يعيش المواطن العربي اليوم بين مطرقة مرارة العيش تحت حكم الفرد المستبد، وسندان بطشه. إن حكم الفرد لا يرى إلا نفسه وحاشيته. فلا مكان للشعب تحت ظله الوارف؛ إلا إذا كان من المتمجدين والمتملقين والمسبحين بحمده. أما المساكين الكادحين فمكانهم تحت شمسه الحارقة، خدم وعبيد لمننه. ولما طلب أحمد عرابي من الخديوي توفيق باسم الشعب المقهور بعض حقوقه، كان رد الخديوي: «كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا». هكذا كانت ولا زالت رؤية الحاكم الفرد؛ رؤية لذاته المتضخمة فحسب. رؤية الكبرياء والعلو. رؤية الاستكبار والفرعنة «أنا ربكم الأعلى». تقابلها نظرة الاستحقار إلى عموم الشعب؛ هؤلاء الأقزام النكرات عبيد الإحسانات والمكرمات كما يراهم. فإذا رد إليهم شيئًا من حقوقهم، فهي مَكرُمة لا حق، ولولا توجيهات السيد الرئيس- المهموم بالغلابة- لما تمت. فهو صاحب اليد المعطاء. ووجب على الشعب أن يرد الجميل، ويحفظ المعروف، ويسأل الله أن يطيل عمر الرئيس!

يقول الكواكبي: «والمستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته».

و«هناك حكام حفروا خنادق بينهم وبين جماهير الأمة، لأن أهوائهم طافحة، وشهواتهم جامحة، لا يُؤتمنون على دين الله، ولا دنيا الناس، ومع ذلك فقد عاشوا آمادًا طويلة، وقد عاصرت حكامًا تدعو عليهم الشعوب، ولا نراهم إلا حجارة على صدرها توشك أن تهشمه، انتفع بهم الاستعمار الشرقي والغربي على سواء، في إفساد البيئة حتى لا تنبت فيها كرامة فردية. ولا حرية اجتماعية، أيًا كان لونها» كما يقول الشيخ الغزالي.

لقد صار المستبد وكأنه الدولة، والدولة هو. ولا زلت أذكر شعار الحملة الانتخابية الرئاسية لمبارك: (مصر مبارك) ذلك الشعار الذي اختصر مصر بتاريخها العريق، وجغرافيتها الواسعة في شخص الحاكم. وتلك لعمري بيئة عفنة، صالحة لانتشار جراثيم التملق والنفاق والترضِّي. كتب الشيخ الغزالي: أن وزيرًا ركب السيارة مع رئيسه، الذي كان يقود للتسلية، فاصطدمت السيارة بشجرة على جانب الطريق، ونزل الوزير مسرعًا ليقول لسيده: إن قيادتك للسيارة صحيحة ولكن الشجرة كانت تقف خطأ! في هذا الجو الكالح المظلم، لا مكان فيه إلا لخفافيش الظلام، قليلي العلم والموهبة، معدومي الضمير.

وفي هذا الجو من الاستعلاء والزُلفى تُهان كرامة العلم والعلماء، وتُقتل المواهب، ويُدفن المستقبل الوليد حيًا، ويُقتلع بذور حب الوطن من قلوب أبنائه. وماذا ستفُيد الشهادات العلمية هؤلاء وغيرهم من أبناء المنافقين الذين يحتلون أماكنهم في أعلى الوظائف والدرجات على حساب أبناء الكادحين؛ الذين لا نصيب لهم في المناصب الرفيعة والقضاء؟! فقد صرح وزير العدل محفوظ صابر، أن: «ابن عامل النظافة لن يصبح قاضيًا، لأن القاضي لا بد أن يكون قد نشأ في وسط مناسب لهذا العمل». وصرح الزند : بأن «ابن القاضي صاحب تقدير مقبول أفضل من أصحاب تقدير الامتياز لأن والدهم لم يكن قاضيًا». تلك هي نظرة المستبدين العنصرية؛ نظرة الاحتقار والازدراء لمن هم دونهم. حتى أصبح آلاف العلماء والمفكرين وأساتذة الجامعات ما بين قتيل وسجين و مهاجر، ونالوا أرفع الإهانات، بدل أن ينالوا أرفع الأوسمة، وسُبوا بأفظع الشتائم، وصُفعوا على وجوههم وقفاهم.

فهل هذه بيئة تنمو فيها بذور الإبداع والعلم والتقدم؟!

لقد أهلك الحكم الفردي الحرث والنسل، وقضى على التداول السلمي للسلطة، وظل جاثمًا على صدر البلاد والعباد لسنوات عجاف. ففي مصر ظل مبارك في السلطة 30 عاما ليصبح الأطول في فترة الحكم بين ملوك مصر ورؤسائها منذ عهد محمد علي باشا عام 1805  وقضى زين العابدين بن علي 24 عامًا في الحكم . وظل معمر القذافي لأكثر من 42 عامًا يحكم ليبيا. وتُعد فترة حكم علي عبد الله صالح أطول فترة حكم لرئيس في اليمن منذ العام 1978، حيث قضى قرابة 22عامًا. وفي سوريا ورث بشار الحكم عن أبيه الذي استلم الحكم في 1971واستلم منه بشار في سنة 2000 وإلى اليوم.

لقد تميزت هذه الأعوام الطويلة: بانتهاك حقوق الإنسان، وهيمنة دولة البوليس، وتمدد الأذرع الأمنية القمعية أيًا كانت مسمياتها في كل دولة، وأيًا كانت الأسباب، وازداد القتل خارج القانون، واعُتقل وسُجن آلاف الأبرياء لسنوات طويلة، وحُكم بقوانين الطوارئ، وتمت إحالة المدنيين إلي المحاكم العسكرية…إلخ.

كما تميزت بضعف الأحزاب السياسية والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني وسيطرة الدولة عليها، وهيمنة نظام الحزب الواحد، وشخصنة الدولة، واختزال مؤسساتها وهيئاتها كلها في يد الحاكم، فهو المشرع والقاضي والمنفذ، في آن واحد.

كما تميز حكم الفرد بالفساد السياسي والمالي؛ ففي مصر أواخر 2010 كان حوالي 40 % من سكان مصر يعيشون تحت خط الفقر، بحوالي 2 دولار في اليوم لكل فرد. واحتلت مصر المرتبة 98 من أصل 178 في مؤشر الفساد لسنة 2010.

وتميز بالتضليل الاعلامي، الذي عمل على خداع الجماهير، واللعب بعواطفهم للتأثير عليهم، وتوجيههم وفقًا لرغباته.

وعلى الجانب الاقتصادي كان انتشار الفقر، وتدني مستويات المعيشة، وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتدهور الأوضاع الاجتماعية، وزيادة نسبة البطالة، وزيادة الدَّين الداخلي والخارجي، وارتفاع سعر الدولار، وزيادة الأسعار، وقلة الغذاء والدواء، وانتشار الأمية، وكثرة الأمراض والفيروسات المعدية والأورام… إلخ.

كما تميزت سنوات حُكمهم بنهب الثروات، فقد ذكرت التقارير بأن ثروة مبارك 70 مليار دولار. وبلغت ثروة عبدالله صالح 60 مليار دولار. والقذافي لديه أكثر من 82 مليار دولار. وبلغت ثروة بن علي أكثر من 5 مليار يورو. وثروة بشار الأسد 52 مليار دولار . كل هذه المبالغ الطائلة المنهوبة من قوت ودم الشعوب المسكينة كان وراءها طول سنين التيه وظلام الحكم. في الوقت الذي لم تجد فيه الشعوب ما يسد رمقها، ويواري سوءتها، ويداوي مرضها، ويُؤمن لها مستقبل أبنائها.

ثم جاء الفرج حين حَلَّ الربيع العربي،  فتفتحت أزهار الثورة، وورود الحرية، وياسمين الكرامة؛ التي رُويت بدماء الشهداء؛ الذين قاموا نيابة عن الشعوب المقهورة يدافعون عن مقدراتها، ويعملون على إعادة حقوقها المنهوبة، وايقاف نزيف الوطن، والحيلولة بين الشعوب وقاتليهم وسارقيهم. لقد كشفت نسمات الربيع العطرة، زيف هؤلاء المستبدين، وسرقاتهم، وحجم فسادهم وتدميرهم لبنية المجتمعات.

لقد أزالت رياح الربيع العربي الحُجب عن سوأة الحكم الفردي وبطانته، ورفعت الغشاوة عن أعين الجماهير التي أعمى إعلام المستبد عيونهم عن رؤية حقائق فساده، وحجم المنهوب من قُوتِه وقوت أولاده.

لقد كانت الثورة السلمية ولا تزال هي الحل السحري الأمثل، لإرجاع الحق المغتصب إلى أهله؛ والشعوب هي بحق أهله وأصحابه الشرعيون، الذين وعوا أن ثمن الحرية أقل بكثير من الثمن الفادح الذي دفعته، والذي كانت ستدفعه إذا ما أعطت للمستبدين مزيدًا من الوقت حتى يجهزوا عليها ويتمكنوا من رقبتها. فقطعت حبل الوريد عنهم، ومنعت شريان التغذية الممدود إليهم، وإن لم تستطع إلى الآن أن تعيد دماءها المسروقة إلى جسدها الهزيل، وأموالها المنهوبة إلى خزائنها الفارغة.

لقد ضخت ثورات الربيع العربي الدماء من جديد في عروق الأمة وشعوبها، وبثت فيهم الأمل، ووضعت يدها على الداء، بعدما أحست بآلام الاستبداد. فهتفوا إذا لم تقم بالعدل فينا حكومة، فنحن على تغييرها قدراء. فكان السيل الجارف، الذي كنس في طريقه النظيف رؤوس الطغاة.

لقد كانت الثورة السلمية بحق فكرة عبقرية، ووسيلة ناجعة في التغيير السلمي. فأثبتت أن الشعوب لا تموت، وأن الحقوق لا تضيع؛ ما دام وراءها المطالبون، المضحون في سبيلها. والأيام دول، ويوم الشعب آتٍ لا محالة، والمستبد راحل لا محالة أيضًا. فيوم الظلم ساعة، ويوم العدل إلي قيام الساعة. والبقاء للشعوب، والخلود للشهداء.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد