default-avatar
محمود حاج قاسم
default-avatarمحمود حاج قاسم

قصة وطن

خرج السوريون ليطالبوا بالحرية وإسقاط النظام، بدأت سلمية وحملوها على عاتقهم قضية وطنية، فرد عليهم نظامهم ردًّا وحشيًّا بلعبة حولهم بها لحرب كونية، حرب جمع بها عليهم العرب والغرب، بعد أن أجبرهم على التسليح والمواجهة على الجبهات المفتوحة؛ ليضعهم أمام العالم على أنها ثورة إرهابية، فكان السوريون وحدهم في قضيتهم.

فشهدوا حربًا لم يشهدها التاريخ، الوحيدة على الإطلاق الأشرس والأطول بين الثورات، فسبع من السنين وما زالوا صامدين، قمع مظاهراتهم فاستمروا، اعتقل شبابهم فاستمروا، قصف مدنهم فاستمروا، حاصرهم واستمروا، أخرجهم من مدنهم وسيستمرون؛ لأن الثورة تعبقت في نفوسهم ولم يذوقوا طعم النصر، ثورة أتعبت جميع السوريين، وأنهكت قواهم، لكنها لم ولن تخمد، سترقد قليلًا وستعود أقوى في نفوس ثوارها، فهي أدركت من معها ومن عليها، بل أدركت نقاط ضعفها.

منذ عام 2011 والسؤال مطروح: هل انتهت الثورة؟ والآن الثورة أصبحت في عام 2018، وهذا يجيب عن السؤال، بل الثورة لم ولن تنتهي، فالثورة ذاقت طعم التحرير لبعض المناطق، وذاقت طعم الهزيمة لتلك المناطق، فالتشاؤم والانتكاسات التي مرت بها الثورة كانت مفتعلة وبأيادي عربية قبل أن تكون غربية، ولكنها ما زالت.

وقال في سؤال انتهاء الثورة المعارض وعضو الائتلاف السوري عبد الباسط سيدا: هل انتهت الثورة؟ الثورة نجحت بكشفها لكل القبح وزيف كل الشعارات، وأجيالنا القادمة ستكون أكثر خبرةً ووعيًا وحرصًا.

هذه الحالة وهذه الكلمات هي الأكثر صدقًا على ما يجري اليوم، وما يجري من انتصارات وتقدمات للنظام هو عبارة عن قنبلة موقوتة تنتظر الظرف المواتي للانفجار بصورة تمرد أو ثورة شعبية جديدة، يقوم بها جيل سوري جديد.

لا شك أن في سقوط حلب وما لحقه من انهزامات عسكرية وتخبط وتشاؤم في القوى الاجتماعية والعديد من السوريين لم يعد يثق من ثمرات هذه التضحيات وساد الإحباط بين الشعب الذي ضحى بكل ما يملك، وما من شك من أن الجميع أصبحوا محبطين لدرجة القول بانتهاء الثورة التي خرجت لتنادي بسوريا الحرة، التي لا يجب أن يكون فيها مكان للتسلط على رقاب الناس من قبل فئة قليلة من الناس، وبعض الناس لديهم إيمان بصدق الثورة، وبأنها لن ولم تمت، بل أصابها شيء من الفتور والبرود، وستعود وتنقلب موازين القوى لصالح الشعب السوري كله؛ فالثورة لن تنتهي لأنها الإرادة الحقيقة التي بدأت ولن تتوقف، الثورة مستمرة بقدر استمرار تأثيرها، وهي مستمرة من خلال اعتراف الجميع تقريبًا بأن سوريا بعد الثورة لا يمكن مطلقًا أن تعود إلى الوضع الذي كانت عليه قبل الثورة، وعلى هذا الأساس يمكن القول إن بناء أو قيام سوريا الوطن مكان سوريا الأسد في المستقبل سيكون مدينًا للثورة بمعظم إيجابياتها، وربما كلها، الثورة مستمرة بقدر استمرار قيمها في خطابات السوريين وقيمهم ومتطلعاتهم السياسية.

جميع الثورات توصف بالحدث التاريخي؛ لما لها من تأثيرات، فالثورة السورية لن تنتهي بوصفها حدثًا تاريخيًّا، والحدث التاريخي لا ينتهي بانتهاء وقوعه، بل تكمن نهايته الحقيقية في تأثيره الكبير، والنتائج التي يفضي إليها.

إن قيام الثورة لا يعني تحقيق أهدافها في الوقت الراهن؛ فالثورة السورية فريدة من نوعها، ولا يوجد لها مثيل بتاريخ الشعوب، إنها مثال جديد ونوع جديد؛ فالثورة السورية حطمت حاجز الخوف، إذ انتفضت بأروع وأرقى صور التعبير عن التغيير السلمي لسبع شهور قبل أن يحولها النظام إلى ثورة مسلحة.

إن الثورة بتعريفها هي التعبير الناتج عن الاحتقان الحاد الذي يعيشه المجتمع من نواحي حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

فقيام الثورة لا يعني انتصارها الفوري، لكن بمجرد قيامها لا يحتم انتصارها في وقتها؛ لأن إرادة وفعل التغيير بدأ، ولا يمكن له أن يتوقف.

