يقارب تقرير أكاديمية ابن رشد التابعة للمركز العربي للأبحاث، المزمع صدوره في أواخر السنة الجارية، قضية المؤسسات السياسية والاقتصادية في العالم العربي وعلاقتها بالتنمية الاقتصادية والتحول الديمقراطي. ويركز التقرير على إشكالية الريع السياسي والاقتصادي، وأثره في مسار التحول المؤسساتي والتغيير البنيوي بالمنطقة، بحيث يعده من بين المعوقات الرئيسة التي تحول دون تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وتنزيل نظام ديمقراطي تمثيلي، خاصةً في مرحلة ما بعد ما يطلق عليه «الربيع العربي».

ينطلق التقرير من تفكيك وتحليل النظام الاقتصادي المهيمن في غالبية بلدان منطقة العالم العربي. ويصنفه على أنه نظام اقتصادي ريعي بناءً على عاملين اثنين. العامل الأول والمتعلق بالمدخل والمصادر المالية للنظام. والعامل الثاني والمرتبط بالأهداف والغايات الاقتصادية والسياسية التي يحققها. بالنسبة للعامل الأول، يعتبر التقرير أن عائدات الثروات الطاقية والمداخيل الناجمة عن القطاعات غير المنتجة تمثل الركيزة الأساسية للمصادر المالية للنظام الاقتصادي الريعي. أما فيما يخص العامل الثاني، يبين التقرير أن هذا النظام يُستغل لأهداف وغايات سياسية خارجة عن نطاق اشتغال المؤسسات، وغير خاضعة للمراقبة أو المحاسبة. ويستدل التقرير بمظاهر استعمال الريع (الرفع من الدعم الاجتماعي المباشر، خلق فرص شغل بالقطاع الحكومي) بالمنطقة العربية لأهداف سياسية تتجلى في تكوين شبكة ولاءات سياسية تخدم الأنظمة الحاكمة أولًا، ومحاولة شراء السلم الاجتماعي أو الصمت السياسي ثانيًا.

وفي سياق آخر، يسرد التقرير الآثار السلبية لهذا النظام الاقتصادي على المنظومة والبنية المؤسساتية السياسية والاقتصادية ككل. ويلخص هذه التداعيات الهيكلية في أربع نقط:

أولاً، تعطيل روح المبادرة والرغبة في الاستثمار. في الواقع، يرى التقرير أن توزيع الريع والمكاسب الاقتصادية على فئة معينة يحددها النظام الحاكم أو العائلة الحاكمة قد حال دون تشجيع المبادرات الفردية والشجاعة للمواطنين في مجال الاستثمار. فعملية الاحتكار لبعض مجالات التصنيع أو بعض المنتوجات من طرف أطراف محددة وفقًا لمعايير كالولاء وطاعة النظام، جعل من نسبة نجاح الأفكار الاقتصادية الجديدة والمبتكرة ضئيلة. وليدعم موقفه، يستدل التقرير بمقتطف من مقال «العقلية الريعية في الثقافة العربية» الذي يعتبر أن «الرسالة التي يلتقطها الفاعل الاقتصادي من الثقافة الريعية تتلخص في أن النجاح متصل بالإمكان العلائقي لا غير، وأن القرب من دوائر السلطة، هو الكفيل بتحقيق الثروة، ولا سبيل لبلوغ ذلك سوى تقديم فروض الطاعة والولاء، بالانتماء إلى الحزب الحاكم، والدوران في فلك من تدور حوله الأفلاك». ويضيف التقرير في الصدد نفسه: «القرب من موزعي الريع يُثمر مكاسب اقتصادية في صيغة إعفاء ضريبي أو إقراض مُجْزٍ أو حتى صفقات مربحة وامتيازات مهمة، وكل ذلك خارج القانون قريبًا من الريع».

ثانيًا، توليد وإنتاج وظائف ذات جودة متدنية. يوضح التقرير أنه بحكم غياب مظاهر المراقبة والمتابعة الناتجة من الطرق المستعملة في الحصول على امتيازات العمل أو مزاولة نشاط اقتصادي معين من جهة، وهشاشة النمو الاقتصادي من جهة ثانية، يتم إنتاج أو توفير فرص عمل تُغيِّب شروط العمل اللائق ولا تحترم المعايير الدولية الواجب ضمانها للشغيلة واليد العاملة، بحيث غالبًا ما تكون هذه الوظائف غير مدرجة في نظام التغطية الصحية.

ثالثًا، سيطرة قطاعي المضاربة المالية والعقار على غالبية الاستثمارات الداخلية. في هذا الصدد، يوضح التقرير أن النموذج الريعي المهيمن في بلدان العالم العربي يستقطب الاستثمارات ذات المردود والربح السريع. فبدل أن يتم التركيز على القطاعات الصناعية المنتجة ذات القيمة المضافة على المستوى البعيد، يؤدي النموذج الريعي إلى تحفيز وتشجيع كل الاستثمارات ذات العائد المرتفع والسريع.

رابعًا، نمو اقتصادي غير مستقر وتنمية اقتصادية هشة. في هذا الإطار، تعزو الورقة أسباب ضعف هذه البنية إلى الارتباطات بالمتغيرات التي تتحكم في صلابتها. يقول التقرير في هذا الصدد: «فنظرًا إلى ارتباط هذا النظام بعوامل خارج نطاق تحكّم السياسة الاقتصادية من قبيل عائدات النفط والغاز التي ترتبط بمستوى الأسعار في الأسواق العالمية، ومحاصيل القطاع الزراعي المرتبطة بالظروف المناخية، إضافةً إلى تدفُّق تحويلات العمالة المهاجرة التي عادةً ما تحددها الظرفية الاقتصادية في البلدان المستضيفة، يصبح النظام هشًّا غير قادر على التصدي للأزمات وامتصاصها».

ومن أجل معالجة هذه الإشكالية، يقدم التقرير مجموعة من الحلول العملية محاولًا تفادي إعادة إنتاج أو تكرار عملية مقاربة إشكالية الريع نفسها. وفي هذا الإطار، يشير التقرير إلى العلاقة التي تربط بين الريع السياسي والريع الاقتصادي بحيث يعتبر أن كل واحد يحصن الآخر أولًا، وأن معالجة ومقاربة واحد بعيدًا أو في منأى عن الآخر هو بمثابة تكريس للريع بدلًا من تفكيكه ثانيًا. ولهذا، يؤكد التقرير ضرورة تحقيق تحول مؤسساتي اقتصادي وتحول مؤسساتي سياسي لضمان تحول على المستوى التنموي الاجتماعي. فالمشكلة الريعية لا تحتاج إصلاحًا على اختلاف حدته، بل لتحول للبنية ككل. ويرى التقرير أن المسألة في حد ذاتها لا ترتبط بمصادر الدخل فقط، إنما يتعلق الأمر بمنظومة مؤسسية تشمل كل من القوانين الرسمية كالتشريعات، وغير الرسمية كالأعراف. فإذا حددت هذه المنظومة طبيعة العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم ودفعت المواطن لاستمالة، بكل الطرق المتاحة، رضى وعطف الحاكم من أجل الحصول على امتيازات اقتصادية وسياسية البعيدة كل البعد عن الحقوق، ففي هذه الحالة، حسب التقرير، تصبح هذه المنظومة ريعية أكثر منها مؤسساتية. ومن أجل تفسير طرحه، يستدل التقرير بمقتطف من مقالة «من الريع إلى الإنتاج: الطريق الصعبة نحو عقد اجتماعي عربي جديد» لعمر منيف الرزاز، والتي نشرها قبل أن يصبح رئيسًا للحكومة الأردنية، حيث تقول: «إن المنظومة المؤسسية التي تحكم مرجعيات الدخل والإنفاق هي التي تحدِّد مدى ريعية الدول. يُذكِّرنا هذا البعد المؤسسي بالإسهامات الحديثة التي تُعيد النظر فيما تسمى «نقمة الموارد»، فتُصر على أن ليس هنالك نقمة موارد إنما «نقمة مؤسسات»؛ أي إنه بوجود الإرادة السياسية وبناء المؤسسات التي توجه الحوافز بالاتجاه الصحيح، من الممكن أن تتحول نقمة الموارد إلى «نعمة الموارد».

وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن «أكاديمية ابن رشد» التابعة للمركز العربي للأبحاث المغربي هي عبارة عن سلسلة من الدورات والتكوينات العلمية الهادفة إلى تقديم توصيات للفاعلين السياسيين وصناع القرار بغية محاولة إيجاد حلول للملفات التنموية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بالمنطقة العربية. كما تهدف أيضًا إلى تعزيز ثقافة سياسية شاملة في العالم العربي من خلال إشراك العديد من الأطراف المؤثرة من ممثلي المجتمع المدني والباحثات والباحثين الشباب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد