«أنا بتنفس حرية ما تقطع عني الهوا، ولا تزيدا كتير عليَّ أحسن ما نوقع سوا، ما بتقدر أبدًا تلغيني بدك تسمعني وتحكيني» تلك الكلمات هي مطلع أغنية تصنف بأنها «سياسية ثورية» لـ«چوليا بطرس»*، تلخص هذه العبارات القصيرة الحال كثيرًا، ليس في لبنان موطن «بطرس» فحسب، ولكن في مصر أيضًا وبخاصةً في الوقت الحالي، وربما لم تعلم عندما غنتها بأنها ستصور معاناة شعوب عربية أخرى وتكون واسعة الانتشار هكذا بعد إصدارها بأكثر من عقد كامل.

وقعنا جميعًا في مستنقع الحكم العسكري الدموي عقب تظاهرة 30 يونيو 2013، فلم تكن ثورة ولا تحمل من مقوماتها المتعارف عليها على مر العصور شيئًا؛ فلا يوجد مرجع قديم أو حديث يتحدث عن ثورة قامت لبضع ساعات لم يكن لها ضحاياها من شهداء وجرحى، فضلًا عن عامل جوهري آخر يتمثل في نزول المتظاهرين جنبًا إلى جنب مع من ثاروا عليهم في البداية ليقوموا بإعادة إنتاج النظام البائد ولكن بإصدار أكثر دمويةً وفاشية وتوحشًا وخسة، وسيتسع القاموس كثيرًا حتى يوفي ذلك النظام الاستبدادي ما يستحق من صفات، أيًّا كانت دوافع من شاركوا بتلك التظاهرة حقيقية أو مختلقة، فلقد اعترف «السيسي» مؤخرًا بأن ما حدث في تلك الليلة كان قد خُطط له قبل تنفيذه بفترة طويلة، فالرؤوس التي دعت لتلك الليلة إذن كانوا على علمٍ مُسبق بما سيحدث، ومن لبوا نداءهم كانوا مجرد أرقام وخانات لإكمال الصورة المُعدة ليس أكثر.

عقب تلك التظاهرة ثم بيان 3 يوليو، تم اكتمال المشهد الهزلي يوم 24 يوليو بـ«السيسي» يخطب في نفر من عشرات الأشخاص يطالبهم هم ومن على شاكلتهم أن «ينزلوا علشان يدوه تفويض وأمر بالقضاء على الإرهاب المحتمل» بحسب ما قاله حرفيًا، فذلك الإرهاب لم يكن موجودًا إذن ولكنه قد يتواجد، فليأخذ له تفويضًا من باب الاحتياط «كما نقول بالتعبير المصري أهو آخده مش هيخسر!»، حدثت كثير من المذابح وقتل المئات وأحرقت عشرات الجثث أو لم يتم العثور عليها، وأصيب الآلاف، وغيبُ قسرًا وسجن عشرات الآلاف، وبات آلاف آخرون في عداد المطلوبين والمطاردين من قبل النظام داخليًا وخارجيًا، فقد الآلاف أشقاء وشقيقات وأمهات وآباء وأصدقاء، بل فقدت بعض العائلات ذكورها بالكامل من أب وأبناء.

كانت مطالب معظم من ذاقوا تلك الويلات تتلخص في مطلبين: 1- احترام الجميع لقواعد الديمقراطية المعمول بها في كل دول العالم، 2- مراعاة حرمة الدماء وأن يكف المعتدون على التحريض بإراقة المزيد منها، وليتوقف ذلك السعار المحموم الصارخ بإبادة شرائح وفصائل كاملة من المجتمع بدوافع ودعوات هي هذيانٌ محض من أشخاص لو كُشف عن قواهم العقلية لعلم من اتَّبَعُوهم وأخذوا ما تفوهوا به على أنه حقائقُ مسلمٌ بها أن مكانهم الطبيعي هو المصحات العقلية، وعندما لم يجد هؤلاء سوى ازدياد ذلك الحمق وأنهار الدماء وفيضان المظالم والخذلان لم يتحملوه؛ فآثر كثيرون منهم الانغلاق على مآسيهم والتضرع للخالق بأن تطال لعنة دمائهم ومظالمهم كل من أمر وبارك وحرض عليها، لم يفهم من عاب منهم ذلك أنه رد فعل طبيعي وبشري بحت لما عانوه ولو تحمّل غيرهم ما احتملوه لفعلوا أكثر من ذلك بكثير، بل رأوهم مخطئين فيجب أن ترتكب بحقهم المذابح ويعتقل ويطارد ويشرد عشرات الآلاف منهم ثم يتقبلوه فهم كانوا سببًا فيه و«باعوهم» في مواطن عدة «محمد محمود وغيرها» كما ادعوا، ولم يثبت يومًا صحة ذلك الادعاء؛ ففعليًا شارك كثير من أولئك الشباب الذي تمت بحقهم تلك المآسي في كل مواطن الثورة ولم يتخلفوا عن أيٍ منها تقريبًا.

«دايرة الدم مقفولة ولعنة الدم هتطول الكل وإللي مطمن على نفسه دلوقتي الظلم إللى رضي بيه هيطوله»، هكذا ردت شقيقة أحد الشهداء على صنوف الشامتين في دم شقيقها الذي قضى نحبه بأحد مذابح العسكر عقب التفويض، وها هي لعنة الدماء تطال الجميع، وفتح الجحيم أبوابه لاستقبال من كانوا بالأمس حلفاء ومُهللين لارتكاب تلك الفظائع أو على أقل تقدير مشاركين بالصمت والتظاهر بأن تلك المآسي التي وقعت ليس لها وجود، فاعتقل وطُورد العشرات منهم، فـ«العسكر» لن يسمحوا بوجود أي معارض أو حتى شبه مُعترض على استبدادهم وتغولهم الكامل على كافة شئون البلاد «سياسية، اقتصادية، تعليمية، صحية وحتى الدينية والخيرية».

«أنتم ماتعرفوش الجيش، الجيش دا آلة قتل» لقد صرح «السيسي» في أحد تسريباته المصورة بتلك العبارة التي تلخص تعريفه للجيش كما يراه وكما يجب أن يكون، ومع اجتياح العالم الغربي مؤخرًا نوبة من الجنون المفاجئ ووثبه باتجاه اليمين المتطرف ليكون على رأس هرم السلطة به وما تدور وقائعه في بريطانيا الآن عقب خروجها من الاتحاد الأوروبي واستقالة حكومة «ديڨيد كاميرون» ومجيء «تيريزا ماي» خلفًا له وهي التي أجابت بكل حدة وصراحة منذ بضعة أيام عن موافقتها التامة على استخدام ترسانة بريطانيا النووية لإبادة عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء إن رأت أن الضرورة تقتضي ذلك بالإضافة لقطب خارجيتها «بوريس چونسون»، وما يحدث في أمريكا من تقدم للمشرح الجمهوري «دونالد ترامب»، وسطوع نجم حزب «مارين لوبان» في فرنسا التي شبهت ذات يوم المسلمين المصلين في الشوارع بالاحتلال النازي لفرنسا، وكذلك ظهور ما يعرف بالرايخ الرابع في ألمانيا، وغيرهم خير دليل»؛ نتيجة انتشار لحمى الدم على يد منفذي عمليات إرهابية ينتمون لتنظيم داعش الذي لا يُعرف عن نشأته وأهدافه شيء؛ فمعظم من قاموا بتلك العمليات في الدول الأوروبية هم مدمني خمور وأصحاب بارات وأخيرًا شواذ جنسيًّا، وازدياد نبرة العداء الواضحة اتجاه العرب والمسلمين باعتبارهم إرهابيين وقتلة، يجب عدم السماح لهم بالمكوث في الدول الأوروبية حتى وإن كانوا من مواطنيها بل تتحدث بعض الدعوات عن ضرورة إبادتهم، وإن استمر ذلك فسيختفي قريبًا أي تحرك شعبي أوروبي ضاغط على الأنظمة هناك والذي يعمل على غل يد العسكر هنا عن ارتكاب المزيد من المذابح والانتهاكات؛ لتعمل «آلة القتل» بكامل طاقتها ونكون بصدد سيناريو «عشرية سوداء» جديد ذي طابع مصري هذه المرة «أقرب السيناريوهات لما يحدث في مصر الآن هو سيناريو العشرية السوداء في الجزائر والذي استمر طوال عقد التسعينات من القرن الماضي وكان من عوامل استمراريتها هو ذلك التعتيم الذي كان يسود آن ذاك، حيث لم يكن العالم قرية صغيرة ولم يكن لوسائل الإعلام والاتصال الحديث وجود كما هو الآن»، لقد فقدت الجزائر بسببها أكثر من 300 ألف شخص ما بين قتلى وجرحى ومُغتصبات بالإضافة لعشرات الآلاف من المشردين والنازحين، وهناك كثير من الكتب والأبحاث التي نُشرت لتؤرخ لتلك المأساة وأسبابها بشهادات حية من عسكريين ومدنيين على السواء، كان أبرزها كتاب «الحرب القذرة» لـ«حبيب سويدية» الضابط السابق في القوات الخاصة بالجيش الجزائري والذي كتبه بالفرنسية ثم تمت ترجمته للعربية والإيطالية وكتبت عنه تقارير باللغة الإنجليزية وقدمه مستشار الأمم المتحدة «فرديناندو أمبوزيماتو»، وفيه يتحدث «سويدية» عما عاصره من مذابح وأهوال حتى فراره من الجيش ولجوئه لفرنسا وكيف قام العسكر بإنشاء المليشيات المسلحة التي ادعى أفرادها أنهم إسلاميون ينتهجون الفكر التكفيري لبقية فئات المجتمع وكيف قاموا بالمذابح ضد المدنيين بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم وعلى رأسهم الإسلاميين، وكيف اتخذ العسكر ما فعله هؤلاء التكفيريون ذريعة لزيادة البطش على كل الأصعدة تحت زعم محاربة الإرهاب الإسلامي، ولكنه بالرغم من شهادته التي تبرئ الإسلاميين الذين أتت بهم انتخابات حرة ونزيهة شهد لها الجميع بذلك وما أصابهم من عمليات تشويه واعتقال ومذابح لا يخفى مقته كعسكري لهم؛ فيرى أنهم ليسوا جديرين لتولي مقاليد الحكم وكأنهم غرباء لم يأتوا من صلب المجتمع الجزائري، وتلك هي نظرة العسكر في الدول العربية على اختلاف مسمياتهم، فهم يرون الإسلاميين دخلاء كما يرون المدنيين كالأطفال الذين لم ولن يبلغوا سن الرشد وسيظلوا بحاجة لتلك السلطة الأبوية «العسكرية» لتقودهم دائمًا، ومع اقتراب ذلك السيناريو المروع سيصبح الضحايا بالملايين؛ نتيجة لتعداد السكان الكبير لمصر والذي يقدر بـ100 مليون مواطن.

يجب على ذلك المجتمع الذي يعاني انقسامًا حادًا بالرغم من توحد مطلب فئات كثيرة منه ومناداتهم بسقوط حكم العسكر، أن تكف عن تصيد أخطاء بعضها بعض وعلى من تورطوا في إراقة الدماء أن يعترفوا بخطيئتهم ويعتذروا، فلا توجد فئة محصنة عن أن تطالها بنادق العسكر ومعتقلاته، وعلى من يقصرون حديثهم عن الانتهاكات التي تحدث لمن يعتنقون وجهتهم السياسية أو من ليس لهم وجهة من الأساس دون غيرهم، أن يتكلموا عن الذين لهم وجهة فكرية وسياسية مغايرة ويطالبون بالحرية لهم أيضًا، وأن يعي الفُرقاء عواقب ذلك المصير الكارثي الذي يلوح في الأفق وأنه سيترك مصر أشد بؤسًا من سوريا والعراق والجزائر مجتمعين وستسيل معه أنهار الدماء بدون توقف لعدد سنوات لا يعلمه إلا الله إن لم يعملوا جميعًا على إسقاط الفاشية العسكرية كاملة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التفويض
عرض التعليقات
تحميل المزيد