الثورة السورية كانت بحاجة إلى قيادة وطنية موحدة لتحقيق أهداف الثورة في الحرية والكرامة، وبدون أن تحكمها أيديولوجية معينة، وبعيدًا عن الأهداف الحزبية، لكن المعارضة السورية لم تكن جاهزة لهذه المهمة بسبب انعدام الحياة السياسية، وبسبب القمع المديد للنظام لجميع مظاهر المعارضة والعمل السياسي خلال حكمه، ولان النظام ظهر أمام المجتمع الدولي وحشًا يقتل أبناءه الأبرياء، ويدمر المدن فوق ساكنيها، فكان المخرج الوحيد له أن يخلق وحشًا أبشع منه؛ فأظهر الإسلام المتطرف، وأقنع المجتمع الدولي بأن التخلص من الوحش الأبشع يمثل الأولوية، ويجب الاعتماد على الوحش الأسد للتخلص منه، وبالتالي خلق مفاصلة بين الوحشين للتعتيم عن حقيقة الواقع وحقيقة المأمول.

فخسرت الثورة السورية الدعم الدولي وتعاطف الشعوب؛ بسبب ممارسة الفصائل المتطرفة، وبسبب القنوات الإعلامية للنظام بإظهاره بطلًا لمحاربة الإرهاب، وفي الوقت نفسه ضعف أعلام المعارضة والفساد وتبديد الأموال المخصصة له، وساهمت بعض الدول الداعمة للثورة بحرف الثورة عن مسارها المدني السلمي ذي البعد الوطني، وأوقفوا الدعم عن فصائل الجيش الحر، وأغرقوا الفصائل المتطرفة بالدعم؛ فكان مصير الضباط الوطنيين الأحرار الذين انشقوا عن النظام مخيم اللاجئين في تركيا، وحولوا الفصائل المتطرفة الذين لا يفقهون في السياسة أبسط مبادئها إلى أمراء حرب يحولون المدن والبلدات التي يحرروها إلى سجون كبيرة لساكنيها، ويحرمونها من الإدارة المدنية، وهم غير قادرين على إصلاح جزء من البنى التحتية، ولا حتى حمايتها من قصف النظام.

وتدخلت القوى الكبرى وصانعة القرار بالثورة السورية من منطلق تحصيل مصالحها؛ فبدأت بتغذية الصراع دون السماح لحسمه؛ لأنها لم تتفق بعد على مبدأ تقاسم النفوذ، وبذلك خذل المجتمع الدولي الشعب السوري بتحقيق مطالبه الثورية ونيلها، وتأكد للمجتمع أن الإجراءات التي تتخذها القوى الإقليمية والدولية تخدم مصالحها ولا تهتم لوصول الشعب لحريته وكرامته، وتدخلت كل من روسيا وإيران والشيعة مساندة للنظام، واستطاعت روسيا بالضغط على الفصائل العسكرية لتفكيك بنيتها ووقف الدعم عنها، والنظام عمل على استغلال جميع الفرص من وقف العمليات العسكرية ودخول اتفاقيات خفض التصعيد حيز التنفيذ، بجمع قواته وطرح نفسه شريكًا دوليًّا لمحاربة الإرهاب، وهكذا اقتنع المجتمع الدولي بالسرطان النظام لمحاربة المتطرفين من الجيش الحر والإسلاميين، والذي نشر فيروساته نظام الأسد ذاته، وهكذا أصبح النظام فرصة لاستعادة عضويته التي فقدها منذ عام 2011، وفرصة لعرقلة المفاوضات للوصول إلى الانتخابات.

اتفاق خفض التصعيد الذي أجبر به الخارج المعارضة السورية أدى إلى تقدم سريع وغريب للنظام، واتسعت سيطرته اتساعًا كبيرًا في مناطق سيطرة داعش، ومنذ متى يحقق النظام انتصارات في مناطق وجبهات كثيرة في وقت واحد، فكان عندما يتقدم في منطقة يأتيه رد في منطقة أخرى، أما اليوم يتقدم من منطقة إلى أخرى دون أن يخسر أي منطقة، حتى جماعة سوريا الديمقراطية استفادوا من الهدنة وتقدموا شمالًا، وفي الرقة وحدهم المعارضة من تقاتل فيما بينهم في الغوطة وإدلب.

فالنظام جمع جميع الثوار في إدلب بعد أن اتفق مع المجتمع الدولي باتفاقيات الإخلاء للمناطق التي سيطر عليها، بعد أن حرق وجوع سكانها وأجبرها على التهجير من سوريا النظام إلى سوريا المحرر، بدعم عربي وغربي ومصالح عربية وغربية ضد الثورة السورية، ومواقف قابلة للتغير، ومصالح دولية، وثورة بريئة من الخبث ولتلعب أسباب كان لها الفضل في فشل الثورة، وهنا الفشل لا يعني انتهاء الثورة، بل يعني المحاولة من جديد،

والأسباب هي:

* قطر: الحصار المفروض عليها يجعلها غير قادرة على إحداث تحول أو دعم.

