Authority theory

ما إن انفجّرت الأحداث السّياسية السّاخنة الأخيرة في تونس من تجميد اختصاصات البرلمان وإقالة رئيس الحكومة ورفع الحصانة عن النّواب – وهو ما اعتبره الكثيرون انقلابًا ممنهجًا على الشرعيّة الدستورية – إلا وتباينت الآراء والتحليلات في تقدير الموقف بين من يُقر بأنه انقلاب كامل الأركان وبين من ينفى ذلك، إلا أنّ متتالية الأحداث أثبتت ما أكّده التحليل الأول.

وكان لهذا الحدث السياسي المهم؛ الأثر البالغ على الأصعدة كافة الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية، وسيكتفي هذا المقال بالحديث عن الجانب الإعلامي وعلاقته بمستقل حرية الصحافة في تونس.

يُعدّ اقتحام الأمن التّونسي لمقر أحد المؤسسات الإعلاميّة البارزة دوليًا وإقليميًا أحد أهم المؤشرات التي تُشكّل تهديدًا حقيقيًا لحرية الصحافة والإعلام وعائقًا أمام وصول الحقيقة بانسيابية إلى الجماهير في دولة دستوريّة من المفترض أنها تتمتع بمساحات واسعة من الديمقراطيّة خاصة على المستوى السياسي والقانوني والإعلامي. ومما لا شكّ فيه أن هذه الممارسات بعد مشوار طويل سعى إليه التونسيون لنيل استقلال المؤسسات الإعلامية وتحررها من قبضة الاستبداد السياسي تُعدُّ إحباطًا وفشلًا ذريعًا أمام تحقيق آمال التجربة الديمقراطيّة التونسية!

ويُذكر أنّ تونس احتلت في العام الحالي 2021 المركز 73 في التّصنيف العالمي والأول عربيًا لحرية الصحافة والإعلام حسب شبكة «مراسلون بلا حدود».

وهذا بدوره سيعيدنا لدائرة الحديث عن جدليّة العلاقة بين الإعلام والحريات الديمقراطية بالسلطة والنظريات التي تعرّضت لتلك العلاقة بالتّحليلات والدّراسات الطّويلة والمعمقة.

قاد القطاع الإعلامي في تونس منذ سنوات عديدة لواء الدفاع عن حرية الصحافة من خلال التّمسك بالتشريعات الدستورية التي تحمي استقلاليته وتدافع عن حرية الرأي والتعبير ضد محاولة إخضاع الإعلام لمسايرة توجهات الطّبقة الحاكمة، ومع ذلك نرى أن ما حدث أخيرًا من محاولة لكتم صوت الحقيقة في تونس لا يعبّر إلا عن خرق حقيقي لمقتضيات تطبيق الديمقراطية؛ التي جاءت لتمنح الجميع حق ممارسة الحقوق المشروعة ضمن الضوابط التي حدّدها دستور الدولة.

ويرى باحثون في الدّراسات الإعلامية أن الإعلام العربي – من ضمن نظريات كثيرة – تم تصنيفه بموجب «نظرية السلطة»؛ وهي التي ترى أن الإعلام يجب أن يكون خاضعًا للسلطة وينطق باسمها ويعمل بتوجيهاتها ويقدم وجهة نظرها على عكس الإعلام الليبرالي، أو إعلام الحرية الذي يقوم على أساس أنّ الإعلام سلطة رابعة رقابية يعتمد العقلانية فلسفة له، فيقدم وجهات النّظر المتباينة لفئات المجتمع، وهناك تقسيم آخر يقول أن الإعلام العربي ينقسم إلى موالٍ كما في الأنظمة الملكية، وتعبوي كما في الأنظمة الجمهورية، ومتنوع وهو الذي يقدم الحد الأدنى من تعدديّة الرأي، وغالبًا هذا الأخير نجده في الدول التي فيها مجالس أمة وشورى وبرلمانات وهي قليلة نسبيًا، وأخيرًا الاعلام الانتقالي وهو الذي يسمح بسيطرة حكومية في ذات الوقت الذي تظهر فيه درجة من حرية التعبير والتنوع.

وتجدر الإشارة إلى أنّ النّوع الرابع ظهر بعد اكتشاف الثّورة الرّقميّة والتطور التكنولوجي، وقد لجأت بعض الدول التي تحولت في سياستها تجاه الإعلام من النظام الملكي مثل الأردن والتعبوي مثل مصر – حسب بعض الباحثين – لنظام الإعلام الانتقالي كمحاولة ذكيّة للسيطرة على المؤسسات الإعلامية التي انسخلت من عباءة النفوذ السلطوي بتواجد التكنولوجيا التي حررتها من القيود السابقة.

لقد كشفت الممارسات الأخيرة في تونس أن نظرية السلطة في الإعلام هي التي ما زالت مسيطرة على النظام الحاكم وأن الديمقراطية الحقيقية غير مكتملة الأركان لا في تونس ولا في غيرها، وأن تغول نفوذ السلطات هو المحرّك الحقيقي للأحداث.

وبالرغم من حرج وحساسية المرحلة التي يمر بها الشعب التونسي، إلا أنه لا بد أن يظل الأمل موجودًا، يشعل الطموح ويحرك النفوس للدفاع عن مكتسبات الديمقراطية بكل ما أوتي من عزم وثبات وهمة، فالحقوق تُنتَزع ولا تُستجدى، والحفاظ على استقلالية الإعلام والصحافة والتعبير عن الرأي من أبسط حقوق الشعوب التي يجب أن تُمنحها.

قضيّة الدّفاع عن حرية الإعلام والصحافة في تونس قضية كل حُرّ، وقضية أصحاب الضمائر الحيّة، وقضية كل الصحفيين والمؤسسات الإعلامية والنقابات، وهي قضية معقودٌ عليها آملٌ كبيرة، فكل العالم ينظر إلى تونس بترقّب؛ صمود تونس وانتصار مكتسبات الديمقراطية هو انتصار للحقيقة وللحق الذي اغتالته أيادي الشّر في بلدان الرّبيع العربي، فما زالت أذرع الدولة العميقة ودولة الظل تعبث بمصائر الناس وحياتهم، ومقتضيات النّهوض تتطلب قوة حقيقية تواجه الصراع وتقوده ولا أعظم من قوة الوعيّ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد