لا شك أن تأليف الكتب في الميادين المتعددة والمجالات المتنوعة من الصنائع الشريفة، ولأهمية الموضوع وكثرة المقبلين على الـتأليف في القديم والحديث تكلم العلماء قديمًا وحديثًا عنه.

ألّف السيوطي رسالة سماها «التعريف بآداب التأليف» ذكر في مقدمتها الحديث الذي رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – «إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولدٌ صالحٌ يدعو له». رواه مسلم.

قال السيوطي: حمل العلماء رضي الله عنهم الصدقة الجارية بعد الوقف المنتفع به بعد الموت، وعلى التصنيف والتعليم وهو التصنيف أظهر، لأنه أطول استمرار.

ثم ذكر أقوال العلماء في ذلك تاج الدين السبكي في كتابه «جمع الجوامع» وعز الدين الزركشي في «كتب العلم»، والبغوي في كتاب «التهذيب» والنووي في كتاب «شرح المهذب» وفي كتاب «التقريب والتيسير».

ثم ذكر ما رواه ابن عساكر في تاريخه ما ورد من أقوال عن الشافعي، ثم ذكر ما ذكره الجاحظ في كتاب «البيان» ثم ذكر ما قاله ابن كيسان، ثم ما ذكره ابن الجوزي، ثم ما قاله الحافظ أبو الفضل العراقي في كتاب «شرح ألفية الحديث»، ثم ما قاله صاحب الأزدي، ثم ما ذكره الثعالبي في كتاب «ملح النوادر». انتهى.

ونكتفي بذكر ما نقله السيوطي عن الإمام النووي في كتاب شرح المهذب، في آداب العالم، قال:

ينبغي أن يعتني بالتصنيف إذا تأهل له فيه، يطلع على حقائق العلم ودقائقه، ويثبت معه؛ لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش، والمطالعة، والتحقيق، والمراجعة، والاطلاع على مختلف كلام الأئمة، ومتفقه، وواضحه عن مشكله، وصحيحه عن ضعيفه، وجزله عن ركيكه، وما لا اعتراض عليه، وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد، وليحذر كل الحذر أن يشرع في التصنيف ما لم يتأهل له، فإن ذلك يضره في دينه، وعلمه، وعرضه، وليحذر أيضًا من إخراج تصنيفه من يده، إلا بعد تهذيبه وترداد نظره فيه وتكريره. وليحرص على إيضاح العبارة وإيجازها، فلا يوضح إيضاحًا ينتهي إلى الركاكة، ولا يوجز إيجازًا يفضي إلى المحقق والاستغلاق. وينبغي أن يكون اعتناؤه من التصنيف بما لم يسبق إليه أكثر، والمراد بهذا أن لا يكون هناك مُصنف يغني عن مصنفه في جميع أساليبه، فإن أغنى عن بعضها، فليصنف من جنسه ما يزيد زيادات يحتفل بها مع ضم ما فاته من الأساليب، وليكن تصنيفه فيما يعم الانتفاع به، ويكثر الاحتياج إليه.

وقد عقد ابن خلدون في كتابه «المقدمة» فصلًا في أن كثرة الـتأليف في العلوم عائقة عن التحصيل، وفصلًا في المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف وإلغاء ما سواها، وفصلًا في أن كثرة الاختصارات الموضوعة في العلوم مُخِلَّة بالتعليم.

وقد ألف في هذا العصر الدكتور راشد بن حسين العبد الكريم كتابًا بعنوان: كيف تؤلف كتابًا؟ ونشرته دار العلم للملايين ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، وصدرت الطبعة الأولى منه عام 2009م، ويقع في 127 صفحة.

وهو كتاب مختصر، قال في آخره:

وبعد، فإن من امتلك ناصية البيان، وأدام النظر والتأمل، وأحسن التفكير والتحليل، وأجاد البحث والتحصيل، فسيكون أمر الكتابة والتأليف عليه يسيرًا بعد توفيق الله وعونه، وكم تحتاج أمتنا إلى كتاب ومؤلفين يبدعون في هذه الصناعة، وينقلون لأجيالها ما يفيدهم في دينهم ودنياهم، ويصحح أفكار المجتمعات، ويعلي من مستوى وعيها، فبالفكر، والوعي، والعلم، والإيمان، تحيا الأمم والشعوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

التعريف بآداب التأليف ، للإمام السيوطي.
عرض التعليقات