* السعودية: تسحب يدها وتتجه إلى إرسال وفد قنصلي لإيران في الأيام القادمة.

* الاردن تتجه إلى إصلاح العلاقات مع الأسد.

المواقف العربية تتغير، وحلفاء النظام على موقفهم.

* حماس فاجأت الجميع بتصريح السنوار: ننتظر حل الأزمة السورية لتسوية العلاقات مع الأسد.

* تركيا: أصبحت من أولوياتها حل مشكلة الأكراد على حدودها.

* أمريكا: أوقفت برنامج الدعم الذي خصص للمعارضة «صواريخ التاو».

* اللاجئون السوريين وغيابهم عن الإعلام، والمعاملة السيئة من تركيا لهم، وإلغاء فكرة المنطقة العازلة أو التدخل الدولي لحماية المدنيين.

* فشل المعارضة في إصدار ولو بيان موحد أو اجتماع مؤتمر واحد.

* تماسك الجيش رغم كل الانشقاقات ما زال الجيش متماسكًا ومتلاحمًا.

* تقارب أيراني سعودي محمد جواد محلاتي قائلًا: مستعدون لفتح منشآتنا النووية أمام خبراء سعوديين؛ أي إن إيران والسعودية تتفقان على بقاء الأسد.

* سياسة اللعب بالنار سياسة حافة الهاوية، ليس لدى النظام ما يخسره.

* ليبيا مجددًا، فشل العالم في الإطاحة بالقذافي، وسمحوا له بالبقاء في بلده المحتل، رئيس وزراء ليبيا يضع شروطـًا لبدء الحوار، أولها الضربات الجوية بالتوقف، بعد أن كان كل العالم حتى مصطفى عبد الجليل يقول لا حوار مع القذافي ولا مكان له في ليبيا.

* أسباب اقتصادية تأول كل العالم على انهيار اقتصادي في سوريا، ولكن حتى الآن لم تتأخر الدولة في دفع رواتب الموظفين، وتسمح بالتحويل للخارج بدون شروط ولا قيود، هذا يعني أن لديها مخزون احتياطي كبير.

* انخفاض عدد القتلى الآن بسبب اللجوء إلى سياسة الاعتقال والجرح؛ فالجريح لا يحدث صدمة، أو تأثيره كالقتيل، وهذا يعني تراجع الضغط الخارجي.

* تراجع تأييد الأقليات بعد ممارسات طائفية ضدهم وتراجع شعبي.

* حلب ما زالت خارج اللعبة، مسيرات وتأييد، ليسوا موظفين كما يقول بعضهم، تستطيع أن تأخذ الموظف إلى المسيرة، ولكن لا تستطيع أن تجعله يرقص ويغني فرحًا.

* الإعلام، فربكات الإعلام الأمر الذي جعل كل شخص يشك فيما يرى ويحتاج إلى دليل.

*الحل الأمني: درعا كانت تشهد مظاهرات بمئات الألوف، واليوم لا يزيد عن بضع المئات وبشكل متفرد وسريع.

* الحسم: قررت القيادة السورية الحسم بعد الدمار والخراب وإلقاء القبض على المطلوبين والناشطين والإعلاميين واعتقالهم.

* تماسك دبلوماسي رغم كل المغريات لم ينشق سفير سياسي.

أغلب الحضور بالمؤتمرات إخوان، الأمر الذي جعل السوريين يتراجعون عن الاحتجاجات.

* دخول غطاء أمريكي اتضح جليًّا من خلال زيارة سفيرها لحماة.

* العامل الداخلي القيادات في حلب الصامتة، ومظاهرات فيها، والمتظاهرون في درعا وحمص والانفصال بين القيادات، كلها عوامل وأسباب أدت إلى الفشل الحالي، ولكنها دروس للسوريين وأصبحت اوراق العالم كله مكشوفة ليتضح طريق الثورة.

يقولون بأن الحرب خدعة نعم، ونحن المخدوعون، مخدوعون بنظام لطالما هتفنا له بالروح بالدم، مخدوعون بأشقاء عرب كنا لهم ذات يوم عون وعين، انخدعنا بتهمة لصقوها بنا «إرهابيون»، ليحل لهم قتلنا أمام العالم كله، نعم هم يقولون بأن الحرب خدعة، ونحن نقول بأن الحرب كرٌ و فر، ونحن الكرارون وسنعود للحرب، حرب نكون بها أو لا نكون، يا العيش بحرية وكرامة يا القتال على الجبهات المفتوحة، أرادوها حربًا فلهم ما أرادوا.

سترقد الثورة قليلًا لتتخطى فجوات الهزيمة، وتعود بقوة وعزيمة، فلا حقٌ يموت ولا شعب يقهر، ستذهب أحرار الشام، وتبقى الشام، ستذهب تحرير سوريا، وتبقى سوريا، سيذهب فيلق الرحمن، ويبقى الرحمن، سيذهب جيش الإسلام، ويبقى الإسلام.

لنعيد ترتيب الصفوف، ونعمل معًا يد بيد، حتى يرضى عنا الرحمن، ونرفع راية الإسلام في بلاد الشام، بعد تحرير سوريا من الظلم والظالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك