قَلَّبَ صفحاتِ كتابِه المتآكلِ:

هذا الدَّرسُ غيرُ مهمٍ، ذاك محذوفٌ، وذا يعتليه بالخطِّ العريض عبارة: «مش داخل»، وصفحاتٌ تعترضها إشارة «X»، وتنتهي المذاكرةُ ويُختمُ العلمُ المُعَلَّبُ!

هكذا يختصر التعليم في المنهاج المدرسي، ويُختزل على ما بين دفَّتي الكتاب لا أكثر، فلا تغذية راجعة، ولا تجارب علميَّةٌ أو عمليَّةٌ أو حياتيَّةٌ رافدةٌ لمعلومات الطلبة وما يعلق في أذهانهم – إن علق -!

التعليم في بلادنا سطحيٌّ إلى الحدِّ الذي يخرج الطالب منه كإسفنجةٍ؛ تمتص كلَّ ما تجد، وما تلبث أن تفرغه على أوراق الامتحانات ونماذج الاختبارات، لتعود بعده جافةً هشَّةً كما كانت!

وليست مشكلةُ التعليم محصورةً في المنهاج المدرسي وحسب، فالمنظومة التعليمية قائمةٌ على أقطابٍ ثلاثة: أحدها المنهاج المدرسي، وثانيها الأنظمة الحاكمة للتربية والتعليم والمسؤولة عنهما – وهي المتمثلة بمؤسسات التربية والتعليم -، وثالثها وأهمُّها المعلم؛ الركن الأساسي وحجر الزاوية في العملية التعليمية.

مشكلة المعلمِ في مؤسساتنا التعليميَّة – على اختلافِها وتنوعِها – أَنَّه ليس معلمًا وحسب، مشكلتُه أَنَّه مطالبٌ بالكثيرِ الكثيرِ، وقائمةٌ طويلة من المهام، في هامشها التعليم وفي آخرِ سطورِها التربية! مشكلةُ المعلمِ أَنَّه أُرغمَ على الاكتفاءِ بالبحثِ عمَّا يسدُّ حاجاتِه، وما يكفيه لحياةٍ شبه كريمةٍ، ليكونَ في ميدانِه – الغرفة الصَّفية – الذي من المُفتَرَضِ أَن يكونَ فيه القويَّ المِعطاء، ليكونَ فيه الحلقةَ الأَضعف.
لا يُتصور أن يرقى مستوى التعليم وتتحسن مخرجاته، ما دام حال المعلم في بلادنا العربية كما هو، بلا تقديرٍ واحترام، بلا مردودٍ يكافئ قداسة المهنة ودخلٍ يوازي الأعباء الكثيرة، هذا المعلم الذي لا يُكتفى من تحميله تبعات كلِّ تعثرٍ وخلل في العملية التعليمية، ولا يُملُّ من نسبة كلِّ تردٍ وانحدارٍ أكاديميّ أو أخلاقي لدى هذا الجيل! ولو أنَّهم تركوا للمعلم مهمة التربية والتعليم منزوعًا منها باقي الأعباء، ومنحوه من الحقوق ما يصون كرامته، لرأوا مخرجات تعليمٍ أفضل حتمًا.

ولا يُختلف على الدور الأساس لوزارات التربية والتعليم، التي تقع عليها مسؤولية توفير البيئة السليمة الصالحة لعملية التعليم، من مدارس مؤهلةٍ ومجهزةٍ بكلِّ ما من شأنه رفد التعليم والرقي بمستواه، والعمل على مواكبة كلِّ حديثٍ في المجال التربوي والتعليمي من: أدواتٍ، ومناهج، وسياساتٍ وخطط، والعمل على تفعيلها واقعًا عمليًّا، لا أن تبقى حبيسة أوراقٍ مآلها سلَّة المهملات!

والخلاصة أنَّ مستوى التعليم وحاله في بلادنا سيبقى لا يراوح مكانه، إذا بقي التركيز على قطبٍ واحدٍ من أقطاب العملية التعليمية دون الأخرى، فليس الأمر مقتصرًا على المناهج وحدها؛ فأفضل المناهج وأجودها دون معلمٍ مؤهلٍ لا تسمن ولا تغني، وليس الأمر مستندًا على المعلم وحده؛ فمعلمٌ شغوفٌ مِعطاءٌ في بيئةٍ تعليميةٍ سيئةٍ وأنظمةٍ وقوانين متهالكةٍ، لن يفيد ولن يثمر.

وليس سرًا ولا يخفى على أحدٍ، أنَّ التعليم أولًا؛ إن كنَّا نريد نهضةً حقيقيةً وتقدمًا ورُقيًّا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد