضخمة من مختلف موارد البلاد.

بمجرد أن يتولى الحاكم المستبد السلطة، يجد أنه ينبغي عليه الإفراط في جباية الضرائب، كما يرى هؤلاء الحكام أن عليهم قمع المعارضين، حتى لو استلزم ذلك سقوط آلاف الأبرياء، فعلى سبيل المثال: رأى «جوزيف ستالين» أن قتل الملايين مبرر من أجل القضاء على عدد قليل من أعداء الشعب، فيرى هؤلاء الحكام ضرورة توزيع الجوائز السخية على الداعمين لهم.

ومن خلال استخدام المال يقوم فساد السلطة؛ إذ إن المال يعمل على تحديد مسارات مختلف الائتلافات، فهو المفتاح لولائهم، فيحتاج المستبدون حين يريدون قمع أعدائهم، والتنكيل بهم، إلى من يقوم بتلك المهام، وتلك الأعمال تكون باهظة التكلفة.

فيستعرض هؤلاء المستبدون ومؤيدوهم ثرواتهم الكبيرة والتباهي بها، هذا على الرغم من فقر شعوبهم المعدمين لدرجة الموت، فهم يكتنزون الثروات لاستخدامها الشخصي في الأوقات العصيبة، بيد أن احتكارهم للسلطة، ومصادر القوة، يقمع الناس، فيما تُبقي الأموال على القلة من المختارين؛ لموالاتهم في رفاهية؛ من أجل فرض إرادة النظام، وحماية سلطة الحاكم المستبد.

ونجد أن هؤلاء الحكام يضعون الرغبة في الأعمال التي تعود على شعوبهم بالخير في آخر المراتب – إن وجدت – بعد رغبتهم في البقاء سياسيًا، وإتاحة الأموال التي بإمكانهم التصرف فيها كما يحلو لهم، فمنح المزايا والمكافآت الخاصة هي أكثر ما يساعد الحكام المستبدين على تكثير المؤيدين لهم، والاحتفاظ بولائهم، وبذلك تقوم السلطة المطلقة لتصبح مَفسدة مطلقة، كما أن الفساد الذي تنشره السلطة المستبدة في شعوبها يعمل على تمكينها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد